“وداع لبنان” (محمد أبي سمرا) بين الملحمة والمرثية

يونس جمعة|الأربعاء25/12/2019
Almodon,com

بلاد الارزلا يشك سواد الناس في “ذائقتهم الموت” ولا في “فنائهم” عن وجه الأرض، هم وما يشاركهم الإقامة العابرة على وجهها هذا. ومن تراوده هذه الفكرة يترجّح بين تذكّرها وبين نسيانها، ويغلِّب النسيان والسهو على التذكّر. ومن هذا شأنه، أي الناس كلهم، قلما ينتبه إلى موت البلدان والأوطان (والبلدان على ما يراها أهلوها هي أوطان). وذلك على رغم مزاوجة القولين: “كل نفسٍ ذائقةُ الموت” و”هذه الدول نداولها بين الناس”، وتواردهما. وحين قرأ واحدنا مقالة بول فاليري، غداة الحرب العالمية الأولى وكارثتها الكونية والأوروبية على وجه الخصوص: “نحن، الحضارات، نعلم منذ اليوم أننا ذائقات الموت”، حسب أنه يفيق من سبات أعماه عن بداهة ماثلة ونافرة.


وقريباً من اختبار ومعاناة فكرة موت الأوطان القاسية والمُمضّة، بدا لي في وقت مبكر أن اللبنانيين يتمتعون، إذا جاز القول، بباعٍ طويل في هذا المضمار، جاهروا بالأمر على الملأ أم وسدوه الصمت. فمن ولد وشبّ قبل أن يشيب في هذا “البلد”، على ما يقول معظمنا مستكثراً “الوطن” اسماً وكنيةً، لم يفته أن الأزمات الكبرى والمنعطفات الحادة تُفضي لا محالة، في وقت من الأوقات، إلى السؤال (المسألة) عن مصير الدولة- الكيان، أي عن دوام وحدتها الإقليمية (أراضيها) والبشرية (جماعاتها) والحقوقية (الدستورية والسياسية).

فبعض الأراضي والجماعات يخيم عليه منذ “القِدَم”- من المئة سنة التي يعدها عمر الدولة- الكيان، وبعيداً من الستة آلاف سنة التي تمناها بعضنا- طيف “البلاد الواسعة” وتبديل “الأحباب والأوطان”، على قول مجنون ليلى. فكأن طرابلس منذورة إلى الشام. والبقاع ليس إلا “جوف سوريا” (أو “سوريا المجوفة”) على تصنيف جغرافي فرنسي شاع في أواخر القرن الأسبق. والجنوب (اللبناني)، “كل الجهات”، ليس إلا استعارة ضعيفة لجنوب أعظم هو جوهر الأمكنة وقدسها، فلسطين. وقد تكون هذه في عهدة أو ولاية عواصم كثيرة: القاهرة، أو دمشق، أو طهران، أو بغداد، أو إسطنبول… أو كلها على التوالي أو معاً. وتُنسب بلاد الأرز إلى “الرب” وتحمل على كلام بين الله والأرض. والساحل كله ليس إلا “إسكلات”، مرافئ تدين لوفادة التجارة المتوسطية وتجّارها مقدار ما تدين لأهل البلد، فهو “أرض حرة” ومنزلة بين منزلتين.

فماذا يبقى من ائتلاف هذه الأجسام التي تشبه مركبة تلتحم أجزاؤها من تلقائها، إرادياً أو اضطرارياً على درجات التحام متفاوتة القوة والمُسكة، إذا هزّته (الائتلاف) تجربة كتلك التي تدعو الصلاة “أبانا الذي في السموات” إلى النجاة منها؟

الأنواع والأبواب

قد لا يصوغ محمد أبي سمرا سؤاله في كتابه وداع لبنان (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت)، على هذا النحو، المغرق في التحويم الفوقي أو العمودي، على قول فلاديمير بوتين وجهازه. فهو يقترح على رواة غير محترفين: أستاذ جامعي ابن بلد في المناسبة، وصف ضابط منشق ومنخرط في ثورة على جيشه ودولته، ومهندس مدني ومحازب شيوعي وأرثوذكسي أهلي وعصبي، وطبيب ورئيس بلدية مئوي، ورئيس بلدية عائلي آخر، ومنقّبَيْن في سجلات كنيسة بلدتهما- يقترح على هؤلاء رواية سيرتهم، الخاصة الفردية والمشتركة، أو سيرة بلدتهم أو قريتهم في العقود السابقة القريبة والبعيدة، وغالباً مزيج السيرتين.

