الرئيسية / home slide / وجه لبنان أمام انكشاف الوجوه

وجه لبنان أمام انكشاف الوجوه

23-02-2021 | 00:23 المصدر: النهار

وجه لبنان أمام انكشاف الوجوه





الدكتور داود الصايغ

 الأبواب الموصدة صدّت اللبنانيين، أمس واليوم. أبواب القلوب وأبواب الأنظمة. كلّ قضيةِ لبنان، في كل أزماته تُختصر بهذا الصراع. كلّ أنواع الوصايات والتدخلات السافرة تدور حول ذلك. لبنان نشأ على ملتقى محطات الزمان. إنه زرع في النور. لم يفهم ذلك أولياء نظام الوصاية ولا منظرو جبهة الممانعة. إنه ليس للظلام والظلم. اتعظوا وتنبّهوا.  ولذا فإنه لن يتوجّه شرقاً إلى حيث الأبواب الموصدة التي تدعوننا إليها. دلّونا على مكانٍ واحدٍ في هذا الشرق أبوابه مفتوحة ليدخلَ إليها اللبنانيون. إلى الصين؟ إلى حيث تركّزون دعواتكم، أو إلى غيرها من الأنظمة الشمولية والعقائدية.  ليس لبنان نظاماً عقائدياً ولن يكون. ألم تُدركوا ذلك بعد. لبنان لا تحكمه العقائد. إنه لم يكن يوماً ولن يكون جزءاً من عقيدةِ أحد. فيه أحزابٌ عقائدية، ولمَ لا ولكن لن يكون بمستطاع أي منها أن يصل وحده إلى مركز القرار حتى ولو كان السلاح وسيلته. لبنان سوف يرتاح قريباً لأن الأصوات الساخطة بدأت ترتفع من كل الجهات والمناطق والطوائف. سمعنا ذلك الشاب المتمرّد في طرابلس ماذا قال. وسمعنا ردود الفعل على اغتيال لقمان سليم ترتفع على المنابر ومذابح الكنائس، وفي حفل وداعه بما انطوى عليه من رموز ولعلّه كان تتويج مسيرة نضاله. سمعنا التوجهات إلى الرؤساء تدعوهم إلى الارتفاع، كما سمعنا دعوة بكركي إلى مؤتمر دولي، والأصداء التي لاقته. لبنان لن يتّجه شرقاً. اطمئنّوا إنه لا يلتقي إلا مع النور، مع تلك الشعلة التي ارتفعت على تمثال الحرية في مداخل نيويورك، إلى حيث هاجر اللبناني الأول إليها في منتصف القرن التاسع عشر. أميركا تستقبل الوافدين إليها بذلك المشعل منذ عام ١٨٨٦ كهديةٍ من فرنسا، سيدة الأنوار، لصديقتها أميركا بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لاستقلالها. وصنع التمثال غوستاف إيفل، صاحب البرج الشهير مع النحّات المعروف فريدريك اوغست بارتودلي وزُرع على جزيرة صار اسمها ليبرتي اَيلاند. تفضلوا فالأبواب مفتوحة. هكذا عاد جو بايدن يقول بعد ما ألغى قيود سلفه دونلد ترامب على الوافدين من دولٍ محددة، بدافعٍ عنصري. تفضلوا ها هي أميركا لأنها في النتيجة صنيعة الوافدين إليها من كل حدبٍ وصوب، من كل لون وعرق ودين،  فصارت عظيمة بفضلهم. وها هي كامالا هاريس ذات الأصول الهندية الجمايكية المختلفة تصل إلى أعلى مركزٍ وصلته امرأة في أميركا كنائبةٍ للرئيس، وذلك بعد باراك أوباما الأسود ذي الجذور الإسلامية. هذه هي أميركا تفضلوا واعملوا وجاهدوا وانجحوا والكراسي العالية كلها لكم.  