وجه الأندلس الذي لم ينطفئ: عن فنّ الموشحات وذخيرته الإيقاعية

 

عبداللطيف الوراري
القدس العربي
25102018

■ بما أنّ فن الموشح كان، في بدايات عهده، فنًّا مسموعًا يتداوله الناس بالمشافهة، وخارج تقاليد النموذج الشعري، لم يُقيّد المؤلفون، وقتئذٍ، شيئًا قليلًا أو كثيرًا منه في مظانّ كتبهم، مثل ابن بسام الذي امتنع عن إيراد نماذج من الموشحات، لأنّ أوزان هذه الموشحات ـ في نظره- خارجة عن غرض الديوان، إذ أن أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب، وكذلك فعل ابن عبد ربه، والفتح بن خاقان، وابن دحية، الذي أشار إليها على استحياء. غير أنّهم لم يعنوا من قولهم إن الموشحات جاءت على أوزان غير عربية، بل المقصود إنها خرجت على الأعاريض المألوفة إلى المهملة، فالإيقاع فيها عربي خالص، ولكننا لا نستطيع أن ننسبها إلى بحور الخليل المعروفة، إذ هي مشتقّة من بحوره دون أن تجد «خليلًا» آخر ليمنحها اسمها كما ذهب، مثلًا إحسان عباس في «تاريخ الأدب الأندلسي».
ومن المرجح أن النماذج الأولى للموشح لم تكن إلا مقطوعاتٍ تُشبه، إلى حد ما، الشعر المُسمّط، بدليل ما ساقه ابن خلدون من أنّ الموشحات كانت «تُنْظم أَسْماطًا أَسْماطًا»، بحيث إن بناءها الإيقاعي العام كان مؤلَّفًا من «أشطار الأشعار»، ثُمّ بدأ التضمين في الخرجة ـ المركز، الذي يُوقف عليه، إلى أن أحدث عبادة بن ماء السماء (ت422هـ) ما يصطلح عليه ابن بسام بـ«التضفير»، وهو أنّه «اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيُضمِّنها»؛ أي أخذ في تجزئة أشطار الموشحة حتى جعلها، من قفل بسيط إلى آخر مركب، مُكوّنةً من فقرات إيقاعيّة عديدة ينتهي كل منها بروي خاص لها.

النماذج الأولى للموشح لم تكن إلا مقطوعاتٍ تُشبه، إلى حد ما، الشعر المُسمّط.

مع ذلك، فإنّ هناك غموضًا أصاب الأنماط الإيقاعية الأولى لشكل الموشّحة التي ابتكرها الوشّاحون الأُوَل، فالدارسون لم يؤرّخوا لها ولم يُقيّدوها «لأنّ العادة – كما قال عبد الواحد المراكشي- لم تجر بإيرادها في الكتب المخلّدة»، فأطلقوا الحبل على الغارب، بقدر ما أتاحوا للموشحات المجال لتتنامى داخل «الفوضى الخلّاقة» على أيدي شعرائها الوشّاحين، من أمثال عبادة القزاز (ت 500هـ)، والأعمى التّطيلي (ت 520هـ)، وابن بقي (ت545هـ)، وابن زُهر الأندلسي (ت595هـ)، وابن سهل الإسرائيلي (ت 649هـ)، وكانوا قد تفنّنوا بألوان مختلفة من حيث التفريع والتغصين والتذييل، في تشكيل مقطوعاتهم، من تصوير الخمرة إلى الحديث عن مجالس اللهو والأنغام وفق سلالم موسيقية وجمالية جديدة، جعلت الغنائية لديهم تتكلّم ببيئاتهم المضفورة بسخاء الطبيعة.

