الرئيسية / home slide / واكَعكَتاه … واكَعكَتاه

واكَعكَتاه … واكَعكَتاه

طاردتُ الدولار. رأيتُه يدخلُ خِلسَةً إلى فرنٍ شعبيّ وعينُه على كعكةِ الفقير. راقبتُهُ يفتَحُ بطنَ فريسَتِه ويَمرَحُها بقليلٍ من العملةِ الصَّعبة. الليرةُ ثَكلى تبكي كَعكَتَها. هذه البسترَينة المكسوّةُ بِماسِ الصّعتر خرجَت من بيوت اللبنانيين ولم تعُد. كانت تزيّنُ أعيادَهم. كلُّ صباحِ نهارٍ مُتعِبٍ كان يبدأُ بِهذه المقمّرة بالسّمسِم. كان المتَّكلون على الله يخرجون من بيوتهم ليتفرّجوا عليها خارجةً من بيتِ النار. عيونُهم مُسَمَّرةٌ في صبيَّةٍ مِن عجين كان الفرّانُ يفضُّ بَكارَتها ويحشوها بما لذَّ وَطاب.

 التهمتُ مرّاتٍ عِدَّة هذه المحَمّصة الفاتِكة بالحِمية. كانَت بالنّسبَةِ إلي فاتِحَةً للشهيَة أكثَر من أي طَبقٍ آخَر على أي مائِدَةٍ أنيقَة في أي مَطعَمٍ نخبَوي مُصنّف “ميشلان”. طعمُها المُقَرمِشُ أولاً وسِعرُها الذي يردُّ البلاءَ ويلطفُ فيه ثانياً، ناهيكم عن الفرصة التي كانت تتيحُها لمجاورَةِ الناس الحقيقيين بلا ربطة عنق وبلا عطر فرنسي فاخر. دائماً ما كنتُ أبدأ بالتِهامِ رقبتِها النحيفة. طعمُ الخبزِ اليابس المشبّعِ بالسمسم يشبه طعمَ عرقِ الجبين. أن تشبَعَ من كعكةٍ سعرُها زهيدٌ كان بالنسبةِ إلينا تأكيداً أنَّ وطنَ الناس العاديين ما زال بخير.  وَجبَةُ الفقراء هذه موجودَة منذُ العصرِ النيوليتيكي. نِيو باليونانيّة وتعني الجديد. ليتوس باللغة عَينِها وتعني الحَجَر. عصرُ بِدايَة استِعمال الحَجَر كأداة مُطَوَّعة. تحويلُهُ مِن عنصُر جمادٍ في الطبيعَة إلى عنصرٍ ديناميكيٍ في الطّهو وابتِداع الأسلِحَة صَيداً ودِفاعاً.

 عشرَة آلاف سنة على وجه التّقريب تَفصِلُنا عن هذا العصر الذي عرفَ على ما يبدو فطيرَةً أقدميّتُها بالنسبَةِ الى الكعكَةِ تُوازي أقدميّةَ حَوّاء بالنسبَةِ الى المرأة.

لَم يتوقّف الحَجَرُ عَن إدهاشِنا. حَجَر عثرَة أو رَحى أو حجَر الزاوية أو حجَر الكعبة المشرِّفة أو حجارةُ انتفاضة. إرساءُ حجر الزاوية أو حجر الأساس كان يتم عند الكنعانيين في احتفالٍ مقدسٍ مهيب. كانت الذبائحُ الآدمية على الموضة. خُدّامُ هذه الطقوس المرعِبَة كانوا يضعون جثثَ الأطفال والبالغين تحت هذا الحجر لتقديس البناء. كانت هذه العادةُ واحدةً من الشعائر الوثنية الفظيعة.  على سيرَة الكعكَة. نَبَشنا من مكتبتنا التي نَجَت مِن حملات التطهير في البيت رِوايَةً قَصيرَة  تحت عنوان “وانهارَت الكَعكَة” مِن تأليف علي دَريوسي كاتب سوري مقيم في ألمانيا، تدور وقائعُها في الطابق الخامس من بنايَةٍ سكنيَّة في سوريا. في الصفحةِ العِشرين حواريَّةٌ بينَ صلاح الجدري النقيب في الجيش السوري وابنته بيلسان في الثالث إعدادي. يخلصُ قائِلاً بعد جِدال: “أمّا هنا يا بيلسانَتي، فلدينا ثورةٌ شرعيَّةٌ واحِدَةٌ هي ثورةُ البعث، ثورةٌ أوصَلتِ البَلدَ إلى ما هو عليه اليوم، ثورةٌ تسمَحُ للمتظاهِرين، خاصّةً مع قدوم الرّبيع من كلّ عام، بالرّعي في كافَّة حدائِق القَصر”.

 أذكرُ أن عصرونيّتَنا ونحن أطفال كانت تنتظرُ بِفارِغِ الشهيَّةِ صوتَ بائع الكعك المتجوّل. صوتٌ مثيرٌ للشهية مدعومٌ برنّةِ جرسٍ نفتقدُها هذه الأيام. كان جرسُ بيّاعِ الكَعك حوالى الساعة الخامسة عصراً ينقذُنا من مأزق إعرابِ جملةٍ طويلةٍ غير مفيدة حُمِّلناها فرضاً منزلياً، أو من معاناةِ حِفظ قصيدةٍ لأبي فِراس الحمداني، أو من مصيبةِ حلِّ أحجيَةٍ حسابيّة. أَسمَجُ الفروض كانت تلك التي تطلبُ منا حلَّ أحجيةِ قطارٍ على الفحم الحجري يسيرُ بسرعةِ كيلومترين في الدقيقة على مسافة عشرينَ كيلومتراً. أن أعرف متى يصلُ بنا القطارُ إلى محطتِه التالية بالدقائق والثواني كان بمثابةِ فكِّ طلاسمِ المادةِ المظلمة في تفسيرِ بداية الكون. نادراً ما كنت أصرخُ “هوريكا” عندما أُوَفَّقُ بالحَل. ربما أجدُ في صراعي التاريخي مع رياضيات النسبية مبرِّراً منطقياً لتوجّسي مِن ركوبِ القِطارات. مِن أجمل ما قرأت لأمَل دَنقَل أغنيَة الكعكةِ الحجريّة، يقول فيها:

عِندما تهبطينَ على سَاحةِ القَومِ، لا تَبْدأي بالسَّلامْ.  فهمُ الآنَ يقتَسِمونَ صغارَك فوقَ صِحَافِ الطعام بعدَ أن أشعَلوا النارَ في العشِّ.. والقشِّ.. والسُّنبلة. وغداً يذبحونك بحثاً عن الكَنزِ في الحوصلة، وغداً تَغْتَدي مُدُنُ الألفِ عام مدناً للخِيام. مدناً تَرتقي دَرَجَ المقصلة.

تشبِه أغنيَةُ اختِصامِ الصِّغارِ فوقَ صِحافِ الطّعام قصةَ أمٍ كانت تخبزُ لأولادِها كعكَةً تشبِه تدويرَة القَمَر. كل مَن يأكلُها قالتِ الأمُّ يصبحُ وجهَه كالقَمَر.اختصَم الأولادُ على أكلِها. كلُّ واحدٍ منهم أرادَ أن يكونَ قمراً. هي حالُنا نحن في اقتسامِ كعكةِ السلطة. لم يحظَ واحدٌ منا بوجه القمر. كل ما فعلناه أننا حوَّلنا مساءاتِ الوطن المُقمِرَة إلى فسادٍ دامس. واكَعكتاه… واكَعكَتاه.