اللبنانيون يلبّون دعاء الشمس حيث ما كانت وحيث ما كانوا. ولذا فإن لبنان هو في طور نفض الظلام عنه. صدّقوا. لقد آن الأوان. إنه ليس سلعةً على مائدة المفاوضات بين أميركا وإيران. موضعه أكبر من ذلك، أكبر من أن يكون مادةً للتفاوض. أميركا تعرف هذا والرئيس بايدن، مثل أسلافه يعرف جيداً ما هو لبنان وقد سبق له وزاره وإن كانت سياسة المصلحة الحيوية هي من ركائز الدبلوماسية الأميركية.  لقد استمع الجميع إلى ما قاله البابا فرنسيس منذ أيام عن لبنان. كما أن الجميع يُتابعون حركة فرنسا ورئيسها، في مختلف تحركاته وآخرها استقباله للرئيس سعد الحريري. وكذلك الدول الاوروبية، فضلاً عمّا قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حين استِقبالِه للرئيس المكلّف. وما بين الرياض والقاهرة وأنقره والإمارات وسائر الخليج ما يدعم تلك الصورة الأصيلة والمحببة عن لبنان. لبنان كما يجب أن يكون، مُحرراً من كل ارتهانٍ وقيد، ولذلك أُعيد طرح الحياد بقوة وهو سوف يتحقق بشكلٍ من الأشكال. يبقى الداخل بالطبع وهو بيت القصيد وهو المشكلة. فالبيت يُبنى من الداخل أولاً قبل أن يحصّن من الخارج. والداخلُ غافلٌ بالطبع أمام احتمال تهدّد البناء بالانهيار. إنه غافلٌ. وزارة الداخلية أم وزارة العدل من حصّة من؟ أم الثلث المعطّل الذي أفرزته بدعة اتفاق الدوحة عام ٢٠٠٨. علماً بأن ذلك الاتفاق قال بوضوح “إنه الاتفاق الأمثل لهذا الظرف الاستثنائي”. اتفاقٌ لظرفٍ استثنائي وانتهى الأمر وقد انتهى الظرف الاستثنائي يومذاك. لنعود إلى أحكام الدستور وليس إلى أحكام الحصص بما فيها حصة رئيس الجمهورية.  العقدة موجودة في الداخل، كان ايمانويل ماكرون السبّاق إلى قولها، قبل رئيس المجلس نبيه بري. وفي الداخل، في هذا المفصل التاريخي، في هذا التحوّل الذي يشهده العالم وتشهده المنطقة، لعلّ كل شيءٍ بات مكشوفاً نعم. الأزمات لها صنّاع، هنالك من يصنع الأزمات وهنالك من يُحسن حفظ رأسهِ تجاهَها. الأزماتُ لها صنّاع، والتاريخ له صنّاع. مشكلة الداخل أن المنقذ غير موجود. لبنان عاش دائماً وسط الأزمات، ولكن مسؤوليه، في الغالب تجنّبوا المشاكل. كان الرئيس شارل حلو (١٩٦٤-١٩٧٠) يردد: أنا أجّلت المشكلة والتأجيل هو حلّ. وكان يقصُد تجمّع الأزمات التي انفجرت بالحروب عام ١٩٧٥. والتأجيل، بهذا المعنى، يمكن أن يكون حلاً لتفادي نتائج الصراعات. وهي سياسة الممكن كما هو معروف. وهذه لها اختصاصيوها ورجالُها. أما أخذ لبنان إلى المحور عن قصدٍ ومعرفة، لقاء إطلاق اليد في الحصص والمكاسب، فهذا أصبح شديد الوضوح وإلا ما الذي يعطّل مسيرة الحُكم ومسيرة نظام الحُكم.  هل ينجحون في إقفال الأبواب امام لبنان؟ كلا بالطبع هذا لن يحدث، ليس ذلك لأن لبنان عصيٌّ على هذا الإقفالِ فقط بل لأن الأمور انكشفت كلّها أمام العالم. لقد سقطت الأقنعة. وهذا وحده كافٍ بإعادة لبنان ليس إلى أضواء الأحداث بل إلى أضواء البدايات.