وبعض هذه الروايات لم يروِها أصحابها على سمع الكاتب بل قصّوها على غيره. وقرأ هو مدوّنة غيره، وبسطها على قارئه، ووصل بينها وبين ما دوّنه هو وسجله (على أشرطة آلة تسجيل) وكتبه. وتخلط الروايات الأخبار والوقائع والحوادث والمصادر والموضوعات والأمكنة والأزمنة خليطاً لا تجانس أو مجانسة فيه. فيتنقل الرواة بين أنواع أو أبواب من الأخبار لا يجمعها غير صدورها عمن يحكيها، وينسب إلى نفسه شهودها وإدراجها في “ترجمته”.

والكاتب، بدوره، يعقد في ثنايا السيرة فصلاً “يستريح” فيه من النقل والتدوين والتسجيل ويتأمل فيما رواه راويه وربما غيره من الرواة، ويستخلص ما يراه مترتباً على رواياتهم. وقد “يستولي” محمد أبي سمرا على 11 صفحة كاملة من سيرة إميل شاهين، فتوّة شيوعي في الكورة الأرثوذكسية، ص 148- 158، فيخرجها من السرد بصيغة المتكلم الفرد إلى صيغة التقرير الواصل من “نشيد التاريخ”، لكان محمد مهدي الجواهري قال، الخواتم بالمطالع والبدايات. ويضع الكاتب على لسان راويه في بعض المواضع فقرات تقريرية، قد يكون الراوي صاحبها حقيقةً وفعلاً، إلا أنها تجافي المواضع السيرية أسلوباً أو أداءً.

أصول وفروع

وعلى خلاف توزيع لبنان المركّب وتقسيمه (على) منازع وأنحاء متباينة، وعلى ميول جغرافية وتاريخية متفرقة يرثها الأبناء عن الآباء وراثة مضطربة، يسأل الكاتب رواته عن سيرهم الخاصة أفراداً وآحاداً، وعن مسارح هذه السِّير وأوقاتها وأقرانها ودوائرها، وعن ملابسات لقاءاتها ومصادفاتها. ومن حكى منهم وقال “أنا” من غير انقطاع تقريباً (ما عد الاستثناء أعلاه) هو إميل شاهين الشيوعي الكوراني (ص111- 224 من الكتاب، أي ثلثه)، ويليه طانيوس أبو يونس، طبيب حمانا ورئيس بلديتها (ص 225- 262). ووسم الكاتب سيرة الطبيب بعنوان الحياة المادية في حمانا القرن العشرين، وهو بعيد من مقام السيرة ورسوم صناعتها. فلا غرابة، بهذه الحال، إن خلطت هاتان السيرتان أكثر الوقائع تخصيصاً وتلويناً وماديةً بأعرضها أو أوسعها دلالة على وجهات الحوادث العامة. ويُفترض أن تؤدي هذه الوجهات، في أواخر المطافات، إلى “وداع” لبنان، على زعم وسم الكتاب.

وتكاد تجتمع السير المتفرّقة، والمتفاوتة الرسوم والمقامات، على صورة خطوط بيانية لبنانية، مسيحية، جرت عليها أو رسمتها سير “اللبنانيين” في تاريخ “حديث” يرقى إلى القرن الثامن عشر (م). ففي بدايات أصحاب السير، وفي بدايات قراهم أو بلداتهم، وجماعاتهم الأوسع، “أصول” مشتركة هي:

– الأرض، ملكها وفلاحتها وزراعتها ورعي مواشيها والاتجار بفائض محاصيلها،

– والكنيسة، وخوريها وأبرشيتها ورعيّتها وعائلاتها وأوقافها وانقسام الرعيّة عامة ووجهاء وغرضيات،

– والمدرسة، وسلك الرهبنة الذي قد يولي الضيعة رعايته، ويختار من أولاد الرعيّة من يتوسّم فيه الأهلية للدرس أو السيامة في السلك أو المكانة الآيلة إلى تمتين الأواصر وخدمة المصالح وتمكين المكانات.

