الرئيسية / home slide / واشنطن بوست: بشار الأسد أحكم السيطرة على اقتصاد البلاد واستبدل الموالين له بـ”شلة جديدة”

واشنطن بوست: بشار الأسد أحكم السيطرة على اقتصاد البلاد واستبدل الموالين له بـ”شلة جديدة”

إبراهيم درويش
القدس العربي
06122021 

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا من إعداد ليز سلاي وغريغ ميلر، قالا فيه إن رئيس النظام السوري بشار الاسد وبعد عقد من الحرب أحكم سيطرته على البلد. ففي حملة قام بها مع المسؤولين المفلسين استهدفت رجال الأعمال وصادرت أموالهم ووضعت اليد على أعمالهم، بل وطالت الحملة الذين دعموا ووقفوا إلى جانبه في الحرب. وأشارا إلى استهداف خمسة رجال مدراء في ثاني أكبر شركة هواتف نقالة “أم تي أن” فلم يكن اعتقالهم بسبب علاقتهم بالمعارضة، التجسس أو عدم الولاء للبلد والأسد، بل استهدفوا في المرحلة الجديدة من معركة البقاء للأسد: البحث عن المال.

وبحسب أشخاص على معرفة بالقصة، فقد كان اعتقالهم جزءا من حملة وحشية للسيطرة على أرصدة “ام تي أن” وأي شركة مهمة في الإقتصاد السوري المحطم. وتم تركيع الشركة في النهاية وبعد معركة طويلة وضغط ومطالب من المعتقلين بدفع ملايين الدولارات وتهديد بسحب رخصة العمل للشركة وقرار محكمة مشكوك فيه أدى لوضع الموالين للأسد في إدارتها. وأعلنت الشركة ومقرها في جنوب أفريقيا في آب/أغسطس أنها قررت التخلي عن السوق السورية بسبب ما وصفه مديرها التنفيذي الظرف “الذي لم يعد يحتمل”. ولا تزال أبراج أم تي أن تعمل ويدفع الستة ملايين مشترك فواتيرهم الشهرية. وقال مدير تنفيذي سوري “لكن لا أحد يعرف إلى أين يذهب المال” و “بصدق لا أحد يعرف” قال.

وتقول الصحيفة إن أحداثا مماثلة جرت وتجري منذ عامي في وقت يقوم فيه الأسد ونظامه الخاوي من المال بمداهمة أو مصادرة الأعمال مباشرة، بما فيها شركات تجارية وعائلات معروفة تحملت وتجاوزت الحرب في مناطق النظام، وذلك حسب مسؤولين أمريكيين وغربيين وسوريين على إطلاع حقيقي بأعمال النظام. ولم ترد الرئاسة السورية أو الحكومة في دمشق على أسئلة الصحيفة.

وقام “مدققون” ماليون أو عملاء للنظام بمداهمة الشركات واتهموها بانتهاكات نظام الضريبة أو كمبرر لفرض غرامات مالية ضخمة عليها ودفعها للجمعيات الخيرية التي ينظر إليها على أنها صناديق رشوة. ويرى مدير شركة سوري في دبي إن التحركات هي جزء من عملية تشبه “المافيا للسيطرة على المال”. وتعتبر الحالات الأخيرة بمثابة تغيير شامل لطاقم المدراء في الشركات وإجبارهم تحت التهديد بالتنحي وفتح المجال أمام الموالين للأسد، ومن بينهم يسار إبراهيم، الذي سيطر في عامين على ام تي أن وشركات أخرى استهدفها الأسد.  ولم يفلت أقارب الأسد من حملته، ففي العام الماضي جرد الأسد ابن خاله رامي مخلوف من شركاته وأرصدته والتي كانت جزءا من مجموعة شركات يقدر الخبراء قيمتها بحوالي 10 مليارات دولار. وزادت العمليات منذ ذلك الوقت، حيث يراها المسؤولون الأمريكيون والخبراء في سوريا أنها نابعة من الضغوط المالية التي يعاني منها النظام الذي افلس بسبب الحرب بالإضافة للديون الضخمة لكل من إيران وروسيا اللتان وقفتا إلى جانب الأسد في الحرب. ولا ننسى الإنهيار المالي في لبنان والعقوبات التي فرضها الغرب على النظام السوري. ويقول المسؤولون والخبراء إن الأسد يريد المال كي يدفع رواتب جنوده ومسؤولي الأجهزة الأمنية ولشراء الوقود والطعام للعاصمة وبقية المناطق الواقعة تحت سيطرته، بالإضافة لمكافأة النخبة السورية التي ظلت إلى جانبه طوال فترة الحرب.

