الرئيسية / home slide /   واقع المتين* الإقتصادي والإجتماعي في متصرفيّة جبل لبنان- 1860-1918 (2)

  واقع المتين* الإقتصادي والإجتماعي في متصرفيّة جبل لبنان- 1860-1918 (2)

أمثال وحكم من واقع مُعاش


شربل النجّار
هنا لبنان
31102022

بالإضافة الى المدرسة المؤلّفة من طاولات ومقاعد ومعلم في إطار تحت السنديانة أو سواه من الأطر ،  كانت هناك مدرسة أخرى تتنزه بين الناس، قوامها كلمات تتواصل وتتناثر ثم تتوزع على المسامع فتُعلّم …….

ولد عمّي شقيق والدي عام 1915 في عزّ الحرب العالمية الأولى وقد تعلّم على يد والده الخوري مبادئ القراءة والكتابة  مع سواه من الأتراب، إما تحت السنديانة التي كانت تظلّل ساحة الكنيسة ، كنيسة مار جرجس أو في إحدى المدارس التي قامت  في المتين مباشرة مع تمركز إدارات الإنتداب الفرنسي في بيروت وتمدّدها لتشمل بتأثيرها كافة المناطق اللبنانية لا سيما تلك البعيدة عن العاصمة بحسب قياس المسافات في تلك الأيام.

غير أن تلك المدارس  التي درّس فيها جدي ودرس فيها عمّي لم تكن هي المدرسة أو مدرسة الحياة التي تتجلّى في أمثال وحكم يكتسبها الإنسان من واقعه المُعاش، وينقلها  من جيل الى جيل على مرّ الزمان ومنها ” ما تعلّم ابنك الدّهر بيعَلمو”.

كنت قريبا من عمّي شقيق والدي، وقد حرص على تزويدي بما يكتنز من معارف قرويّة تقليديّة اكتسبها “يومك يومك” ، لا بل أصر على تلقيني إياها ظنًّا منه بأن المدينة حيث كنا نمضي فصل الشتاء بؤرة لامبالاة أخلاقية  بينما القرية هي المكان الملائم لشدّ العصب. وكان هذا المفهوم منتشرا، وكان الجبليون على قناعة بصوابيّته حتى أن متصرّف تلك الأيام وبضغط من بكركي أصدر قرارا منع فيه النساء من الذهاب الى المدينة بحجة أن فيها مفاسد للأخلاق كما أننا نلاحظ هذا التوجه  في كلمات  أغاني خمسينيات القرن العشرين. ولعل أبلغ دليل على ما قدمناه أغنية وديع الصافي ” الله يرضى عليك يا ابني ” ومن كلماتها : ” بنت المدينة بدها خدام / وإلا عريش نعام ما بتنام / ليلى يا ابني ان جارِتِ الايام / بتعيش عالزيتون والجبنة / الله يرضى عليك يا ابني
 غير أنّ عمّي لم يكن ليوفّق دائمًا في إيصال ما كان  ينوي إيصاله لي من أخلاقيات ووجدانيات، إذ أن محاولاته ما كانت تتوافق دائمًا وقدراتي يومها على الإستيعاب.

ففي أحد الأيام قال لي ” ليك عمي نحنا لا برجالنا ولا بمالنا نحنا بكرامتنا”. يومها لم أفهم هذا القول، لأنه غاب عني المُضمرُ من الكلام وهو الأعداد للرجال والأرقام لكميات المال، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، لم يكن باستطاعة صبي في منطلق سن  المراهقة أن يجسّد معنى “الكرامة” الذي هو معنى نظري في أساسه.

وفي يوم، رماني بمثل آخر يقول : ” الحجر مطرحو قنطار” لم أفهم ما علاقة الحجر بآل القنطار الكرام ولمّا سألته، ابتسم وقال: “بعدك زغير” أي أنك لن تفهم مرامي هذا المثل.وما هي إلا اشهر حتى وافاني بثالث عن طريق النصح فقال : عمّي! إن وقع نصّك عالأرض ما تلمّو” .لم أفهم ماذا يعني ،  إلا أنني استدركت فقلت :  وإن وقع “نصّك” إنت؟….. فضحك.

وكنت لا أحب العمل بالأرض ولا أوقات قلع البصل وجدله ولا القطاف لا سيما قطاف اللوبياء أو التين والعنب ولا نقل المحصول بالسلال و”الأتناك”  (1)  سيرًا على الأقدام من الحديقة الى المنزل حيث نصطاف، حتى صرت  أختفي كلما حان موعد من تلك المواعيد، ولما اشتدّ ساعدي اشتريت سيارة، وكان الهدف الأول والأساسي من تلك الصفقة،  نقل تلك الخضار والفاكهة من مكان الى آخر دون تعب ولا إرهاق. وفي أحد الأيام  إنتظرني  حتى استيقظت من النوم  فقال : عمّي لا أريد منك سوى أن تنزل الى أماكن الزرع، فتسير فيها رواحا ومجيئا وبعدها إذهب الى حيث تشاء…. ففعلت، وصرت أفعل ذلك مرّات غير أن غبائي استغرق سنوات قبل أن أفهم مقاصد عمي من تلك الدعوة.

