هيكلة تجويع الأرامل؟

راجح الخوري
النهار
15012019

بين هيكلة و
كنا نتتظر من الإجتماع المالي الذي عقد في القصر الجمهوري بعد ظهر الأحد، على خلفية الذعر الشديد الذي أثارته التصريحات المخيفة، عن خطة تعدّها سراً وزارة المال وهدفها إعادة هيكلة الدين العام، ثم التوضيحات المرعبة عن ان الوزارة تتعاون مع مصرف لبنان والمصارف للقيام بإعادة جدولة هذا الدين، كنا ننتظر كلاماً جازماً وبرنامجاً زمنياً محدداً، عن وقف الإهدار ومحاربة السرقة والإنهاء الحازم للتهرب الضريبي سواء في المرفأ أو المطار أو دوائر الدولة، وعن وقف التهريب وجباية ديون الدولة السائبة ووضع حدٍ للسرقات المتوحشة للمال العام وفتح أبواب السجون للفاسدين! ولكننا بعد الذعر من الحديث عن إعادة هيكلة أو جدولة الدين العام، الذي رغم النفي يبقى في غياب الإصلاح الجاد والمسؤول موعداً حتمياً لا مفرّ منه سنصل اليه، لم نسمع غير الكلام الذي يتكرر دائماً، اي تنفيذ الإصلاحات وما إلتزمته الدولة في “مؤتمر سيدر”، وضبط الإنفاق وخفض العجز وتأمين التوازن المالي؟ ولكن كيف، ومتى، وعلى يد أي حكومة أو مسؤول؟

الله أعلم، فليس لدينا سوى بعض من المسؤولين يتبارون في أمرين: الحديث عن محاربة الفساد ووقف العجز، والمضي في الفساد ومفاقمة العجز، ولم يكن الرئيس حسين الحسيني مغالياً عندما قال في ٣٠ كانون الماضي: “إننا لسنا في دولة بل هناك مجموعة عصابات تتناحر على أموال الدولة”، لكن المسؤولين في الدولة لم يلتفتوا أو يفتحوا تحقيقاً في الأمر، كما قصروا يوم كتبت مجلة “لو نوفيل أوبسرفاتور”: ان السياسيين اللبنانيين سرقوا أكثر من ٣٠٠ مليار دولار وهربوها الى ودائعهم في الخارج!

الأرقام التي نشرت تسبب السكتات القلبية لكثيرين من المودعين الصغار في المصارف لو طبقت المالية خطة هيكلة إعادة الدين العام، والواقع أنه لو لم يكن هناك تفكير ضمني سريّ في هذه الهيكلة لم يكن ليجري الحديث ثم التراجع عنه الى ما هو أسوأ، لكأن البنك المركزي والمصارف مؤسسات “هاراكيري”!

لنتصور أرملة تعيّش من فائدة وديعة صغيرة وضعها زوجها أو ولدها بقيمة ١٠٠ ألف دولار، فتذهب غداً الى المصرف ليقال لها إن وديعة المئة ألف صارت ٣٥ ألفاً لأن الدولة أخذت منك ٦٥ ألفاً، وفقاً لما يسمى “قص الشعر” والأصدق قصّ العمر أو قصف العمر، أو لنتصور ان البنك قال لها إنه عاجز حتى عن تقديم ١٠٠ دولار لها، لأن أموال المودعين عنده اقرضها للدولة التي قررت ألا تدفعها، فماذا سيحصل يا طويل العمر؟

هناك مبالغة في قرع طبول الإتهامات للمصارف، والمشكلة في مكان آخر تحديداً في الدولة الفالتة، دولة السرّاقين التي سمّاها الحسيني عصابات تتناحر على أموال الدولة، وهناك مبالغة في إستفحال الفساد. ففي بلد مديون بأكثر من ٨٥ مليار دولار ليس من متهم واحد في السجن، كلهم ملائكة ومن عرق جبينهم، في المقابل هناك صراخ من الناس الذين تفرّق الطائفية والمذهبية صفوفهم، ليبقوا دائماً ضحايا عصابات الفساد.

لم نكن نحتاج من إجتماع بعبدا الى توضيحات لا تطمئن ولا تطعم خبزاً، كنا ننتظر ان يتذكّر الذين إجتمعوا مثلاً ان مهاتير محمد إبن الـ٩٢ عاماً، جاء الى السلطة في ماليزيا في ١٠ أيار من العام الماضي، وفي أقل من عشرة أيام أعاد من السياسيين ٥٠ ملياراً من الدولارات المنهوبة الى الخارج، وقت تفيد تقديرات المراجع المالية أن بعض السياسيين اللبنانيين، نهبوا أكثر من ٣٢٠ ملياراً من الدولارت، ثم تأتي الدولة لتفكْر، مجرد تفكير، في هيكلة ديونها على حساب فلوس الكادحين والأرامل في المصارف!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*