وبناء عليه، بدأت نهاية اللعبة تتكشف، ويقول المسؤولون الأمريكيون وخبراء سوريا إن الأسد سيخرج من الحرب أقوى وقد سيطر على الأجهزة الأمنية والإقتصاد. وبات بالتالي أقوى مما كان عليه عند بداية الحرب. ولكنه يقود بلدا ممزقا ونصفه خارج عن سيطرته ومدنا وبلدات في حالة دمار شامل ولا أهمية للعملة السورية التي خسرت 85% من قيمتها.

ويقول روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق ” في وضع أخذ فيه حجم الكعكة يتقلص بات القتال على المصادر أكثر شدة”. وأضاف فورد إن “مناخ اليأس يعطي الأسد نفوذا أكبر” نظرا لعدم وجود منافسين ماليين وغيرهم لرفض الأسد”. وتوقع فورد ألا تنتهي عملية مصادرة الأموال والشركات لأن الأسد صور السيطرة على الأرصدة بانها جزء من محاربة الفساد وعدم التسامح مع أي ِشخص متورط فيها. و”إنهاء الفساد في الإقتصاد هو ضرورة اجتماعية ووطنية” كما قال في تموز/يوليو.

ونقلت الصحيفة عن رجل أعمال سوري في بريطانيا، من المؤيدين للحكومة السورية إن رجال الأعمال المستهدفين “مستفيدون من امتيازات ليست متاحة للناس العاديين. وترى الدولة أن من العدل أن تأخذ منهم أكثر”.

وتعلق الصحيفة أن ما آل الحال إليه في سوريا، يضيف لإرث الربيع العربي المر والذي جاء محملا بالوعود والفرص الإقتصادية في الشرق الأوسط.

والعكس هو ما حدث في سوريا حيث استطاع الأسد والنخبة الصغيرة حوله طرقا للبقاء في السلطة والحفاظ على مستويات حياتهم في وقت يعاني منه بقية السكان من أزمة إنسانية. وتعيش نسبة 90% من سكان سوريا في الفقر، وتم تدمير معظم المستشفيات والمدارس خارج دمشق، وزاد الجفاف مخاوف المجاعة، حيث تقدر منظمات الإغاثة ان حوالي 12 مليون سوري يواجهون مخاطر الحصول على الطعام الكافي. وتقدر الأمم المتحدة أن عمليات إعادة إعمار سوريا ستكلف 250 مليار دولار على الأقل. وتظل العقوبات عقبة أمام الإستثمارات وأعلنت إدارة جوي بايدن إنها لن تغير من نظام العقوبات إلا حالة وافق الأسد على تسوية وإصلاحات سياسية. كما أن معاملة شركة أم تي أن وغيرها تضعف أي منظور تدفق المال إلى سوريا. ووصف مدير شركة تحدث عن الهجوم على ام تي أن “لا مستثمر أجنبي عاقل ومتعقل بعمل أي شئ في سوريا بظل الحكومة الحالية”.

وتقول الصحيفة إن نظام النخبة الفاسدة في سوريا هو أبعد من مجرد السيطرة على الشركات، فالنظام السوري متهم بتجارة المخدرات وإنتاج مادة أمفيتامين كابتاغون بمنشآت تقع على الساحل وبكميات ضخمة. وصادرت سلطات أوروبية وعربية في 2020 شحنات بقيمة 3.4 مليار دولار، وأكثر من الميزانية السنوية لسوريا، حسب مركز عمليات التحليل والدراسة.

ويتهم النظام أيضا بتحويل ملايين الدولارات من أموال الدعم الإنساني المفترض أنه لمساعدة السوريين الجائعين. وفي دراسة أعدها مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية كشفت أن النظام حصل على النصف من كل دولار وصل للمنظمات الإغاثية.

وحول المصرف المركزية بهذه الطريقة 100 مليون دولار ما بين 2019 و 2020 حسب المركز. وقبل هذا أقامت عائلة الأسد نخبة فاسدة استفادت من مصادر الدولة وفرضت شراكات طفيلية على رجال الأعمال.

