الرئيسية / مقالات / والدول أيضاً تنتحر!

والدول أيضاً تنتحر!

بصراحة لا مداهنة فيها، فان مسألة “سوبر نوعية” من طراز حضور لبنان التاريخي في أكبر محفل اممي على أهميتها الساحقة، ما كانت لتشغل بال اي لبناني غارق في لجة الهموم المتدفقة عليه في زمن كارثي. جاءت الصدمة التي اثارها تخلف لبنان عن سداد مساهمته المالية في الامم المتحدة لتكشف عاملا ايجابيا نادرا هو استفاقة اللبنانيين على الجوانب المتصلة بالحضور المشع والحضاري للبنان خارجيا في موازاة أقسى تجربة اطلاقا يمر بها المواطن اللبناني كانت لتبرر له تمرير هذا الاختبار من دون رفة جفن. لم تمر بعد ذكرى الشهر الثالث على انطلاق انتفاضة 17 تشرين الاول حتى عاينا بالحس الملموس مدى توسيع هامش الادراك الشعبي الواسع لفداحة الشعور بان لبنان يقف عند مشارف تحلل الدولة فيه. ذلك ان تداعيات الانكشاف المخزي لتخلف الدولة والحكومة والوزارات عن استدراك خطأ حصل عفوا او معصية ارتكبت عمدا في هذا الموضوع، ولا فرق يبقى ما دام الضرر المؤذي والمعيب قد حصل، هذه التداعيات كشفت ما يمكن يوما ان يشكل التعويض البديل عن هذه الدولة الاكثر من فاشلة والتي يتراءى لمواطنيها ومراقبيها من الخارج بانها تنتحر. ردة الفعل الواسعة على فداحة الخطأ وغلاظة الحرب السجالية السخيفة التي تفجرت بين وزارتي الخارجية والمال حول تبادل كرة تحميل المسؤولية واستحضار اسماء كبار مثل شارل مالك وغسان تويني في هذا المعترك، كل هذا يعكس إدراكا شعبيا عميقا لفظاعة التحلل المتدرج لدولة لبنان. قد تتسامح الامم المتحدة مع الدول المنضوية تحت مظلتها في ظل أحوال الدول المتعثرة كرزمة الدول الاخيرة التي تخلفت عن سداد مساهماتها. لكن ذلك لن يرمم في اي شكل صورة الإنهيار المخزي فعلا الذي اصاب صورة الدولة اللبنانية بمقتل، لا الان عبر هذا التطور الرمزي والعملي في آن فقط وانما ايضا وأساسا من خلال العجز المتمادي للمؤسسة السلطوية والديبلوماسية والمؤسساتية اللبنانية امام اعين الاسرة الدولية عن الحدود الدنيا من التصرف والسلوكات كدولة مسؤولة في زمن كارثي يضرب البلاد. تأتي هذه الفضيحة المهينة لتكشف ان لبنان الميليشيات في عز الحروب والانقسامات لم يعرف انهيارات مماثلة في جذور دولته كما يحصل الآن كما لو ان بعض الطواقم السلطوية والسياسية الراتعة فوق كل هذا الوبال لم تكن يوما جزءا من هذه الحقبات او لم تعرف ولم تقرأ تاريخ لبنان القديم والحديث او كأنها فقدت الذاكرة كما الحس المسؤول. يعصى على ابرع المخيلات ان تبلغ حدود تصور الهوان والاستهانة بصورة الدولة كما بواقع الناس امام مجريات ويوميات لا نعرف ماذا تخبئ للبنانيين بعد وماذا ترصد لهم من مخزون الصدمات. صار العامل الداخلي موازيا للخارجي في مسارات الانهيار الآخذ بالتسارع ولا نعني هنا الا انهيار صورة الدولة. ولذا حذار الانزلاق الى لعبة التمييز والتفريق بين الوزارات والمؤسسات والأشخاص حين تنفجر فضيحة مخزية بحجم قضية الانكشاف المعيب امام الامم المتحدة فالدولة هنا كلا جامعا في المسؤولية والتبعة والانكشاف ولا يتوازى الامر مع ألاعيب السياسة الداخلية السخيفة والسطحية والقبلية. وعلى هذه الدولة المتهالكة السلام!

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد