وادعاً يدخل فرح سيّده

تشبه مقاطع درب الآلام الى الجلجلة. فما أن أُعطي مجد لبنان حتى دخل لبنان مرة كبرى في صراع البقاء. ومن بكركي المطلة على بيروت، رأى الحروب تنبع في المستنقعات وتتسع. ورأى البلد يُهان، والشعب يُهان، والدولة تُستباح وتُهزّ. وادرك أن المتقاتلين والمفترسين والمتناطحين على الكراسي، لن يتوقفوا عند شيء.

هو، مهمته ورسالته، أن يكون مع لبنان. كان رفيق الحريري يقول أن ما من أحد اكبر من بلده. كلام “غير دقيق، وغير صحيح”. تعطى الدول أحياناً رجالاً أكبر من مراحلهم، وأقوى من ظروفها، وأصلب. لا تحدث هذه الظواهر كثيراً في التاريخ، ولذلك، تنتهي الكثير من المحن والامتحانات بانتهاء الرجال معها. وأما حين يكون الرجل أكبر من وطنه، فيمر الامتحان وتستشري المحنة ويضعف الرجال وتهزل القيم، فيما الرجل في مكانه وفي مكانته. جبار لا يخيفه شيء ولا يغريه شيء ولا يهزمه أحد.

قال ذات مرة، الموارنة للبنان، وليس لبنان للموارنة. وكان سلفه انطون عريضة قد قال، لم يكن لبنان مرة افرنجياً لكي يعود عربياً. ومن خزائن بكركي أو من شرفاتها، تعلّم نصرالله صفير وعلّم، أن حياتنا هي في امتداد دولي حضاري لا جدال فيه، وفي عضوية عربية لا خلل فيها، ولا غبار عليها، ولا بدائل منها.

اختلف العرب أم تصالحوا، تخلفوا أم تقدموا، أساؤوا أم أحسنوا، لا هوية بديلة من العروبة. لقد بني الاستقلال على فكرة الحرية التامة في الانتماء، لا في الانكار، وعلى الميثاق، لا على المخادعة. وكان منح الصلح يقول إن الإمام محمد عبده الذي نفي الى لبنان، عاد الى مصر ومعه نموذج الميثاقية في العلاقة بين الطوائف تحت مظلة وطنية وقومية واحدة.

لا يمكن بكركي أن تبتعد عن دورها السياسي. ليس بمعنى أنها حزب، أو فريق، أو طائفة، بل بصفتها اؤتمنت على فكرة لبنان. لبنان الكبير، صيغة دبرتها فرنسا، لكن لبنان المستقل، صيغة اختارها اللبنانيون. ولا يزالون يختلفون عليها، لكن ليس ضدها. المواثيق الكبرى في حاجة الى نفوس عليا. كلما كثرت الصغائر، تعالى أصحابها وصمدوا. نصرالله صفير كان هرقل الكرامة الوطنية. أرسل أصحاب السياسة الى بكركي بعض العاهرات لكي يوجهن الإهانة إليه، فبقيت بكركي نصر الله صفير على نقائها، وبقيت السياسة الفاجرة على فجورها.

فيما تقلب السياسيون في تقلبهم، ظل البطريرك صفير مثبتاً بالمسامير على صليبه. وهو لا يشبه الصلبان التي يتاجر بها اللبنانيون، أو يتساخفون، كما فعلوا في تظاهرات المنصورية، حيث تساوى بطش الدولة مع تسخيف الحق، وحوَّل الصليب لافتة أخرى في بلد انحنى ظهره تحت تفاهة الشعارات وعروض البضائع، منتهية الصلاحية، جوفاء غليظة ومكررة.

يمر رجال في لبنان لا يكونون كثراً، لكنهم يكونون لبنان: مفكرين مدنيين قيّمين مثل ميشال شيحا، وعسكريين نزهاء النزاهة الكلية، مثل فؤاد شهاب، واكليريكيين مثل نصرالله صفير، وأئمة مثل موسى الصدر، وسياسيين طوباويين سماحيين كبار النفس والقلب والعقل، مثل سليم الحص. الفرد العظيم شعب عظيم. هؤلاء كانت لهم طريقتهم، ورؤية واحدة للحياة في بلد صغير، موجباته أكبر من طاقته. لم يحاول أحد منهم ان يأخذ لبنان الى حاكورته. الاحتكار طغيان تطلبه النفوس المعتلة. وأي توافق لا تسنده الحرية والعقل وسعة الصدر، يصبح طريدة تسقط بأول طلقة. هذا السرب من الرؤيويين اراد لبنان حراً وشريكاً معاً. ميشال شيحا كان أول من رأى مدى المأساة الفلسطينية، واول وأهم من تكهن بما سيحدث لها وللعرب وللعالم، لكنه لم يكن ليكتب كلمة واحدة في مفصل تدميري وتحقيري كالصك الذي سمي اتفاق القاهرة، والذي كان شرطه الأول أن يوقعه البرلمان، من غير أن يقرأه.