وقلب هذا النظام رأسا على عقب خلال العامين الماضيين، حيث تخلى الأسد عن أي مظهر من مظاهر الشراكة التجارية وبدأ بملاحقة من وثق بهم سابقا. وكان قطاع الإتصالات هو الهدف الرئيسي لكونه مصدرا جيدا للربح، وعادة ما يحمل السوريون، حتى الفقراء هواتف نقالة مع أنهم لا يستطيعون الحصول على الكهرباء والماء.

ويقول سوريون على معرفة بالوضع أن النظام بدأ باستهداف هذا القطاع عام 2018. فقد طلب من شركة مزود لشركة الهواتف الرئيسية أن زبائنها سيوقفون العقود معها إلا في حالة تخلى ملاكها عن إدارتها.

وكان يعمل فيها 200 موظف وبموارد سنوية بالملايين. وطلب من المدراء البارزين البقاء واستمر العمل لعدة سنوات، ثم تم تحويل عقود الشركة إلى كيان جديد وهو “شركة البرج للإستثمارات”، ويديرها يسار إبراهيم، وورد اسم نسرين، شقيقة إبراهيم كواحدة من المدراء التنفيذيين. وقال أحد المدراء الذي طلب عدم ذكر اسم الشركة “كنا نأمل أن نكون جزءا من سوريا الجديدة وإعادة بنائها وبدون هذا النظام” و “لا أمل لدينا للعودة”.

وبعد ذلك حول نظام الأسد نظره نحو الشركات الكبرى مثل أم تي أن التي دخلت السوق في عام 2008، والتي بدأها نجيب ميقاتي، رئيس وزراء لبنان الحالي.

واستثمرت الشركة بشكل واسع بحيث سيطرت على نسبة 45% من سوق الهواتف النقالة السوري. وفي 2019 تلقت الشركة بلاغا أن عقدها لعشرين عاما الذي وقعته قبل 4 أعوام سيلغى إن لم تدفع 40 مليون دولار إضافية. وعندما ترددت أم تي أن زاد الضغط عليها. وفي أيار/مايو اعتقل خمسة مدراء في الشركة في مداهمات تمت بشكل متعاقب في الساعة الثانية صباحا. ونقل المدراء وهم أربعة رجال وامرأة إلى مقر المخابرات العامة. واعتقل موظف سادس في اليوم التالي من مكتبه في دمشق.

ولم يكن المدير التنفيذي من بينهم، فقد غادر سوريا بداية العام. وحقق معهم وتعرضوا للضغوط والتهديدات لهم ولعائلاتهم قبل الإفراج عنهم.  وقال شخص مطلع “لم يكن الهدف الحصول على معلومات” بل “كان توجيه رسالة”. وبدأت الشركة بالتفاوض على بيع نسبة 75% من عمليتها في سوريا إلى شركة اسمها “تيلي إنفيست” والتي يسيطر عليها إبراهيم واشترى قبل ذلك 25% من حصة مستثمر سعودي.

لكن الصفقة تأخرت بسبب مخاوف من عدم قدرة إبراهيم تأمين المبلغ، ثم انهارت بعدما فرضت الولايات المتحدة العقوبات عليه في 2020. ووصفت الخزانة الأمريكية إبراهيم بـ”مساعد” الأسد الذي عقد صفقات في الشرق الأوسط لإثراء الأسد في وقت يموت فيه السوريون من نقص الطعام والدواء. وخافت أم تي أن التي تعمل في 21 دولة أفريقية وبالشرق الأوسط ان تتعرض للعقوبات الأمريكية.

وعندما فشلت الصفقة تحركت الحكومة السورية وبأسلوب جديد، حيث استصدرت حكما يتهم الشركة بخرق شروط العقد والتهرب الضريبي وتم وضعها تحت حراسة تعيينها المحكمة. وتحدت الشركة القرار بمحكمة سورية وخسرت، ورفض متحدث باسم الشركة في جنوب أفريقيا التعليق أكثر.

ثم حولت المحكمة الحراسة إلى “تيلي إنفيست” وهي نفس الشركة التي حاولت السيطرة عليها وفشلت. وقررت الشركة في جنوب أفريقيا التخلي عن عملياتها التي كانت تدر عليها مليار دولار سنويا قبل الحرب. ورغم تقلص الموارد بسبب النزاع إلا أن عدد مشتركيها في سوريا هم 6 ملايين شخص. في آب/أغسطس قال رالف موبيتا إن الشركة ستوقف عمليتها في سوريا “بعدما فقدت السيطرة عليها من خلال تحرك نشعر أنه غير عادل”.

