الرئيسية / home slide / هنري زغيب: سترجع بيروت لؤلؤة المتوسط ودرّة الشرق

هنري زغيب: سترجع بيروت لؤلؤة المتوسط ودرّة الشرق

ناديا الياس
القدس العربي
12092021

غاضب بشدة على معظم ما صدر من إنتاج فني بعد انفجار المرفأ

بيروت ـ «القدس العربي»: نذر قلمه وكلمته من أجل الرسالة الأدبية والثقافية والفنية والوطنية، وارتبط اسمه مع الكبار أمثال جبران خليل جبران والأخوين الرحباني والسيدة فيروز والياس ابو شبكة وسعيد عقل وسواهم، إنه الشاعر المبدع هنري زغيب الذي لا يتوانى عن وضع النقاط على الحروف في كل عمل وطني أم ثقافي أم أدبي. معه أجرينا في «القدس العربي» جولة أفق في الأعمال الثقافية والفنية بعد انفجار مرفأ بيروت وفي ظل الأزمات المتفاقمة واطلعنا منه على جديد مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية الذي هو بإدارته، وجاء الحوار على النحو التالي:
○ في ظل ما نشهده من تدهور دراماتيكي للأوضاع العامة في لبنان هل تنسحب هذه الأوضاع على الحركة الثقافية في لبنان؟
• لا شك بأن ما نمر به اليوم ينسحب حكمأً على الوضع الثقافي والفني في لبنان، ذلك أن الكوارث الإنسانية والمادية والاقتصادية تدخل في صميم الحياة اليومية للمثقفين كما سواهم وتالياً ينصرف المثقفون إلى تأمين معيشتهم اليومية، خصوصاً بعد الضائقة التي تحاصرهم في معيشتهم وفي أسرتهم ومدرسة أولادهم وفي تأمين مستلزماتهم البيتية، ما يصرفهم تلقائياً عن العمل الإبداعي الذي كانوا عليه قبل هذه الضائقة الحالية. أما الذي يصدر بين الحين والآخر من نصوص أو مقالات أو مؤلفات فهي في معظمها انفعالية آنية لا تترك مجالاً للتبصّر والتفكير في ما يجري وبالتالي لا يمكن اعتبارها آثاراً تبقى شاهدة على ما يجري.
○ كيف تصف الأعمال الفنية والإصدارات الغنائية في هذه الفترة، وهل برأيكم تحترم وتقدّر قيمة الكلمة واللحن والفكر والأدب؟
• هذا الأمر أزعجني كثيراً خصوصاً بعد انفجار المرفأ حين رحت أتابع أعمالاً غنائية نوّاحة بكّاءة جنائزية، كأن بيروت اختفت أو انهارت أو تدمّرت أو اغتيلت فيما هي لم ينكسر منها إلا بضعة أضلع ولم ينخسف صدرها ولم يتوقف قلبها ولم تسقط في الاندثار. إن واجهة بيروت التي تهدّمت لا تختزل بيروت الوجه الجميل والعروس المتألقة، من هنا غضبي الشديد على ما صدر من معظم الإنتاج الفني بعد انفجار المرفأ. إن بيروت أقوى من أن تسقط برغم كل ما حدث فيها، وبيروت لا يمكن اختصارها بالنفايات في الشوارع بسبب تقصير الدولة، ولا بما يصيب أهلها من مآس ٍبسبب غباء السلطة فيها. إنها مرحلة قاسية لكنها ستعبر وسترجع بيروت لؤلؤة المتوسط ودرّة الشرق وجميع الأعمال التي صدرت بالبكاء والنواح ستسقط في النسيان هي وأصحابها.
○ هل من عمل تحضره بشأن انفجار مرفأ بيروت؟
• في الذكرى الأولى لانفجار المرفأ، وأنا رئيس تحرير مجلة «مرايا التراث» التي تصدر عن مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية أصدرت عدداً خاصاً من المجلة عن انفجار المرفأ وفيه ملف خاص عن الانفجار عالج تأثير الانفجار على الوسط الثقافي من خلال دراستين وضعهما اختصاصيان في ترميم المنطقة المتضررة من واجهة بيروت، إضافة إلى مجموعة لوحات مائيّة وزيتية حول الانفجار حتى أكون شاركت في هذه الكارثة الكبرى من دون أن أكون نوّاحاً بكّاء كمعظم الذين كتبوا عن هذه الكارثة أو غنّوها.
○ دعوتم في إحدى مقالاتكم الصحافية بأن نبني لبنان اللبناني، فأي لبنان تريد، وإلى أي مدى نحن غرباء عن هذا اللبنان الوطني والحضاري والفني والثقافي؟