«خليل» عروض الموشَّح

في بحر القرن السادس وما تلاه، بدأنا نجد لدى بعضهم اهتمامًا بهذا الفنّ المستحدث، بل منهم من خصّص له كتبًا قائمة بذاتها، إلّا أن ابن سناء الملك (ت 608هـ) كان له الفضل في أنه حدد قواعد هذا الفن الشعري الذي شبّهه بـ«الكنز الذي ادخرته لهم الأيام، وبالمعدن الذي نام عنه الأنام»، فيستخرج أعاريضه المتنوعة قياسًا وسماعًا. ومن تلاه من العلماء لم يكن إلّا عالة عليه، ولم يكن له من فضل إلا التوثيق لموشحات زمانه ووشّاحيها، بمن في ذلك صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) في «توشيع التوشيح»، ولسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ) في «جيش التوشيح».
يُبيّن ابن سناء الملك في كتابه «دار الطراز في عمل الموشحات»، خصائص الفنّ وأوزانه وطرق نظمه، ويقول في ما يُشْبه ردَّ الاعتبار له: «وبعد إنّ الموشَّحات ممّا ترك الأوّل للآخر، وسبق بها المتأخِّرُ المتقدّمَ، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وغادر بها الشعراء من مُتردَّم، ملحمة الدهر، بابل السحر، وعنبر الشعر»، مُقْتنعًا بأنَّ «معرفتها تزكيةٌ للعقل، وتعديلٌ للفهم، وجهلها تجريحٌ للطبع، وتفسيقٌ للذهن». وفي خضّم الجدل بين طرفي النظم والشعر، الذي ذاع مشرقًا ومغربًا، لا نعثر على أدقُّ وصفٍ لفنّ التوشيح وأكثره إثارةً، ممّا وصفه به ابن سنان بقوله: «نظْمٌ تشهد العين أنّه نثر، ونَثْرٌ يشهد الذوق أنّه نظم». وزاد: «المُوشّح: كلامٌ منظومٌ على وزن مخصوص، ويشترط على الوشّاح أن يبدأ بالقفل الأخير، ثم يبني عليه سائر أقفال الموشح وأبياته.. أي أنّه يبدأ من الذَّنَب ثم ينصبُ عليه الرأس». ويسمى القفل الأخير الخرجة ومن شروطها أن تأتي سخيفة، ملحونة وغير موزونة، وإذا جاءت مُعرّبةً وموزونةً خرج النظم من أن يكون مُوشَّحًا، وبات من المرذول المخذول. الخرجة هي عماد البناء التوشيحي لا المطلع في بنية البيت الأصلي، وبدونها لا يسمى الموشح باسمه.
يورد ابن سناء الملك كثيرًا من الموشّحات المغربية، ومن الموشحات التي أوردها لنفسه، وجعل أكثرها يتألف من ستة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له التامّ، وفي الأقلّ من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له الأقرع، فالتامّ ما ابتدأ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدأ فيه بالأبيات. ويبدو من خلال المصطلحات التي وضعها، أنه بذل مجهودًا كبيرًا لاستقراء أوزان عدد كبير من الموشحات وأعاريضها الخاصة، ولا سيما من المشهور منها؛ فمعظم موشّحات ابن بقي وابن اللبانة والتطيلي وابن زهر وابن سها وسواهم، تجري وفق النظام الذي ذكره وبيّن أصوله. لكن نماذج أخرى ظلت شاردة خارج مصطلحاته وقواعده لا تنضبط لقياس. فتحت وفرة النصوص التي أتاحها هذا الفن الطليق من عِقال النموذج، وما وصل إليه من تطوّر متسارع حفزته بيئة الغناء والمشافهة، كثرت الأوزان التي تطلبتها الألحان في الموشحات، فاكتشف ابن سناء الملك نفسه أنّه من الصعوبة عدُّها، إذ «عزَّ عليه ذلك وأَعوز». والأطرف أنه لم يكتَفِ بتقنين أصول الموشّح، بل أخذ بدوره يُجدّد في شكله وصوره الإيقاعية، وأضاف إليه ضروبًا متنوّعة من تأليفه، مثل أن يزيد في عدد الفقرات أو الأجزاء وأن يستعمل الخرجة الفارسية بدل البربرية، ثُمّ يعترف بأنّ «موشّحاتي تكون لتلك الموشحات كظلّها وخيالها».

يورد ابن سناء الملك كثيرًا من الموشّحات المغربية، ومن الموشحات التي أوردها لنفسه، وجعل أكثرها يتألف من ستة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له التامّ، وفي الأقلّ من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له الأقرع.

