الرئيسية / مقالات / وبات للمسيحيّين تكفيريّوهم

وبات للمسيحيّين تكفيريّوهم

  • الأب جورج مسّوح
  • 22 نيسان 2017 | 08:17

    يحكى الكثير عن التشدّد الإسلاميّ، وعن الحركات الإسلاميّة التكفيريّة، وعن العنف في الإسلام، وعن الهيمنة السلفيّة على المجتمع الإسلاميّ، وعن الإرهاب الإسلاميّ… لكن ما هو حال المسيحيّين في بلادنا إزاء هذه العناوين؟

ليس المسيحيّون، أو قسم منهم، بمنأى عن التشدّد والتعصّب والتكفير في حقّ مَن يخالفهم الرأي الدينيّ، ولا سيّما في حقّ أبناء كنيستهم. صحيح أنّهم لم يمارسوا، إلى اليوم، العنف الجسديّ ضدّ مخالفيهم، غير أنّهم مارسوا العنف المعنويّ فحكموا عليهم بالنار الأبديّة وبأنّهم ليسوا سوى دمى في أيادي الشياطين… لكن ماذا لو تبوّأ هؤلاء التكفيريّون المسيحيّون السلطة الزمنيّة؟ أما كانوا صاروا على مثال هذه الحركات التكفيريّة المنتشرة اليومتمارس الإرهاب بلا رادع دينيّ أو أدبيّ؟ ربّما هم سلميّون اليوم على الرغم من أنوفهم، وليس لأنّهم سلميّون عن اقتناع راسخ!

مسيحيّو بلادنا ليسوا في منأى عن هذا الوباء، وباء التكفير. فثمة “سلفيّة” مسيحيّة، سلميّة إلى الآن، تنمو بين ظهرانينا باسم الحفاظ على الهويّة الدينيّة والعقيدة المستقيمة. ولا تخلو هذه السلفيّة من الروح الفرّيسيّة، أي التمسّك بحروفيّة النصوص الدينيّة التراثيّة، الأساسيّة وغير الأساسيّة، من دون الأخذ بمقاصد هذه النصوص ومقتضياتها الإيمانيّة، وبالسياقات التاريخيّة والظروف الاجتماعيّة التي تفرض ذاتها على كلّ جيل من الأجيال.كما تتميّز بالتمسّك بظاهر الشرائع والقوانين والطقوس والشعائر مع إهمال جليّ لروحها وجوهرها.

ومن سمات هذه “السلفيّة” المسيحيّة الناشئة احتكار الحقيقة والمعرفة الدينيّة والتقوى والغيرة على الإيمان والتفسير الوحيد الصحيح للكلام الإلهيّ. أمّا مَن يخالف بعض الآراء “السلفيّة” فهو جاحد بالحقيقة، ويحيا في الباطل، ولا يقارب التقوى، ويفرّط بالإيمان، وينحرف عن التفسير الصحيح… هو كافر غارق في الضلال المبين، ويستحقّ اللعنة والحرم الأبديّ. هم يعتقدون أنّهم وحدهم دون سواهم “الفرقة الناجية”.

ومن سمات هؤلاء التكفيريّين أيضًا الخلط بين ما هو جوهريّ وغير جوهريّ في الدين. فيرفعون من شأن الأمور غير الجوهريّة في الإيمان، أي الأمور التي ليست من العقيدة، إلى مصافّ العقيدة المعصومة. فيصبح لديهم كلّ أمر تفصيليّ صغير وغير ملزم هو من صلب العقيدة. والويل لمن لا يؤمن بهذه الأمور غير الملزمة، إذ سرعان ما يتمّ تكفيره وإرساله إلى جهنم وبئس المصير.

ومن سماتهم أيضًا الحنين إلى الماضي الدفين على حساب التجديد، والحنين إلى “لغات مقدّسة” اندثرت وما عادت تنفع في عالم التواصل اليوم، والحنين إلى مجد غابر لإمبراطوريّات “مقدّسة” كانت كسواها من الإمبراطوريّات “غير المقدّسة” تشنّ الحروب وتمارس القتل وترتكب المجازر…

صحيح أنّ المسيحيّين يحيون في ظروف صعبة، لكنّ هذه حال كلّ القاطنين في بلادنا على اختلاف أديانهم. وصحيح أنّ المسيحيّين لديهم خوف من الآتي، وقلق على المصير، لكنّ هذه حال كلّ الناس، مسلمين ومسيحيّين. ولا ريب أيضًا في أنّ الفكر الدينيّ المتشدّد ما عاد حكرًا على أتباع دين من دون آخر. لذلك يجب على المسيحيّين التنبّه إلى عدم الانزلاق نحو مزيد من التقوقع والانعزال والانغلاق وتبنّي لغة التكفير، لأنّ في ذلك هلاكهم ونهايتهم.

اضف رد