… والوافدات

 

كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
23112018

أعرف عدداً كبيراً من الناس الذين جاؤوا شباباً إلى الكويت وأصبحوا متقاعدين فيها اليوم. وفي المقابل صاروا غرباء في أوطان الجذور، لا صداقات ولا معارف ولا حتى ذكريات. ماذا تفعل بهم؟ هل تمنحهم جنسية الإقامة الطويلة أم تطلب منهم ترك كل شيء هنا ويذهبون؟ أم تمنحهم حق الإقامة الدائمة من دون هوية تامة؟
وهناك فئة ثالثة أكثر أهمية: فئة الذين يولدون هنا ويدرسون ويعملون، ثم يتعين عليهم، في النهاية، الخروج إلى وطن آبائهم. مثَّلت الكويت في منتدى شباب العالم في شرم الشيخ الدكتورة سارة أبو شعر. وألقت أمام الرئيس السيسي وزوجته كلمة ليس فقط عن رفاقها، بل عن حقوق شباب ذوي الاحتياجات الخاصة في كل مكان.
روت سارة أبو شعر حكايتين. الأولى يوم كانت طفلة في السابعة، بعد حرب تحرير الكويت، عندما صافحت الرئيس جورج بوش الأب. فانحنى يسأل الصغيرة: «ماذا تريدين أن تكوني في المستقبل؟» فأجابت دون تردد: «رئيسة أميركا»! ودون تردد أجاب: «إذا كنت لا أزال موجوداً فسوف أقترع لك».
بعد سنوات تخرجت سارة في هارفارد وأجرت دورة تدريب سياسية في البيت الأبيض. وعندما أخبرت جدتها الدمشقية بأنها تحلم بالانضمام إلى الحكومة، ضربت الجدة يدها على صدرها وقالت باللهجة السورية: «لِك تقبريني، لاقيلك حلم ثاني»! عندما سمع أحمد الصراف خطاب سارة في مهرجان الشباب، تساءل في «القبس» هل يجوز أن تُحرم طفلة نشأت في الكويت وكبرت في هارفارد، من الجنسية؟ سوف يجيب عن ذلك القانون الجديد الذي يحاول أن يعدل بين المستحقين وبين سواهم.
ويروي السفير عبد الله بشارة أنه التقى قبل 15 عاماً شاباً عرَّف عن نفسه بأنه كندي من أصل لبناني، أخبره أنه زائر لأسبوعين. ثم التقاه صدفة بعد عام، فقال إنه مدد إقامته لفترة قصيرة. ومنذ أيام ربَت رجل على كتفه، فالتفت، فرآه يرتدي الدشداشة ويعتمر الغطرة الحمراء، فبادره الكندي باللهجة الكويتية قائلاً: «شلونك خوي أبو معتز»؟ تطلع خوه أبو معتز فرأى كويتياً بعينين زرقاوين وبشرة كندية، فأدرك أن صاحبنا أدركه سحر الكويت وفضل درجة الحرارة 40 فوق الصفر على 45 درجة تحته.
من بين جميع دول الخليج، واجهت الكويت وحدها مسألة الفائض الكبير في الهجرة العربية. نصف مليون «من دون» يطلبون الجنسية. وأين تضع جميع الملايين الفائضة في أرض يصلح 8 في المائة فقط من مساحتها للسكن؛ لأن الباقي أراضٍ بترولية وغاز وخلافها.
أعتقد أنه كلما تطورت الكويت واستقرت وازدهرت، ازداد «العشم» بها. ويقول الشيخ جابر المبارك، رئيس الوزراء، إن عالمنا متغير ومتحول، لكن الثابت هو حكم القانون. ويتطلع حوله ويقول: «كل هذه المساحات كانت صحراء خالية عندما انتقل قصر الحكم إلى المشرق». تستطيع الدولة أن تنظم حياة الناس وتضمن حقوقها وتؤمّن كفايتها، لكنها لا تستطيع أن تحد من طموحاتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*