… والحال!

سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
19042019

في هذه اللغة العبقرية تأتي كلمة حال في أكثر من خمسين موقعاً ومعنى، على الأقل. وأجملها عند المتنبي في «حال تحول». فإذا الأحوال كلها تتبدل، والحالات تتبهدل، والدنيا تنقلب من حال إلى حال. واللهم نجنا من سوء المنقلب.
تمنت الناس لو أن عمر البشير اختار لنفسه نهاية أخرى ولم يصب، مبكراً ومتأخراً، بعمى الألوان. فإذا السقطة مرعبة. المغترون يعتقدون دائماً أن التحذيرات على جانب الطريق وضعت لغيرهم فلا يتوقفون عندها. ونهاية ذلك، الوقوع في الهاوية.
اعتقد البشير أن السودان ليس تونس ولا العراق ولا ليبيا ولا مصر ولا الجزائر. وربما كان يعرف كل هذه الدول جيداً، لكنه كان يجهل السودانيين تماماً. أخطأ في قراءة إرادتهم وفي تمعن أحوالهم. ولم يدرك أن الشعوب واحدة في كل مكان. ثلاثون حولاً زمن كثير يا زول. كما في مصر كما في ليبيا كما في أم درمان، فلماذا لم تميّز ألوان الوجوه التي نزلت إلى الشوارع منذ اللحظة الأولى؟
ثلاثون حولاً هي حال بعض الحكام العرب. أكثر، لكن لا أقل. لكن ما أقسى التحول حين يصير المصير متغيراً كل يوم. أو كل ساعة. حكم، فعزل، فاعتقال. فما هو الآتي في بقايا النهار؟ ما رفض البشير أن يسمعه ويراه من النافذة يصحو على رؤيته من السجن. شعبه يصيح وضباطه يرفضون الأوامر. إنه الآن رجل مجرد من كل الصفات والمراتب. كل ما كانه بالأمس أصبح تهمة الآن. إنه يُعامَل كما عامل رفاقه العسكريين من قبل، وكما عامل خصومه المدنيين. ثلاثون حولاً والبشير يوزع العسكريين على العزل والمدنيين على المنفى والسجن. لا شك أنه يتمنى الآن، أقرب أو أبعد منفى. أي شيء إلا السجن الذي دَفَع إليه ذات مرة، أو مرات، جميع قامات السودان.
خواتم متشابهة في حالات متشابهة. أحوال الحكام العرب الذين تصيبهم السلطة بعمى الألوان، فيعتقدون أنهم أهم من دولهم، وأنهم أعظم من في شعوبهم، وأن من دونهم لا أوطان ولا بلدان ولا أمم. ثلاثون عاماً وعمر البشير يتنقل ببلده من حال سيئ إلى حال أسوأ. ابتعد عنهم ولم يعد يعرفهم أو يفهمهم. لكنهم كانوا يعرفونه تماماً، ويفهمونه تماماً. ولعل أصواتهم تأتيه الآن من الشوارع يرددون: «سلم مفاتيح البلد – سلم الزمان اللي ضاع – وطن واحد – وطن شاسع – وطن لا محزون ولا مهموم – ولا مسجون ولا محموم».
كم ضاع من الأزمنة ومن المال ومن البلدان ومن الأرض ومن الكرامات ومن الأجيال. كم ضاع من الأعمار والآمال. ومن الثروات ومن الكرامات. وكم سوف يضيع من المستقبل بسبب ضياعات الماضي المستبد والفاسد والأناني الذي يكره الناس ويخافهم ويعتقد أنهم سوف يطالونه ذات يوم. وهنا فقط كان على حق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*