الرئيسية / مقالات / واشنطن تراقب بحذر وقلق العلاقات السعودية – اللبنانية

واشنطن تراقب بحذر وقلق العلاقات السعودية – اللبنانية

 

يؤكد المسؤولون الأميركيون أنهم فوجئوا بالإجراءات التي اتخذها ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، عندما قام بحملة اعتقالات طالت عدداً كبيراً من رجال الأعمال من بينهم عدد من الأمراء المعروفين بتهم الفساد، وفي الوقت ذاته تصعيد ضغوط المملكة ضد “حزب الله” ودوره كلاعب رئيسي في الاستراتيجية الإقليمية لإيران، بما في ذلك الضغط على رئيس الحكومة سعد الحريري لتقديم استقالته من الرياض، والتركيز على أن السبب الاساسي للاستقالة هو دور “حزب الله” العسكري خارج لبنان بما في ذلك الحرب في اليمن، التي تكلف السعودية مليار دولار في الشهر وفقاً للمراقبين العسكريين والسياسيين في واشنطن. وتكهن مسؤولون سابقون وخبراء في شؤون الخليج، بأن الصاروخ الباليستي الذي أطلق من اليمن ضد الرياض واعترضه صاروخ مضاد للصواريخ، كان من أبرز الاسباب التي دفعت بالامير محمد بن سلمان للتهديد باتخاذ مواقف سياسية واقتصادية ضد لبنان في المستقبل القريب “لإرغام اللبنانيين على التحديق في مستقبل قاتم والبدء بطرح الاسئلة الجدية التي يتجنبها السياسيون في لبنان بما فيها ما يمكنهم القيام به سياسياً ومعنوياً لتحدي سياسات “حزب الله” ورفع الغطاء السياسي عنه” كما قال مسؤول سابق.

واشنطن – هشام ملحم
المصدر: “النهار”
21112017

المسؤولون السعوديون اتهموا إيران بتزويد الحوثيين بهذه الصواريخ، وكذلك اتهام عناصر من “حزب الله” بتدريب الحوثيين على إطلاق الصاروخ الاخير. وكان جاريد كوشنر مستشار وصهر الرئيس دونالد ترامب المكلف بعدد من المهام الخارجية وأبرزها إحياء عملية السلام بين الفلسطينيين واسرائيل، قد زار المنطقة والتقى مطولاً بالامير محمد بن سلمان قبل الإجراءات التي اتخذها ولي العهد السعودي. هذا الاجتماع أدى الى بروز تكهنات في واشنطن حول ما اذا كان كوشنر قد اعطى الامير محمد الضوء الاخضر للقيام باجراءاته الداخلية والخارجية، وهو أمر نفاه المسؤولون الحكوميون، كما قلل من صدقيته خبراء في شؤون السعودية والذين قالوا إن المملكة لا تحتاج إلى ضوء اخضر من واشنطن للقيام بما قامت به، وخصوصاً أنها تعلم ان الرئيس ترامب يميل الى دعمها اصلاً.

المسؤولون الاميركيون يتعاطفون مع القلق السعودي جراء النفوذ الإيراني المتزايد في اليمن، والدور المتزايد لحزب الله في تدريب القوات الحوثية، ولكن واشنطن، التي لا تزال تساعد الطيران السعودي والإماراتي على التزود بالوقود في الجو، تشعر أيضاً بالاحباط لان الحرب دخلت سنتها الثالثة من دون أن يكون هناك أفق لحل ديبلوماسي، كما ان واشنطن رفضت أي قيود على دخول الإمدادات الغذائية والطبية الى اليمن. على الصعيد السعودي الداخلي، هناك قلق أميركي من ان تتطور حملة الاعتقالات الداخلية بطريقة تؤدي الى اضطرابات سياسية في الدولة العربية التي تعتبرها واشنطن الآن الحليف العربي الاساسي لها في المنطقة.

