الرئيسية / مقالات / هيك بيحرز “مرقد العنزة”!

هيك بيحرز “مرقد العنزة”!

جمانة سلّوم حدّاد
النهار
19022018

اتخذتُ لنفسي إقامة موقتة في المنطقة المحيطة بالحيّز التاريخي لجامعة القديس يوسف في شارع هوفلان، الأشرفية، لأكون على تماس مباشر مع الإيقاع الشبابي والطالبي، بأسئلته وهواجسه ومكوّنات رفضه لما يعتري حياتنا السياسية والوطنية من عارٍ وخزي وانحطاط. بطبيعة الحال، وجدتُني في قلب “مملكة” تراثية شبه منقرضة، بعدما اكتسحتْ ناطحات السحاب والمجمّعات الضخمة الأماكنَ المتصلة بنسيج السكن والعلاقات المجتمعية في أحياء بيروتية أصيلة، وفي شوارع وأزقة تظلّلها بيوتٌ مشيّدة وفق التصوّر العمراني للفترة من عشرينات القرن الماضي إلى خمسيناته.

في وجدان هذا الوسط الشبابي الزاخر بالديناميكة والتمرد والنقد والرفض، أقيم أعمق العلاقات الحوارية، حيث تنفتح معي أسئلة النقاش، حرَةً من كلّ قيد وترهيب، فأكتشف هول الشرخ القائم بين الطبقة الحاكمة وهؤلاء الشابّات والشبّان الطامحين إلى تكوين حياة كريمة تحت سقف الجمهورية المصادَرة والمسروقة والمنتهَكة. هؤلاء الصبايا والشبّان، يعشقون بلادهم وأرضهم، ويريدون أن يبقوا فيها، لكنهم لا يعثرون على “مرقد عنزة” في هذا اللبنان الذي تنشّأ عليه أهلهم! يسألونني كيف تريدين منا أن نبقى ونحن لا نستطيع أن نجني لقمة خبز شريفة، أو نعثر على وظيفة، أو… سقف يؤوينا ونصنع في حناياه حياتنا الجديدة؟

لا بدّ من أن أكاشف الرأي العام، الناخبات والناخبين خصوصاً، بهذه القضية الكبرى، التي لم يُعِرها نوّابهم وحكّامهم أيّ اهتمامٍ طوال الفترة الممتدة منذ انتهاء الحرب حتى اليوم. ولا بدّ من أن أوجّه الأصابع إلى المتهمين المفترضين بهذه الجريمة الوطنية النكراء.

يعزّيني وأنا أجول في المرفأ والصيفي والرميل والأشرفية، أن أعثر على بيوت ناجية من براثن أهل الاستثمار العشوائي، وحيتان المال، الذين هدموا متاحف حقيقية مزروعة في الأزقة والشوارع البيروتية الحميمة. هذه البيوت الناجية هي من مسؤولية وزارة الثقافة، بل من مسؤولية الطبقة الحاكمة برمّتها، وخصوصاً هؤلاء، “نوّاب الأمة”، الذين أمعنت غالبيتهم في السكوت على منهج الدمار العمراني التراثي الأصيل، و”سهّلوا”، ثمّ صفّقوا للبشاعة الإسكانية التي باتت علامةً مهينة وفارقة في الحياة البيروتية.

أعرف ما يعتري الأهل من أصحاب تلك البيوت التراثية، وما يواجهونه من مشقّات اقتصادية، الأمر الذي يحتّم على المسؤولين لا الاكتفاء بمنع الهدم، بل إيجاد الحلول والتسهيلات والتعويضات الملائمة، لكي يتمكن الملاّك من هؤلاء من البقاء في بيوتهم وعلى تماسّ مع ذكرياتهم الخلاّقة.

لن أتردّد في اعتبار مصير البيوت التراثية وتمكين الجيل الشاب من البقاء في أرضه، من المسائل الجوهرية في عملي السياسي.

هيك بيصير يحرز “مرقد العنزة” بلبنان!

Joumana.haddad@annahar.com.lb / Twitter: @jhaddadofficial

اضف رد