وردة بطرس أول شهيدة من الطبقة العاملة تسقط تحت نيران الدرك، فماذا في التفاصيل؟

“الأهم من ذلك كلّه كان ازدياد حجم التأييد الشعبي للمطلب الأساسي الذي رفعتْه الحركةُ العمّاليّة، وهو إقرار قانون العمل. فلولا دماءُ وردة بطرس إبرهيم وزميلاتها وزملائها التي أُهرقتْ دفاعًا عن لقمة عيش العمال، لنام هذا القانونُ في أدراج الحكومة لسنواتٍ، وربّما لعقود، قبل أن يرى النور”.

من مركز إقامته في مونتريال، كتب الباحث الدكتور مالك ابي صعب بحثاً معمقاً عن وردة بطرس، التي استشهدت وهي في الـ18 ربيعاً، والحركة العمالية في مجلة الآداب.

من هي وردة بطرس؟

صورة نادرة لوردة بطرس.( صفحة جمعية –

تقصي معلومات عن وردة بطرس إبرهيم ليس بالأمر السهل، ولاسيما أنها سقطت شهيدة في العام 1946 خلال إضراب عمال شركة الريجي في فرن الشباك، او حتى يوم كان للحركة العمالية معنى وثبات.

لكن الدكتورة ماري ناصيف- الدبس، إحدى الرائدات في حقوق المرأة في لبنان، تترأس اليوم جمعية باسم “جمعية مساواة –وردة بطرس”، وهي وصفتها عند لقائنا بها قائلة: “كانت وردة قوية، ومناضلة وصلبة لا تتراجع”.

من هي وردة بطرس؟ قالت الدبس إنها “ولدت في ربيع 1920 في كنف عائلة متواضعة من عائلات جبل لبنان..والدتها تردد على مسامعها يوميا أن على الانسان أن يتعب ويشقى لكي يعيش وأن الله فد أشفق على والدها بأن جعله يعمل أجيرا، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، في أحد معامل الدخان التسعة عشر التي تنتشر داخل مدينة بكفيا”.

من قصاصات الصحف في حينها.( الأرشيف)

وتوقفت عند نقطة مهمة سجلت في حياتها وردة بطرس مشيرة الى أنه “بعيد ميلادها الخامس بقليل، اختفى والدها وعمها وبعض شباب القرية منذ الفجر. في ذلك المساء، أخبرها والدها بأنه ذهب الى بيروت للمشاركة في عيد أول أيار، الذي دعا الى الاحتفال به “ابن ضيعتنا فؤاد الشمالي”، قال: “ذهبت مع عمك وشباب الضيعة الى سينما كريستال حيث التقينا المئات من أمثالنا. أطل علينا الأستاذ فؤاد وحدثنا عن ضرورة تنظيم أنفسنا عبر الانتساب الى النقابة العامة لعمال الدخان التي كان قد أسسها قبل سنة. وأخبرنا أن العمال في بعض بلاد أوروبا، ومنها فرنسا، نجحوا في فرض تحديد ساعات العمل بـ8 ساعات يوميا”.

إستشهاد وردة

من قصاصات الصحف في حينها.( الأرشيف)

ماذا حصل في 1 أيار 1946؟ أجابت الدبس: “في الأول من أيار 1946، توجهت وردة كعادتها منذ بضع سنوات الى مقر الاتحاد العام لنقابات العمال في لبنان. كان الحشد كبيرا والجوّ حماسيا، إذ إنها المرة الأولى يحتفل عمال لبنان بعيدهم بعد إنجاز الاستقلال وجلاء الجيوش الفرنسية عن أرض الوطن”، مشيرة الى أنها “بعد انتظار لم يتجاوز ربع ساعة، التقوا رئيس الاتحاد مصطفى العريس الذي دعاهم الى الإضراب من أجل إقرار قانون العمل الذي ينظم أوضاعهم ويحدد حقوقهم”.

وتوقفت عند الحادثة مشيرة الى انه “صدر الأمر من وزير الداخلية صائب سلام بكسر الإضراب. تحرك الدرك بكامل عتادهم لتنفيذ القرار… وبدأ الهجوم بأعقاب البنادق ومعه إطلاق النار من خلف بعض المجنزرات التي راحت تتقدم لفتح الطريق. تراجع بعض العمال. فصرخت فيهم وردة أن عودوا الى أماكنكم واثبتوا فيها، وفجأة تقدم أحد أفراد الدرك ووجه بندقيته الى صدر وردة وأطلق النار”.