• حين أدعو في نصوصي إلى اعتناق لبنان اللبناني لا أكون شوفينياً في دعوتي، بل أدعو إلى اعتناق هوية واحدة للبنان لا معزولاً عن محيطه فهو ليس جزيرة نائية بل هو متصّل بمحيطه إنما محافظ على وجهه وهويته المحلية، يمدّ يده إلى دول المحيط والجوار ويخرج إلى العالم متعاوناً ساطع الحضور وهذه هي هويته اللبنانية التي ترفض ميول السياسيين فيه إلى استعارة هويّة أخرى له من خارجه أو من محيطه لانه، منذ أول التاريخ، يحمل اسمه لبنان ولم يتغيّر اسمه على مدى التاريخ .
○ لو قدّر لجبران خليل جبران أن يكون حاضراً في أيامنا هذه، هو الذي دافع عن الإنسان والمهمّشين والمظلومين، ماذا كان قد فعل برأيك وماذا كتب من مقالات؟
• في هذا الزمن الصعب يحضرني جبران في مقولتين له شهيرتين. الأولى «لكم لبنانكم ولي لبناني» والأخرى «لو لم يكن لبنان وطني لاتخذت لبنان وطني». هذا يدّل على أن جبران حين قال مقولته الأولى كان يستقيل من لبنان الدولة ولم يكن يستقيل من لبنان الوطن، ذلك أنه مؤمن بأن دولة لبنان تتقلّص وتتزايد، تنتمي أو تستقّل، تتغيّر سياسته بتغير العهود، أما لبنان الوطن فهو ذاته بكلّ العصور والعهود وهذا هو لبنان جبران الذي يرفض لبنان السياسيين المثعلبين الدجّالين المتزلّفين إلى أسيادهم في الداخل والخارج. وفي المقولة الثانية يعلن انتماءه إلى لبنان الوطن وتعلّقه به، ذلك أن جبران غادر لبنان يوماً لكنّ لبنان لم يغادره ولا أيّ يوم بل بقي في نبضه وذاكرته وعينيه وعلى أهداب ريشته وقلمه في كلّ ما كتب ورسم، وعندما كتب وصيّته في آذار/مارس 1930 أوصى بموجودات محترفه إلى بلدته بشري وأوصى كذلك أن يدفن في أرض بشري تحت ظلال الأرز، وهذا يؤكد انتماءه إلى لبنان وتعلقه بلبنان وايمانه بلبنان اللبناني مع أنه عاش في زمن كان فيه لبنان عثمانيّاً وكان معظم اللبنانيين في الولايات المتحدة يسموّن سوريين، ومع ذلك عندما شهر ايمانه قال : «لاتخذت لبنان وطني».
○ ماذا عن نشاطات مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية بعد صدور كتابكم «هذا الرجل من لبنان» في الذكرى التسعين لرحيل جبران خليل جبران؟
• كتابي «هذا الرجل من لبنان» هو حصيلة أربع سنوات من الأبحاث والتحقيقات في سيرة جبران ومسيرته، بدءاً من صياغة عربية كتاب بربرة يونغ «هذا الرجل من لبنان» وفيه إطلالة جديدة على جبران بقلم هذه الشاعرة التي عايشته يوميّاً وعاشت معه في محترفه آخر ست سنوات من حياته. من هنا الجديد الذي يكشفه الكتاب حول شخصية جبران في حالات الرسم والكتابة والمزاج والطبع وتصرفاته مع الآخرين وكان ذلك القسم الأول من كتابي. أما القسم الثاني من الكتاب فمجموع مقالات وتحقيقات عن جبران بعد وفاته بأقلام عارفيه وأصدقائه خصوصاً من رفاقه في «الرابطة القلمية» مع معلومات جديدة حول مأتم جبران في مختلف مراحله من نيويورك حيث توفي إلى بوسطن حيث دفن مؤقتاً إلى رود آيلاند حيث انتقل برّاً ليبحر إلى بيروت في المرحلة الأخيرة وما حدث في بيروت من مأتمٍ رسمي حضره رئيس الجمهورية شارل دبّاس وأركان الحكومة، فإلى الاحتفال التأبيني الذي جرى في التياترو الكبير قبالة كاتدرائية ماجرجس حيث كان الجناز وأخيراً انتقال الجثمان إلى بشري مع وصف دقيق للاحتفالين اللذين أقيما في بلدته الأم بشري. ومن الجديد في هذا القسم الثاني معلومات كشفتها للمرة الأولى بأن جبران لم يطلب الجنسية الأمريكية بل اكتفى ببطاقة الاقامة الدائمة، ولم يدخل إلى أمريكا باسم جبران خليل جبران بل باسم جبران رحمه على اسم أمه كاملة رحمة. وفي الكتاب قسم ثالث أخير يضمّ مجموعة صور ووثائق تصدر في كتابي للمرة الأولى. وهذا الكتاب أصدرته ضمن منشورات المركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأمريكية «LAU».
أما نشاطي الآخر بعد هذا الكتاب فهو سلسلة ندوات إلكترونية أنشأتها بسبب تعذّر المحاضرات الحضورية وقد بلغت حتى اليوم عشرين ندوة بين آخر ما فيها ندوات عن مصطفى فروخ والأخوين رحباني وفؤاد سليمان وميخائيل نعيمة ومارون عبود والأخوة بصبوص في راشانا.

ناديا الياس