الرئيسية / home slide / وجدها وجدها! المشرق

وجدها وجدها! المشرق

28-09-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

سمير عطالله

نقل جثامين ضحايا “مركب الموت” من طرطوس إلى الشمال (حسام شبارو).

“ليس في ايطاليا مكان يسود فيه حكم القانون على الاطلاق. وهذا امر رائع حقاً، لأن بذلك تسير الأمور على نحو افضل بكثير.
اللورد بايرون

تزامن البحث عن رئيس جديد مع البحث عن مفقودي مراكب الغرق في الشمال الحزين، وفي تراجيديات الضياع، يبدو ان العثور على جثث قاع البحر اسهل من البحث عن رجل ترضى به الأمم. أما الشعوب فمن السهل ارضاؤها، أو ارغامها، أو تجاهل ارادتها، هي مجرد شاهد منزوع القرار، وهي شعب يحمل اللافتات الباحثة والباكية تطالب بأبن أو أب أو عروس بثوب الزفاف. مثلهم مثل بلدهم: ذهب ولم يعد، والرجاء ممن يعرف عنه شيئاً أن يبلغ اقرب مخفر. ناس تبكي مفقوديها في بحر طرابلس، وناس تبكي مقتوليها في بحر بيروت، وناس جفت دموعها لكثرة ما بكت وأُذِّلت وأهينت وأطعمت وعوداً مجترة.

طوابير من المفقودين. وبلد احزان. وألف بيلاطس البنطي يغسلون ايديهم من دماء الوطن الفقيد. تعالوا غداً لاستلام جثثكم، أو راجعوا دائرة الاحصاء. ولا تنسوا في الطريق ان تأكلوا “بسكوتا”، وأن تشربوا من مياه السدود، وآبار النفط، وتتنفسوا غازاً.

كأنما ال#لبنانيون في حاجة الى مأزق إضافي وصراع إضافي وانهيار إضافي، فداهمهم ايضاً موعد انتخابات الرئاسة. ونحن قوم حرصاء على الدستور ومواعيده وروحه ومضامينه، ولذلك، يبدو الموعد مثل فوضى القيامة ويوم الحشر. “الصوت والغضب” ينقل شكسبير (وليم) عن الوصف التوراتي لصورة النهايات. لا امل ولا تعزية. وطن لا يبحث عن شيء سوى المفقودين. لم يعد يريد خبزاً، ولا كهرباء، ولا بنزين، ولا مياه شفه، ولا موازنة، ولا اقتصاداً، ولاحكومة، لا يريد شيئاً سوى حنانكم في لملمة الجثث من القيعان، كي تقام لها مآتم يمشي فيها الأهل، ويغيب خوفاً شهود الزور وكتبة البرقيات الضحلة التي تزيد القتل ضحالة وسقماً وبلادة.
هؤلاء الذين نبحث عن جثامينهم فضلوا خطر الموت في البحر على ذل الحياة في برّ اليباس. دولة حرمتهم جميع معاني الحياة، ولا تقبل إلاّ أن يصفقوا لها، وحملها على الاكتاف. اطفأت انوارهم واغلقت افرانهم وفجّرت صوامعهم وسكَّرت مدارسهم، وشرشحت قضاءهم، وسفّهت عملتهم، ودكت ارزاقهم وابكت اطفالهم، وتجاهلت جيشهم، لكنها تعدهم بما هو أهم من ذلك بكثير: المشرق! الحياة أولويات، والأولوية الآن للمشرق العظيم. وثلاثة ارباع الناس لا يعرفون ما هو. أما الربع الذي يعرف فكل ما يريده الآن ساعة كهرباء اضافية، وفيول لموتور الحي.
قال الجنرال عون مرة للبنانيين أنه لا يسمح لأحد أن يعرف لماذا يفكّر. وربما كان ذلك توارد خواطر مع قول شهير للجنرال ديغول (شارل). لكن الأخير قال ذلك في معرض بناء الجمهورية الخامسة، أهم وأطول عهد في تاريخ فرنسا. قالها وهو يخرجها من خطر وسفاهة الحرب الأهلية، ويعقد المصالحة بين الفرنسيين وينتقل الفرنك من شرشحته المزرية، ويحيط نفسه برجال مثل جورج بومبيدو، واندريه مالرو، وموريس كوف دو مورفيل. ويوم خذله الفرنسيون في الاستفتاء، قدم استقالته لفرنسا، وكأنه موظف صغير انتهت ولايته.