في اوتيل ديو

من قصاصات الصحف في حينها.( الأرشيف)

تناول حسن صالح في بحث معمق عن الحريات النقابية “وردة بطرس إبرهيم (27 حزيران 1946) المنشور ضمن مجموعة بحوث عن “مواطن الغد، الحريات وحقوق الإنسان” الصادر ضمن منشورات المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي (ص189-190) وذكر انه “نقل الجرحى من العمال الى مستشفى اوتيل ديو والجرحى من العاملات الى دار التوليد الفرنسية…

عن مقتل وردة قال:” وجدت في خندق محاذ للطريق وقد سقط نخاع رأسها على الأرض بجانبها. ولحظة اصابة وردة اتفق ان كان العامل سبع صوايا على مقربة منها فحاول حملها، لكن احد الدركيين اعترضه وانهال عليه ضرباً”.

وأضاف: “العاملة لور ديب والعامل نجم حبيقة بإصابات خطرة الا انهما عادا وتماثلا للشفاء”، مشيراً الى اصابات بجروح مختلفة للعمال والعاملات نجلا دكاش، ماري بلطجي، سعدي ناصيف حبيقه، بهيجة نهرا، رفيقة مجاعص، روز داموري ، سكيني حسيني، هيكوي درجيان، ماري ما رديني، جميلة اسحق، جوزفين اشقر”.

قانون العمل …

ذكر صالح في المصدر نفسه (ص 191) انه “كان من شأن إضراب عمال الريجي واستشهاد وردة بطرس ابرهيم في حادثة فرن الشباك ان شكلا منعطفاً مهماً في تاريخ الحركة العمالية، فكانا حافزاً لقيام عمال وموظفي عدد من الشركات الأخرى بإضطرابات من اجل إنتزاع حقوقهم. كما انهما أنضجتا الرغبة لدى القيمين على الأمر بوجوب إقرار قانون العمل.”

وأضاف: “اخيراً، اثمر النضال العمالي المرير، الذي بدأ بإضراب عمال شركة الكهرباء وتكلل باستشهاد وردة حيث قام مجلس النواب في 23 ايلول 1946 بالتصديق على مشروع قانون العمل بمادة واحدة، ثم احيل على رئيس الجمهورية الذي وقعه في اليوم نفسعه وصدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 تشرين الأول 1946”.

كلنا وردة بطرس

من قصاصات الصحف في حينها.( الأرشيف)

بالعودة الى زماننا، اكدت الدبس “اننا في العام 2000، كنا منتسبين الى اللقاء الوطني للقضاء على التمييز ضد المرأة”، مشيرة الى “اننا بدأنا العمل لتعديل القوانين ومنها قانون العمل”. قالت:” كنا نعرف عن وردة بطرس من كتاب الياس البويري. قررنا ان نضع في العام 2005 وجهة محددة للجمعية ، وخصلنا العلم والخبر عام 2009 بعد ان رفعناه رسمياً العام 2008 “.

ما هو حصاد الأعوام العشرة الماضية؟ قالت :” اننا ومجموعة من المنظمات النسائية والعمالية شاركنا في العام 2000 بتعديل قانون العمل من اجل المساواة بين الجنسين في ما يتعلق الأجر وعدم صرف المرأة الحامل. وتحركنا في العام 2010 وما فوق لتطوير اجازة الأمومة في القطاع الخاص إضافة الى تحرك في مسألة قانون الجنسية يليها العمل على بعض انظمة الموظفين ومنها التعويضات العائلية يسمح من خلاله ان تمنح المرأة اللبنانية ، في حال كان زوجها بلا عمل، تعويضاً عائلياً مماثلاً للرجل”.

وشددت على “اننا نضع في الأولويات العمل على تغيير بعض اجزاء من قانون الأحوال الشخصية المدنية إضافة الى منع تزويج القاصرات”.

تتطلع الدبس الى تعميم قصة نضال وردة بطرس بين الجيل الناشىء، وتقول: “كان رئيس الاتحاد مصطفى العريس ذائع الصيت، فجاءه وزير الداخلية الراحل ريمون اده لتهنئته بالسلامة بعد محاولة اغتياله. فما كان منه الا ان استغرب تواضع بيت العريس”…

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*