وعلى هذه الأصول، المشتركة والمتفاوتة قوة وأثراً، وعنها تفرّعت مسالك “اللبنانيين” ومصائرهم الجماعية والفردية، وغلبت الأخيرة ربما على الأولى. فلم يُنشئوا عصبيات دم وقرابة- على المثال العربي والقبلي التقليدي السائد والغالب حتى في المدن وحاراتها وخططها-، وهم صدروا أولاً عن هجرات مبعثرة زمناً ونسباً وبلداناً. وصنعوا، من طريق المتمرن والكنيسة، لُحمة لاحقة أو مستأنفة تسيَّد عليها “رؤساء” أو “مشايخ” كانوا من غير ملّتهم، في أول الأمر، ثم اعتنق معظمهم اعتقاد رعيّتهم، وشاركوا الجهاز الكنسي التمثيل الأهلي والسياسي والسلطة على وجهيها، “الاقتصادي” والتمثيلي (النفوذ).

وقامت على الرؤساء والمشايخ هؤلاء، وبالأحرى على أمثالهم في البلاد المختلطة، حركات عاميّة فشت “عدواها” في البلاد كلها، واضطلعت فيها السياسات الدولية، والسلطنة العثمانية قطب فيها، أدواراً راجحة. فكانت “الطائفية”، اللبنانية حصراً على ما حسب ويحسب ألسنة “اليسار” القومي والديني والسياسي الاجتماعي، وليدة مسارات ومنازعات عسكرية وبلدانية وديبلوماسية واقتصادية وسكانية وأهلية متداخلة وعسيرة على التوقّع والنَّظم. وتوّجت هذه الطائفية، في العقود اللاحقة، نزعات سياسية متضاربة. فحرّرت جماعات متفرقة من عصبيات محافظة خانقة، وقدّمت منطق العلاقات الاجتماعية وبعض انفراطها الفردي على اللحمة العصبية وأسرها. ومن وجه آخر، قوَّت لُحمات عصبية دفاعية وغلبتها على انفراطها الاجتماعي الفعلي والمحتمل. وكانت سند التحام بأحلاف أهلية عريضة نزعت إلى تشكيل سلطاني وإمبراطوري رُكنُه الولاء والاستتباع السلاليان والدمويان المغلفان بغلاف المعتقد الخلاصي. ويحول هذا دون “التأليف” الأفقي والسياسي الجامع أو هو يقاومه مقاومةً عنيدة.

وما يستهوي محمد أبي سمرا من هذا التاريخ ويشدّه هو حقبته الصافية أو الصاعدة، السابقة عكر الدولة الواحدة والمختلطة. فيكتب مودّعا الدبّية، على مقربة من ساحل إقليم الخروب الشوفي: “لكن زائر الدبّية اليوم يعزّيه أن عمرانها الموقوف الذي يطرّزه خفوت الحياة فيها، لا تزال مشاهده تنبض بإلفة زائري الآحاد من أهلها المقيمين في ديارهم الجديدة البعيدة… (و) من آخر هذه المشاهد قبل أن أغادر، جمعٌ من نساء ورجال مسنّنين يجلسون على مصطبة أمام دكان- مقهى عتيق قرب الكنيسة وسنديانتها الضخمة العتيقة. جلسة هادئة وهانئة، وفناجين قهوة وكلمات وضحكات، كما في أغنية قديمة…” (ص315).

ونظير هذا، قبل 5 صفحات: “…أكثر من عشرين بناية، كلُّ عشرٍ منها تصطف الآن متقاربة مأهولة بطبقاتها السبع أو الثماني، فيخيّل للناظر إلى واجهاتها ومداخلها أنها عتقت وتآكلت مباشرة بعد تشييدها، أو فور نزول سكانها وإقامتهم فيها، وتركيبها ستائر بلاستيكية متباينة الألوان على شرفاتها (…). الطلاء على الواجهات والجدران مقشّر أو كمدت ألوانه (…) فيما تنبعث في المكان بعض أصوات متباعدة كأنها أصداء في الخلاء الإسمنتي بين البنايات…” (ص310).

ولا تُحصى الأضداد على هذا الرسم في مواضع كثيرة من الكتاب. ولعل انعقاد حوادث تاريخ “اللبنانيين” على صورة بيانية تؤدي معانيَ معاصرة وحديثة، يفهمها من نشأ في ثناياها المتنازعة، من وجه، وولادة النزعات والتيارات المخالفة والمضادة مسوخاً سياسية وثقافية واجتماعية يعصى الفهمَ عنفها الثأري، من وجه آخر، لعل الانعقاد المزدوج والمبتسر هذا هو الباعث على ما يترجّح في الوداع بين الملحمة وبين المرثية، ولا يخلي مكاناً، بعد موت المأساة، للدراما والكوميديا والرواية “البورجوازية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*