الرئيسية / home slide / …واحترق لبنان في جحيم جمهورية “الأقوياء”

…واحترق لبنان في جحيم جمهورية “الأقوياء”

24-10-2020 | 00:00 المصدر: النهار

سميح صعب

الطائفية هو الجحيم

هذا نظام مستعصٍ على الإصلاح، استعصاؤه على التغيير، يبقى يدور في دوامة الانهيارات واستيلاد الانقسامات والحروب بين طوائفه. المتفائل بإصلاح في لبنان ليس من هذا العالم، بل مملكته في مكان قصي لم يشهد التجارب ولم يعش المرارات.    لبنان، شعوبه لا تولّد إلا الأقوياء في طوائفهم وعلى طوائف غيرهم. والزعيم المسيحي كي يكون قوياً يجب أن يهاجم الزعيم المسلم. والزعيم المسلم كي يكون قوياً يجب أن يهاجم الزعيم المسيحي. إنها جمهورية من الأقوياء بعضهم على بعض. هكذا صاغهم نظام عمره مئة عام، فأي إصلاح يرتجى والحال هذه، ومن يتأتى للأقوياء أن يتفقوا ويتفاهموا على الإنقاذ.    الأزمة ليس عمرها سنة. مخطىء من يذهب في هذا الاعتقاد. لكن منذ سنة هناك مبارزة تخوضها الطوائف في عرقلة بعضها البعض ونصب المكامن والأفخاخ. ورهان متبادل على الإفشال والتفشيل والنكايات وغيرها من الممارسات التي يتيحها النظام الطائفي المحصن بزعمائه. فكان تناسل الأزمات التي تركت الناس تلهث وراء أبجديات الحياة من خبز ودواء ومحروقات وسائر متطلبات الحفاظ على الحد الأدنى من العيش اللائق.    تلك سيرة الأمراء الأقوياء في طوائفهم. وليست سيرة الشعب الذي لا يعرف كيف يثور لأنه أدمن اليأس. والثورات لا تولد إلا من ناس لا يزالون يحسون بأن على هذه الأرض ثمة ما يستحق الحياة على قول محمود درويش. أما الشعب في لبنان فخدّره أمراء الطوائف إلى حد الشلل. وما جرى منذ عام لا يندرج في تصنيف الثورات، لأننا لم نرَ عروشاً تسقط أو تزاح،  بل لم يكن في الامكان عزل مدير عام بقوة انفجار كاد يلامس النووي. في بلد آخر، كان سقط النظام بكامله. عندنا سقط الشعب.      لماذا؟ لأن النظام الطائفي يحصن أمراءه ضد الثورات وضد التغيير، ويصبحون في مأمن من المحاسبة والمساءلة، فلا يكترثون بما يمكن أن تجره أفعالهم من سوء العاقبة عليهم. فهم ينتمون إلى جمهورية “الأقوياء”. وهم يُحاسِبون ولا يُحاسَبون. هذا مبدأ عمره مئة عام.  عندما نتفهم ذلك، تزول الأسباب التي تدعو إلى الاستغراب أو استهوال أن لا يجبر حجم الأخطار الوجودية، أياً من أمراء الطوائف وزعمائها على التنازل عن مطمح شخصي أو عن حصة من هنا أو مكسب من هناك، من أجل أن يبقى شعب يقودونه أو يتسيدون عليه.    إن مرض الطائفية هو الجحيم بعينه ولا شيء يضاهيه. وما من حاجة لإقامة الحجة أو الدليل على ذلك أكثر مما لحق بالناس من نكبات متتالية، اتخذت أشكال الحروب الساخنة والحروب الباردة. الكل يقاتل لحماية طائفته وما من أحد يعير كبير اكتراث إلى أين يمكن أن يقود هذا الخطاب المسترسل في جر خطاب مضاد من الطرف الاخر.   فكيف والحال هكذا يستقيم إصلاح في جمهورية “الأقوياء”؟ samih.saab@annahar.com.lb