 المفاجأة السعودية

المسؤولون في الخارجية وزملاؤهم في وزارة الدفاع يقولون إن مفاجآت الامير محمد بن سلمان الاخيرة لهم، لا تعني بالضرورة ان مناقشاته مع جاريد كوشنر لم تتطرق بشكل عام الى ما يعتزم القيام به. الناطقة باسم الخارجية هيذر ناورت قالت للصحافيين الذين سألوها حول ما اذا كان كوشنر على علم بالإجراءات السعودية “لم أتحدث مع كوشنر او مع مكتبه”، وذلك خلال وجود كوشنر مع الرئيس ترامب في جولته الاسيوية. وبينما اعلنت الخارجية انها تراقب الوضع الداخلي في السعودية، وانها حصلت على تعهدات بأن أي محاكمات للمعتقلين سوف تتم بطريقة شفافة، أعلن الرئيس ترامب في تغريداته من آسيا عن تأييده الواضح للمعاملة القاسية التي يتعرض لها المعتقلون في السعودية، الذين اتهمهم ترامب بأنهم كانوا “يحلبون” بلادهم لسنوات، واضاف ان لديه “ثقة كبيرة” بالملك سلمان وولي العهد الامير محمد “لأنهما يعرفان بالضبط ما يفعلانه”.

وللمرة الثانية خلال أشهر، تعاملت الولايات المتحدة بأكثر من صوت وأسلوب مع إجراءات اتخذتها السعودية وحليفتها دولة الامارات العربية المتحدة، الأمر الذي تسبب بنقاشات واجتهادات حادة بين البيت الأبيض من جهة ووزارتي الخارجية والدفاع المدعومتين من عدد من اقطاب الحزب الجمهوري في الكونغرس من جهة اخرى. وعندما قررت السعودية والامارات في مطلع حزيران الماضي مطالبة دولة قطر بوقف دعمها لتنظيمات إسلامية يعتبرها البلدان ارهابية مثل حركة الاخوان المسلمين، والتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية وإقفال قناة الجزيرة، وغيرها من المطالب، سارع الرئيس ترامب الى تأييد السعودية ودولة الإمارات واتهام قطر بتمويل الارهاب “على أعلى المستويات”. وقيل آنذاك إن سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، الذي كان قد طور علاقة شخصية مع جاريد كوشنر قبل الانتخابات، كان قد اعلم كوشنر – قبل إعلام وزارتي الخارجية والدفاع – بالإجراءات العقابية ضد قطر. وقبل تنصيب الرئيس ترامب جرى اجتماع في كانون الاول الماضي في نيويورك بين ولي عهد الامارات الشيخ محمد بن زايد وجاريد كوشنر وعدد آخر من المسؤولين البارزين في حملة ترامب من بينهم الجنرال المتقاعد مايكل فلين، وستيفن بانون، اللذين خدما لاحقاً في منصبين بارزين في البيت الابيض قبل استقالتهما. مفاجأة وزيري الخارجية والدفاع، ريكس تيليرسون وجيمس ماتيس بالازمة مع قطر دفعت بهما الى اقناع الرئيس ترامب لاحقاً بتخفيف دعمه للمحور المناوئ لقطر. لا بل ان ماتيس سارع بارسال سفينتين حربيتين الى قطر لاظهار متانة العلاقة العسكرية، والاعلان عن دعمه لتسليح قطر بطائرات عسكرية متطورة. من جهته طلب تيليرسون من السناتور بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ان يعلن عن معارضته لبيع دول الخليج المتنازعة أي أنظمة عسكرية قبل حل الازمة القطرية.

تغريد ترامب ليس سياسة رسمية

وفي هذا السياق، قال نبيل خوري المسؤول الأميركي السابق في وزارة الخارجية الذي خدم في منطقة الخليج: “علينا أن ندرك ان تغريدات الرئيس ترامب ومواقفه بشأن السياسة الخارجية يجب ان لا تعتبر سياسة رسمية، بل طريقته الفريدة بالتعبير عن مشاعره كما يقول مساعدوه”. ويضيف خوري، الباحث في “المجلس الاطلسي” في حوار مع “النهار”، “ولذلك فإن تغريدته بان الملك سلمان والامير محمد يدركان ما يقومان به لا تعني بالضرورة ان الولايات المتحدة سوف تدعم ممارسات اوتوقراطية أكثر في السعودية، او ممارسات غير مسؤولة يمكن ان تؤدي الى حرب جديدة في الشرق الاوسط”.