ادى نصرالله صفير الدور الذي على بكركي ان تكونه، وأن تؤدّيه. وخلاصته أن يصمد الأيمان بلبنان عندما تتزعزع وتضعف نفوس السياسيين. لم يضعف أمام أحد، بمن فيهم يوحنا بولس، رئيسه وحبره الاعظم: ثمة ما هو أغلى من الكنيسة عند الله: الوطن. وأحياناً، يكون الخيار الأكثر كرامة، تقديم الأرض على السماء.

من دون نزاهة لا يكون احترام. ولد ميشال شيحا في عائلة مصرفية يوم كان لبنان فقراً وقفراً ومجاعات. وعاش صاحب مصرف. وظل من أكثر الناس خلقاً ونزاهة. وارتباطاً بمصالح الذين لا يملكون. ومن دون ذلك، لما كان أي معنى لعبقريته الفكرية. ولو تعاطى فؤاد شهاب المال، أو قبل هدية واحدة، لما كان نموذجاً. الكاردينال نصرالله صفير، كان الصورة المطلقة. فالنزاهة، مثل العذرية، وما عدا ذلك، نسبية واستنسابات. ومزاعم سياسية خاوية وذات غلظة.

القاسم المشترك الآخر بين السادة المذكورين في لائحة الشرف والنبل هذه، أنهم عملوا كالنسّاك لوطن، لا لورثة. مجموعة ضمائر نادرة وعقول وثقافات وآفاق. جميعهم كانوا يدركون، في عمق وفي أسف، مدى ضعف اللبنانيين وهشاشة الشعوب الصغيرة ورخاوة الاخلاق، لكنهم قرروا أنهم سوف يكونون أكبر من بلدهم. كان ميشال شيحا في مستوى فرنسوا مورياك، وقد تصرف وفكّر وكتب، كأنه مثله يكتب لفرنسا، وليس للدولة الضعيفة المنتدبة سابقاً. فما ومن انت، إذا كنت سوف تحاذي العاديين وتتنازل لعاديتهم وتسابقهم في سوق الشهوات؟ يجب ان تظل بعيداً لأن المثل السوقي يقول: من نزل السوق باع واشترى. والاوطان ليست سوقاً. وهي مهما كانت مهلهلة هشة، يمكن ان تحولها الى قلعة، كما فعل فؤاد شهاب يوم التقى عبد الناصر في عز مجده، في خيمة على الحدود. الأول كان يملك نظافته وصلابته، الثاني كان يملك الجماهير العربية، ومنها جماهير لبنان التي تزحف كل اسبوع الى دمشق طالبة الوحدة في سبيل ان تكون إلى جانب عبد الناصر. قال لهم عبد الناصر، ابقوا مع فؤاد شهاب. الشجعان يبعثون على الطمأنينة للجميع.

أثبت نصرلله صفير في مسيرة المائة عام، أن اللبناني ممكن، مهما كان لبنان مستحيلاً. لم يهمه لحظة، من يؤيده ومن يعارضه. هو، مثل فؤاد شهاب، كان يقرأ في الكتاب. وكتابه لبنان بما هو حلم لا بما هو غابة. بما هو حياة للجميع لا بما هو كذبة التعايش وتركيب الجمل التبنيّة اللزجة. إتّبع المسيح 12 تلميذاً، كلهم من الجليل الا الاسخريوطي، فكان من اسخريوط. واحد انكره. وواحد باعه. وواحد شكك فيه. لكن هو تصرف على انه المسيح. الباقون اختار كل منهم ضعفه: بطرس الخوف، وتوما الشك، والاسخريوطي اسخريوط.

مقلداً سيده، وفي دعته وتواضعه، لم يتلفت صفير يمنة أو يسرة، على الدرب المستقيم. استمع الى الجميع ولم يصغ الا الى ضميره. لم يبهره شيء ولا حاول أن يبهر أحداً. خوري من كسروان، بالعامية و “الكِل”، ولغوي من قريش بفصاحة العرب. آداب عربية وثقافة فرنسية، مثل معظم الآباء الذين لا يرتوون من انتهال العلم بجميع ينابيعه وجداوله.

كان مفخرة لبنان والموارنة والاكليروس، مار نصرالله صفير. عاش متواضعاً مثل خراف المسيح، وصُلب مثل بولس، حامل رسالته. وآمن ان الإنسان حياة لإنسان. وأن افضل مثال على ذلك يجب ان يقوم ويدوم في بلد صغير، منبسط على ساحل الرجاء، يقاوم صروف الدهر ونوازع اليأس وصغائر النيات الرثة أو الرخيصة.

يحزنني الآن أنني لم اسعَ الى التعرف الى أمير البساطة. التقيته مرة واحدة الى مائدة ادمون رزق في جزين يوم هو في الثانية والتسعين. كان مثل الاطفال، يشع بفرح نفسه، ومثل هرقل، صلباً بقوة ذاته. ولولا شريطة حمراء على صدره، لبدا في وداعته مثل خوري في قرية، لا يجتمع الناس إليه إلا صبيحة الأحد، ومنتصف ليل الميلاد.

باسم، ونقي، وأكبر من بلده. وكان المصري الكبير أحمد كمال أبو المجد يقول إن الجنة لا تفتح أبوابها للعابسين والمكفهرين. لا تدخلها إلا النفس الرضيّة، ولا تدخل التاريخ إلا النفس الأبيّة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*