وحشية الشرط الحكوميّ

عقل العويط

     26 كانون الأول 2018 | 11:42

 

لوحة لبول غيراغوسيان.

 

العائلات المستورة، الأفراد المتروكون “فريسةً” للجوع والعوَز والحاجة والمذلّة، الفقراء الذين لا يعيّدون، مكوّنات “الطبقة المتوسطة” المنعدمة الوجود، هل نلقي لهم بفضلات احتفالاتنا وولائمنا، وبثيابنا المستعملة، وبنظراتنا المشفقة، وبعباراتنا المُجامِلة، لكي لا نشعر بتأنيب الضمير من جهة، ولكي يشعروا هم من جهتهم بأن الناس سواء أمام الله والحقّ والقانون والعدل والمساواة والإنسانية؟

لا أعرف أن أجيب بنعم. ينبغي لي أن لا أجيب بنعم.

أقول بقوّة، وبصلافة: لن أجيب بنعم.

نَعَمٌ كهذه، هي في واقع الحال، شئتُ أم أبيتُ، تكون حيوانيةً، مسمومةً وكاذبة ومخدِّرة وملأى بالغشّ والنفاق.

لذا، ولسببٍ كهذا السبب بالذات، أتجنّب الأعياد، بل أكره الأعياد، متفادياً الاحتفال الاستعراضيّ العلنيّ بها، لأنها تفضح بطريقةٍ مخزية، وحشيةَ الشرط البشري. مثلما تفضح وحشية القانون والنُظُم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

… مثلما تفضح أيضاً وحشيتنا، ووحشية “الآخرين”، الذين نعتقد جميعنا تقريباً أن الناس خُلِقوا هكذا، ويُخلَقون هكذا، مراتبَ وطبقات، فقراء وأغنياء.

لسببٍ كهذا السبب، ولأني أعجز من أن أبلسم وجعاً وجودياً كهذا الوجع، كم أتمنى شطب أيّام الأعياد من روزنامة حياتي ومن وجودي، فأنسحب إلى العتمة، إلى العزلة، إلى الصمت، إلى الاختفاء، وإلى الانعدام.

موقفٌ شخصيٌّ كهذا، هو موقفي على العموم، لكنه لا يكفي بالطبع.

لأنه موقفٌ “سلبيّ”. أقصد أنه موقفٌ لا يغيّر شيئاً في المعادلة الوحشية القائمة. ولا في المعادلة الإنسانية، ولا في المعادلة السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية، ولا خصوصاً في المعادلة الإلهية.

هل من إجراءٍ ما؟

لا بدّ من عملٍ ما في هذا الاتجاه. عمل منهجيّ، دستوري، قانوني، حقوقي، إنسانويّ، يضع حدّاً للذلّ الاجتماعي.

حكومةٌ، كالحكومة الموعودين بها منذ سبعة أشهر، هل حقّاً أطرافُها – أطراف الطبقة السياسية – “أطراف الوحدة الوطنية الماكرة الخبيثة الكاذبة” – هل حقّاً يعكفون على تأليف حكومةٍ همُّها هذا الهمّ، وواجبُها هذا الواجب، وشرطُ وجودها (أحد شروط وجودها) هذا الشرط؟!

مستحيل. غير ممكن.

ليس ثمة وقتُ لعملٍ دولتيّ – حكوميٍّ كهذا، من أطرافٍ سلطويين – حكوميين كهؤلاء، ومن حكّامٍ وأشباه حكّامٍ كهؤلاء.

هناك أولوياتٌ للسلطة، هناك أولوياتٌ حكوميةٌ أخرى للسلطة، للحكّام، لا يجوز تشتيت الانتباه عنها.

كأولوية “الوحدة الوطنية” مثلاً.

هل يجوز التلاعب بأولوية “الوحدة الوطنية”؟

أو كأولوية “إلغاء لبنان” مثلاً.

هل يجوز التلاعب بأولوية “إلغاء لبنان”؟

لا يجوز. كلاّ. ممنوع. مستحيل.

والحال هذه، يجب صرف النظر الحكوميّ عن كلٍّ انتباهٍ آخر. كالانتباه مثلاً إلى المساواة والعدالة الاجتماعية.

أما العائلات المستورة، والأفراد المتروكون “طعاماً” للجوع والعوَز والحاجة والمذلّة، والفقراء الذين لا يعيّدون، ومكوّنات “الطبقة المتوسطة” المنعدمة الوجود، فهؤلاء يمكنهم أن ينتظروا عيداً آخر، سنةً أخرى، بل حيواتٍ وأعماراً أخرى، ليعيّدوا.

وإذا سبقهم العمر، فهل من الضروريّ حقاً أن يعيّدوا؟!

بناءً عليه، أطرح السؤال الوحشي الأساسي، سؤال الشرط البشري برمّته: العائلات المستورة، والأفراد المتروكون “طعاماً” للجوع والعوَز والحاجة والمذلّة، والفقراء الذين لا يعيّدون، ومكوّنات “الطبقة المتوسطة” المنعدمة الوجود، هل من الضروري حقاّ أن ينوجدوا؟!

وقد يكون من المفيد طرح السؤال الوطني الجوهري: هل ضروريٌّ وجود لبنان، وجود لبنان الإنسان بالذات؟!

Akl.awit@annahar.com.lb

لوحة لبول غيراغوسيان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*