الرئيسية / home slide / هند رستم… كيف أغرت من دون أن تبتذل؟

هند رستم… كيف أغرت من دون أن تبتذل؟


2022/08/07
أشرف غريب

هند رستم

مع فاتن حمامة في لا أناممع فاتن حمامة في لا أنام

الخروج من الجنةالخروج من الجنة

هند رستمهند رستم

     لا تظن أنها بدأت نجمة. لقد جاءت من بين المجاميع لتصبح “مارلين مونرو الشرق” كما كانوا يلقبونها، وبين السفح والقمة مشوار طويل مليء بالتعرجات والانحناءات.. فحينما قبلت السينما المصرية سنة 1955 أن تضع اسم هند رستم لأول مرة في صدارة أفيش أحد أفلامها، كانت ابنة الإسكندرية قد قطعت تسع سنوات كاملة من عمرها الفنّي، من دون أن يعترف بها صناع السينما كبطلة أولى، بل احتاجت قبل ذلك اليوم الفارق في مشوارها الفني والذي عرض فيه فيلم “بنات الليل”، أول بطولاتها المطلقة إلى ثلاثة وعشرين فيلما آخر، تقلبت فيها بين ادوار الكومبارس والأدوار الثانوية فالمساعدة، قبل أن تحقق هذا الحلم الذي راودها منذ مغامرتها السينمائية الأولى في فيلم “أزهار وأشواك” على يد المخرجين محمد عبد الجواد وسيف الدين شوكت.

      بدأت هند رستم مشوارها السينمائي سنة 1946 بالتزامن مع بدايات كل من فاتن حمامة بعد أن تجاوزت مرحلة الطفولة فيلم “دنيا”(1946) وشادية في فيلم “العقل في أجازة” (1947) وقبل سنوات من بدايات كل من ماجدة في “فلفل”(1949) ومريم فخر الدين في “ليلة غرام”(1951) ومع ذلك، كل هؤلاء سبقنها إلى أدوار البطولة حتى وإن لم يبدأن بالأدوار الأولى مباشرة، فما الذي أصاب بدايات هند بكل هذا التعثر وجعلها تنتظر تلك السنوات التسع وهذه الأفلام الثلاثة والعشرين؟

      الواضح أن ملامح هند المتأثرة بأصولها التركية، كان لها أثرها الملموس فى عدم حماس صناع السينما لها، في ظل سطوة صاحبات البشرة السمراء والملامح المصرية الخالصة مثل مديحه يسري وفاتن حمامة وماجدة ومعهن شادية أيضاً، فضلا عن زيادة الطلب على الفيلم الغنائي في ذلك الوقت والذي كانت فارساته البارزات ليلى مراد وصباح ونور الهدى، وجميعهن سبقن “هند” في الظهور على الشاشة، وهذا يفسر لماذا رحبت السينما بشادية أكثر من غيرها في البدايات، أما وإن هند رستم لم تكن تملك لا الملامح المصرية الخالصة التي تلائم الفتاة البائسة والمنكسرة بطلة المليودرامات الزاعقة المسيطرة على المزاج العام قبل ثورة تموز يوليو 1952، ولا جمال الصوت الذي يؤهلها لبطولة الأفلام الغنائية التي يطلبها الموزع الخارجي، فإنه كان من الطبيعي أن تتعثر بداياتها وأن تحتاج كل هذا الوقت والجهد حتى تصل إلى ما وصلت إليه لاحقا.

      غير أن الأهم من هذا وذاك أنها لم تجد العين التي تستطيع أن تكشف عن طاقاتها واليد التي يمكنها أن ترسم لها ملامح شخصيتها الفنية، وهذا ما فعله معها لاحقا المخرج حسن الإمام، بداية من فيلم “بنات الليل” الذي أنتجه وأخرجه لها خصيصا بعد أن كانت قد جذبته في مشهد عابر في فيلم “الملاك الظالم” الذي أخرجه سنة 1954 من بطولة فاتن حمامة.