وفي نفس الوقت الذي كان فيه الأسد يضايق أم تي أن قام بتنظيم عملية سيطرة داخل العائلة. وأشارت الصحيفة إلى قصة بشار مع رامي مخلوف، الذي بنى إمبراطورية مالية نيابة عن ابن عمته الرئيس. وسيطر على قطاع الهواتف النقال واستثمر بالنفط والبنوك والعقارات. وبسبب استغلاله الدولة وضعته الخزانة الأمريكية على قائمة العقوبات في 2008، أي قبل الحرب.

وكانت أهم شركة لديه هي “سيرياتل” التي سيطرت على قطاع الهاتف النقال. وبدأ في العام الماضي بمهاجمة الأسد، حيث تزامنت هجماته مع محاولات الأسد حرف الإنتباه عن الأزمة الإقتصادية وانهيار النظام البنكي في لبنان، حيث لم يستطع آلاف السوريين الحصول على أموالهم المودعة فيها.

ويرى سوريون أن يوم الحساب قد اقترب لمخلوف، حيث تباهى ابنه على انستغرام بسياراته الفارهة. ويشك آخرون بان زوجة الأسد، أسماء هي من تقف وراء التحرك.

وبدأت عملية تفكيك مملكة مخلوف المالية في 2019 عندما عينت أسماء مديرة لجمعيته الخيرية “البستان”.

ويقول عدد من رجال الأعمال السوريين الذين فروا إلى الخارج إن عملية السيطرة على صناعة الهواتف النقالة في سوريا نظمتها أسماء لمنح ابنها حافظ وضعا جيدا لخلافة والده.

وفي العام الماضي تلقى مخلوف ضربة عندما جرد من أسهمه في سيرياتل، التي تعد الأهم في البلاد وتسيطر على نسبة 55% من سوق الهواتف النقالة في البلد. وانتهى به الأمر يطلب الرحمة من ابن عمته وشجب ملاك الشركة الجدد. وفتح سقوطه “كمحفظة” الأسد الباب أمام آخرين لديهم الطموح نفسه. ومن بينهم سامر فوز الذي أثرى أثناء الحرب وبنى مملكة عقارية منها فندق فور سيزونز في دمشق، الذي كان تقيم فيه بعثات الامم المتحدة. وورث فوز شركته القابضة من والده، وهي شركة ذات مجالات متعددة، دوائية وشركة تلفزيونية. ويملك بيوتا في دبي واللاذقية. وهو سوري يحمل الجنسية التركية وسانت كيتس أند نيفيس. واستطاع بناء ثروته حسب سوريين عارفين من خلال شبكة علاقاته وتقربه من الأسد أثناء الحرب. وسافر بطائرته الخاصة إلى الخليج للحصول على دعم للأسد من المانحين، حسب سوريين على معرفة بنشاطاته.

وتقول الصحيفة إن فوز استخدم النظام المالي في الملاجئ الضريبية لإنشاء شركات وهمية وامتلاك يخت وطائرة وأرصدة أخرى. وغير اسم واحدة من “فوز القابضة” إلبى “سكي كابيتال ليمتد” حتى لا يلفت الإنتباه على ما يبدو. لكن مصالحه التجارية جعلته محلا لاهتمام الخزانة الأمريكية التي استهدفته. وعندما أفل نجمه حل محله يسار إبراهيم، 38 عاما الذي لم يكن معروفا تقريبا قبل الحرب.

وبدأ عملية هز للشركات الكبرى في سوريا من مكتب في المجمع الرئاسي، حسب مدراء سوريين وخبراء.  وهناك تضارب حول طريقة صعوده.

ويقول خبير في الإقتصاد السوري إن والده كان مستشارا لحافظ الأسد، وهو من الطائفة العلوية. وقال “هو علوي وهم موالون لبشار وليس لأسماء. لكن آخرين يعتقدون أن أسماء هي راعية إبراهيم الرئيسية نظرا لعلاقتها مع شقيقتيه. ويقول جويل ريبيرن، الذي كان مبعوثا الخارجية الأمريكية الخاص إلى سوريا “حصل على ثقة أسماء من خلال هذه الصلة”. و “شيئا فشيئا حصل على وظيفة رجل المال”. ومهما كان الأمر، فهو يدير عددا من شركات النفط والطعام والبناء وغير ذلك. والأهم من هذا، وهو أن إبراهيم صار المحتكر لسوق الهواتف النقالة في سوريا.