ثراء إيقاعي

تكشف النماذج التي اقترحها ابن سنان عن غنى بناها الإيقاعية، ليس فقط بالنسبة لتلك التي تخضع لأعاريض الشعر العربي المعروفة، بل حتى لما لا مدخلَ لشيْءٍ منها في شيء من أوزان، إذ هي تتقوّم بالتلحين، وهو الكثير، والعدد الذي لا حصر له، والشارد الذي لا ينضبط. وقد لاحظ هو نفسه هذا الاضطراب في تخريج الأوزان، ما جعل قسمًا مهمًّا من الموشحات يخرج عن أعاريض النظام الخليلي، وأن لا وزن لها غير التلحين. وفي مجرى ذلك، تتخذ القافية أشكالًا أكثر تعقيدًا، تبعًا لتعدُّد أجزاء كل من القفل والبيت فيها. لهذا، نفهم لماذا يحرص في التعريف الذي وضعه للموشح بأنَّه «كلام منظوم على وزن مخصوص»، على تأكيد خاصية الوزن، وفي الوقت نفسه على أن خصوصيّته في البناء النصي مخالفة عن خصوصية الوزن في الشكل الشعري التقليدي؛ ولذلك فالنظر إلى الموشّح من داخل أقيسة العروض الخليلي كما استقرّ عليها العرف يبقى قاصرًا عن إدراك قيمته وإضافاته كشكل إيقاعي جديد ومختلف.
لم يكن الوشّاحون أنفسهم يتقيّدون تمام التقيد بأوزان الخليل بن أحمد، التي أمست غير قادرة على الوفاء بحاجة المغنّين، وإنّما راحوا يضيفون كلمات وحركات تخرج الموزون فيه من الوزن، عبر الخرجة العامية أو الأجنبية، لغرابتها أو لخروجها من المألوف في الشعر العربي. وهكذا يأتي كثيرٌ من الموشحات على هذا النحو، فلا ميزان له إلا بالضرب على العود أو النفخ في الأرغن، وبالتلحين بمدّ حرف، وقصر آخر أو خطف حركته، وإدغام حرف في حرف، وغير ذلك من فنون التلحين؛ فلا يستقيم كسرها الإيقاعي إلا بإضافة ألفاظ مستعارة يقتضيها تمام التلحين مثل: يالا، لا، يللّي.. وأكثرها مبنيٌّ على تأليف الموسيقى، ولا ضابط له سوى النغم والإيقاع، عن طريق مدّ الصوت بالإنشاد والغناء، أو قصره وحبسه، حتى ينسجم مع اللحن العام الذي يسود الموشح المغنّى. ومن ثمة، سهّل الغناء على الوشّاحين استخدام الأعاريض المهملة، إذ الغناء هو الذي يحدث التناسب المفقود بالمدّ والقصر والزّيادة والخطف بين الحركات. وبهذا الصنيع، وضعوا أيديهم على فكرة «الأصول» في الدوائر العروضية، فولّدوا من الأبحر والأصول أوزانًا جديدة إلى حد أن تكوّنت ثروة عظيمة ضخمة استطاعت أن تواكب التطور الهائل في الغناء والموسيقى، وإن لم يفكروا ـ كما يذهب إلى ذلك عباس الجراري- في إيجاد تشكيل نظري لهذا الإيقاع، أو أي تنظيم له، ولو فعلوا لأطّروه في قوالب جامدة («موشحات مغربية»).
ومثل ما صنعوه في الوزن صنعوه بالقافية؛ فقد كانت تقفية البيت تختلف باختلاف أنماط البناء النصّي، وأقلّ ما يُبْنى على قافيتين فصاعدًا، إلى عشر قوافٍ. وبدا عدد القوافي في الدّوْر يتردد بين قافية وخمس قواف، وفي القفل بين قافيةٍ وثماني قواف، وما كان مبنيًّا على قافية في الجزء فصاعِدًا إلى أربع قوافٍ، مثلما قد يُبْنى على قوافٍ مختلفة أو متفرّقة. وقد يعمد بعضهم إلى الترصيع في القوافي مُزاحمين بينها، شبيهًا بعمل ابن حزمون الذي وصفه ابن سعيد بأنّ «له قدرة على مُضايقة القوافي»، إذ جمع في أحد موشّحاته عددًا كبيرًا من القوافي، وعمد إلى تجنيسها في الأدوار. أو الششتري الذي كان يقوم بالتجنيس داخل الأقفال الخاصة، وغيرهما ممن أجادوا التلاعب بالألفاظ. وبالنظر إلى هذا الزخم التقفوي، يصعب أن نضع تخطيطًا تمثيليًّا من عمل القافية وتَبنيُنِها. هذا ما شعر به المُقعّدون الأُوَل أنفسهم.