ولطالما نهرني، إن غاليت في المعروف أو المساعدة أو المساهمة في أمر ما ، كمثل الدوران بإبريق الماء أو بصينية الدخان على المعزين في بيت أحد الأقرباء، وكان يصرّ على الملامة  مردّدًا ” كترة الواجب بتقلل القيمة”. لم يحررني فهمي لذلك المثل ، بل حرّرني نهيُ عمّي لي عن القيام بذلك، فصرت بدل الدوران بالإبريق أو الصينية ، “أُهَوْشِل” بين الصنوبر غير عابئ بما يجرى في أوساط الكبار.


أمّا ما تجلّى لي بعد سنوات، فهو أن في المثل الأخير الذي ذكرت، الكثير من الذكاء لا بل الدهاء في تعاطي الناس مع بعضهم بالإشارة والإيماء والموقف.  كما لاحظت أننا في المفهوم القروي، عائلة قليلة الأعداد لا سيما منها أعداد الذكور، ورغم أن أوضاعنا المادية كانت ميسّرة، الا أنها كانت ومن وقت الى آخر تتعسر وعندها تسقط الدفاعات المادية ولا يعود للمرء الا ما توفّره الأخلاق من دفاعات فاستقام فهمي للمثل الأول الذي ذكرت. أما “الحجر الذي مطرحو قنطار” فهو أن الحجر ولو كان  صغيرا، يزن كثيرا شرط ألا  يذهب خفيفا في كل اتجاه (2) و مثلُ : إن وقع نصّك عالأرض ما تلمّو، هو مثل شبيه يطرح موضوع الخفّة والتعفّف وعزّةُ النفس والإمتناع عن التذلّل والتوسّط لنيل المرامي وما  شابه.

وإن ورِثتُ هذه الأمثال عن عمّي فهذا لا يعني أنها إبنة القرن العشرين بل أبعد. فعمي ورثها عن والده ووالده لا بدّ أن يكون قد ورثها عن والده  وهكذا دواليك ….. أي أن ما حدّثني به عمي يرجع على الأقل الى بدايات القرن التاسع عشر، كون جدّ الشقيقين والدي وعمّي، هو من مواليد العام 1829.

وما من شك في أن جميع المتينيين لا بل الجبليين  كانوا يتبنّون هذه الأمثال وغيرها ويردّدونها  على مسامع أبنائهم كلّما دعت الحاجة المُعاشَة الى ترداد مَثلٍ مطابق أو نقيض يوصّفُ الحالة، حتى صارت تلك الأمثال من المفاهيم المتفق عليها والمتغلغلة في نفسيات ناس القرن التاسع عشر هؤلاء الذين ذكرهم إحصاء 1862  وهم سلسلة من الأجداد الذين سبقونا ، وهم ولو غابوا فقد تركوا لنا أثرا تعدى ما أورثونا إياه من حجر وتراب وشجر الى مفاهيم لا تزال وأخرى على طريق الزوال. وما أوردناه من حِكم  وأمثال وقيم ومفاهيم لم يقتصر على ملّة دون أخرى، ذلك لأن الملل (الطوائف) على تنوّعها، كانت تعمل بالأرض وكان الأفراد في ما بينهم يعتمدون المفاهيم التي علّمتهم إياها الأرض من خلال نظام اقتصاد زراعي له قواعده ودروسه وقيمه ومفاهيمه.

والجدير ذكره والتأكيد عليه أنه باستثناء الزي الذي يتزيّى به رجال الدين ، لم يكم من إشارة تميز جبلي عن جبلي  آخر. جلّهم يلبس الشروال ويعتمر قبّعة من الطراز ذاته في أغلب الأحيان. أما الأهم، فهو أن أهل الجبل اللبناني في القرن التاسع عشر كانوا يلفظون القاف قافًا والهمزة ألفًا بحسب موقع الحرف في الكلمة رافضين تشويه الكلام ياستبدال حرف بحرف.
ومن الحكايا التي وصلت إلي في هذا الموضوع ، أن امرأة درزية سألت زوجها على بساطة وبطيبة قلب إن كان خوري الضيعة درزي المذهب……

* المتين بلدة في المتن الشمالي
(1) جمع تنكة
(2)  القنطار هو وحدة قياس  سابقة للنظام المتري، يعادل عند الجمهور 143.8 كيلوغرام، وقد ورد ذكره في القرآن : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.” آل عمران،14 .