ليت الجنرال عون رتّب خروجاً لائقاً بالموعد، متجنباً ما يرافق نهايات العهود من لغط وشطط وإثارات لا ضرورة لها. فإن باب الخروج من القصور اكثر تاريخية في حياة الأمم والشعوب من باب الدخول. أو هكذا تقول الحكمة الصينية على الأقل. فلا تتحمل دولة أو شعب هدر كل هذا الوقت وهذه الأعمار وسنين الإعمار وهي مشغولة بالانتظار، ومأخوذة بالحزازير المضيّعة للوقت وكرامة الناس والبلد. انتخاب الرئيس في البلدان المعافاة، مجرد حدث يومي وموعد مقرر. ويخوض هذه المنافسة الوطنية رجال اكفاء ولهم سيرة مستحقة، وإذا لم يكونوا متمتعين برضا الأكثرية، فعلى الأقل ليس بنفورها وامتعاضها وتعوذها. إنما ابتُدعت وسيلة الانتخاب والاختيار من اجل حماية الشعوب وصيانتها من نظم الاكراه والفرض وتزوير الارادات.
وما دام النواب هم الذين ينتخبون الرئيس في لبنان وليس الناس، سوف يظل التمثيل الحقيقي مختلاً اختلالاً كلياً. لا يحقق الاقتراع المباشر عدلاً بسبب التفاوت الطائفي، لكنه يخفف من بدعة الصفقات وتفاهتها وتجارة التحالفات التي لا تمثل سوى المتغطرسين.

في الشمال بحر الجثث المفقودة، وفي الجنوب بحر الخطوط المفقودة، وفي الطليعة المركزية بحث عن المشرق. تلك هي القضية وفقاً لعظة اللقلوق. المشرق. فما دام كل أمر قد استتب، وكل مشكلة قد حلَّت، وما دام قد تم الاتفاق على طول المتر البحري تحت البحر بعد عناء جيومتري شديد، فعلينا بالمهمة الوطنية والقومية التالية. المشرق.

ميزة المواطنين في لبنان – بتواضع. شعب عظيم وجد كل ما يحلم به وبقي ان يطوق عنق لبنان بأكليل الزهورالمشرقية. ومن أجل تعريف لبنان بامجاده المقبلة، سوف تقام المهرجانات وتلقى المحاضرات وتقرأ على رؤوس الجبال مقتطفات من شعر سعيد عقل:

لي صخرة علّقت بالنجم اسكنها / طارت بها الكتب / قالت: تلك لبنان
للنسور … ولنا الملعب
والجناحان الخصيبان / العلى والعرب

“اسمح لنا يا عم. العلى والمشرق! العرب صارت حكاية من قديم الزمان. وكذلك العروبة. مجرد بدو، على ما قال تاليران الديبلوماسية الجديدة. كل شيء إلا العرب”. قضت الافكار الجديدة في قصر بسترس، مقر صناعة الصداقات. لا حدود للمفاجآت العظمى. سعيد عقل يحكي بالعلى والعرب، ومؤسس الديبلوماسية الجديدة يعظنا بالمشرق. لمن يعرف، اين هو ؟ أو لماذا؟ أو ألا يكفي تنقيل ونطنطة بالبلد تشريقاً وتغريباً؟ الآن شحّدونا ساعة كهرباء وقسط مدرسة وربطة خبز ولاحقين عالمشرق؟ ما من احد سوف يسبقنا إليه. لا احد يعرف اين يقع.