إيقاع الموشحات، بهذا الاعتبار، هو إيقاعٌ عربيٌّ، وإن كان يرفد موسيقاه بحساسيّة جديدة أتاحتها له بيئته الجديدة والمتنوّعة ليس في الأندلس والمغرب وحسب، بل حتى في المشرق نفسه.

شجرة نسب

بغض النظر عن أصول المُوشّح ونسبته إلى هذا الوشّاح أو ذاك، يمكن القول إن إيقاع الموشحات، بهذا الاعتبار، هو إيقاعٌ عربيٌّ، وإن كان يرفد موسيقاه بحساسيّة جديدة أتاحتها له بيئته الجديدة والمتنوّعة ليس في الأندلس والمغرب وحسب، بل حتى في المشرق نفسه. ثمة دارسون كُثْر لاحظوا العلاقة القوية بين العروض العربي والموشّحات، وأثبتوا أن الموشّحات ذات إيقاع عربي، بمن فيهم إحسان عباس، وسيد غازي، وإبراهيم أنيس. لكن، في المقابل، يذهب بطرس البستاني إلى أنّ العرب قد أخذوا فكرة التحرر من الأوزان عن الإسبان. وبمثل ذلك قال المستشرقون لإثبات إسبانية هذا الفن، مُتذرّعين بأنّ هناك أوزانًا لا تجري على أعاريض الشعر العربي. فيما يتبنى محمد الفاسي فرضية العروض الأوروبي ونظام المقاطع في تحديد أوزان الموشحات والأزجال، رافضًا الربط بين الموشح والعروض العربي. وقد انتقد محمد السرغيني عمل الفاسي لأنّه «شيء غير وارد في هذا المقام».
بيد أن الإيقاع التّوْشيحي ـ إذا جمعنا تراثه وأمعنّا النظر فيه- لا يتحرك في معظمه إلا داخل دائرة العروض العربي، ويمتح بطريقته في التوقيع من قواعده وأصوله؛ بحيث إنّ هناك قِطاعًا من نصوص الموشح يلتزم بالبحور الشعرية المعروفة، ومنها ما أجرى تجديدًا إيقاعيًّا في ترتيب بناء التفعيلة أو القافية أو الجملة الموسيقية، من وزن إلى وزنين داخل الموشّح الواحد، مثلما توجد نسبة من هذه النصوص توزن بالسماع والتلحين بِمدٍّ أو قصر أو زيادة أو خطف لخلق الشعور بالتناسب الشارد. ذلك ما يجعل الفرق واضحًا بين التوشيح والقصيدة، ويكشف إلى أي حدّ كانت الموشحات ثورة عروضيّة على بنى الأوزان الخليلية، إذ جددت في الأوزان والقوافي، واستمدت قيمتها من الملاءمة التي خلقتها بين تطور الموسيقى العربية وفنّ الكلام المنظوم، فكانت هذه الموشحات استجابة لدواعي الحاجة إلى أوزانٍ يتحلّل فيها الغناء من بحور القصيدة والقوافي المحدودة، وإلى معمارية إيقاعية مبتكرة تكسر النظام العروضي التقليدي، بقدر ما هي تنشأ من إمكانات النظم التطريزي الذي يُطلق ألفاظًا أو مركبات نحوية أو جملًا متماثلة تتكرر في مواضع متوازية، ومن الترجيع القائم بتكرار الفقرة أو السمط من كل قفل، ثُمّ من القوافي المجنّسة في تنوّعها وتعددها.
لقد كان فنّ الموشحات ـ فعلًا- من الثراء المدهش الذي يدلُّنا على الكنز الذي ادخرته لنا الأيام، وعلى «المعدن الذي نام عنه الأنام» بتعبير ابن سناء، ونحن نستعيده في مجالسنا بكثير من الشوق والألفة المفتقدة ونستعيد معه حقبةً حضاريّةً قلّ أن جاد بمثلها الزمان العربي.

٭ شاعر مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*