تعاملت وزارة الخارجية الاميركية مع استقالة الرئيس الحريري وظروفها الاستثنائية والمحيرة بدقة وتروٍّ، وسارعت مع اجهزة الاستخبارات للخروج بتقويم أوضح للوضع مثل التأكد مما اذا كان هناك بالفعل مؤامرة لاغتيال الرئيس الحريري، وهو أمر استبعده المسؤولون في واشنطن بسرعة. المسؤولون الذين التقوا بالمبعوث السعودي ثامر السبهان نصحوا السعودية بالتريث وعدم اتخاذ اجراءات عقابية اضافية مماثلة بعض الشيء للاجراءات التي اتخذتها ضد قطر، او ان تطلب الرياض من حلفائها في الخليج اتخاذ اجراءات مماثلة مثل سحب ما تبقى من الودائع من المصارف اللبنانية أو فرض قيود على الاموال التي يرسلها اللبنانيون الذين يعملون في دول الخليج، وابقاء حظر سفر رعاياهم الى لبنان لوقت طويل. المسؤولون الاميركيون قالوا انهم لا يعرفون ما اذا كان لدى الرياض تصور للحل العملي الذي تريد أن تراه في لبنان في المستقبل المنظور.

التوتر الاقليمي الذي عقب استقالة الحريري، والتقارير الصحفية والتكهنات التي تحدثت عن احتمال تدهور الأوضاع الأمنية والتسبب بحرب بين إسرائيل و”حزب الله”، قد تتوسع لتشمل ايران، أثارت قلق المسؤولين في واشنطن. وقال الباحث نبيل خوري، إن المسؤولين العسكريين وأجهزة الاستخبارات في واشنطن “لا يريدون حرباً جديدة في الشرق الاوسط، وموقفهم هذا مماثل لتحذيرهم من الثمن البشري الباهظ لاي حرب جديدة في شبه الجزيرة الكورية”. ويضيف ان العسكريين الاميركيين بعد تجاربهم العسكرية في جنوب آسيا والشرق الاوسط منذ بداية القرن الحادي والعشرين “يدركون انه لا توجد ضمانات قاطعة بتحقيق انتصارات عسكرية حاسمة ونهائية”.

الصورة قاتمة

ولكن عدداً من المسؤولين السابقين والباحثين في مراكز البحوث من الذين التقوا بمسؤولين سعوديين في واشنطن في الاسابيع الماضية قالوا إن الأمير محمد بن سلمان، كان يخطط “منذ أشهر” لحملة الاعتقالات الاخيرة، وانه كان مستاء من الرئيس الحريري خلال زيارته الاخيرة لواشنطن لانه لم يتخذ موقفاً قوياً من حزب الله “ونشاطاته التخريبية خلال محادثاته مع المسؤولين الاميركيين واعضاء الكونغرس” حيث كان يقول ان لبنان غير قادر على مواجهة “حزب الله” بمفرده لانه ظاهرة تتطلب حلاً اقليمياً ودولياً. وأضاف هؤلاء ان الوضع الامني المتدهور في اليمن، حيث تتعرض السعودية والائتلاف الذي تقوده الى انتقادات قاسية في وسائل الاعلام ومن منظمات حقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة الدولية بسبب تفشي مرض الكوليرا، واقتراب 7 ملايين يمني من حالة المجاعة، واتهام هذه الأطراف للسعودية باستخدام توزيع الإمدادات الغذائية كسلاح في الحرب، وقصف الرياض بصاروخ يمني زاد من إحباط السعوديين واستيائهم وتهديدهم بتصعيد اضافي. وأضاف هؤلاء ان المسؤولين السعوديين، لم ينكروا ان مسألة “اخراج” الازمة اللبنانية، وتحديداً استقالة الحريري، قد سببت لهم إحراجاً اقليمياً ودولياً عكسته مواقف دول مثل فرنسا والمانيا. وفسّر هؤلاء تأخر الحريري في العودة الى لبنان بأنه كان مقصوداً لارغامه وحلفائه في لبنان، وأيضاً “حزب الله” وحلفائه على مراجعة خياراتهم وان الحريري سوف يناقش مع اركان حكومته، المطالب والشروط السعودية المتعلقة بكبح نشاطات “حزب الله” الاقليمية حيث تعتبر اليمن أكثرها الحاحاً بالنسبة للسعودية، والتأكيد لجميع القوى اللبنانية ان السعودية “لن تعود بعد الان الى ممارسة السياسة تجاه لبنان كالمعتاد”، وانها لن تتردد في تصعيد ضغوطها على لبنان، اذا قرر السياسيون اللبنانيون هذه المرة، “ممارساتهم كالمعتاد”.

اضف رد