      ويلفت الانتباه هنا أنّ حسن الإمام نفسه كان موجودا على الساحة السينمائية منذ أن أخرج أول أفلامه “ملائكة في جهنم”(1946) في العام نفسه الذي وقفت فيه هند رستم لأول مرة أمام كاميرا السينما، وأنه خلال هذه السنوات التسع التي سبقت إخراجه لفيلم “بنات الليل” كان قد اخرج تسعة عشر فيلما، بل والمدهش أن هند رستم كانت قد شاركت تحت إدارته في فيلمين من هذه الأفلام هما “حب في الظلام” و”قلوب الناس” بخلاف الفيلم الثالث “الملاك الظالم” الذي انتبه لوجودها من خلاله، فلماذا لم يلتفت إليها حسن الإمام مبكرا ويوفر عليها كل هذه السنوات التي سبقت مرحلة النجومية؟

      أولا: كان حسن الإمام طوال نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات مهموماً بإعادة اكتشاف ممثلة أخرى هي فاتن حمامة التي وجد فيها البطلة المناسبة للمآسي السينمائية أو أفلام الميلودراما التي استهوته طوال مشواره الفني حتى أنّه أخرج لفاتن قبل عام 1955 نحو عشرة أفلام من بينها الأفلام الثلاثة التي شاركت فيها هند رستم تحت إداراته، لكن الاهتمام بالطبع في هذه الأفلام كان للبطلة فاتن حمامة دون سواها، فإذا ما التفت مخرج الروائع لهند وقرّر أن يعيد اكتشافها من جديد توارى اهتمامه بفاتن لصالح نجمته الجديدة حتى إنه منذ عام 1955 وإلى رحيله عام 1988 لم يخرج لفاتن حمامة سوى فيلمين اثنين فقط هما “لن أبكي أبدا” و”المعجزة” عامي 1957 و 1962 بينما أخرج لهند في الفترة ذاتها أحد عشر فيلما من أهم الأفلام التي قدمتها على مدى مشوارها الفني.

      ثانيا: كما ذكرت سابقا فإن السنوات العشر التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية شهدت مداً ملحوظاً لتيار الميلودراما الذي كان أحد أقطابه حسن الإمام، وكان الإغراء في إطار هذا التيار السائد مقترنا بالغواية أو المرأة التي تفرق بين الحبيبين وتنزع الاستقرار عن بيت الزوجية الآمن، وهو النموذج الذي برعت فيه كل من الشقيقتين زوزو وميمي شكيب ولولا صدقي وزمردة وسميحة توفيق نجمات الإغراء آنذاك، وهو أيضا النموذج الذي أثبتت الأيام بعد ذلك أن هند رستم لم تكن تفضله، ومن ثم لم تجد لها مكانا داخل أفلام هذا التيار سواء كان مع حسن الإمام أو مع غيره من المخرجين.

     على أية حال فقد جاء فيلم “الملاك الظالم” العام 1954 لتحدث المصادفة القدرية وتلمع فى رأس مخرجه حسن الإمام فكرة إعادة صياغة الشخصية الفنية لتلك الفتاة التي شاهدها ترقص وتغني في هذا المشهد العابر، وبالفعل اخرج لها عام 1955 ثلاثة أفلام متتالية هي: “بنات الليل، الجسد، اعترافات زوجة”، لتتحول هند رستم بعدها من مجرد ممثلة ثانوية إلى بطلة أولى حتى أنها قدمت عامي 1957 و1958 وحدهما سبعة عشر فيلما من أصل أفلامها الستة والثمانين، فلماذا ازداد الطلب على هند رستم إلى هذا الحد منذ منتصف الخمسينيات؟

      أولا: مع التطورات الاجتماعية التى أحدثتها ثورة تموز/ يوليو 1952 وخاصة ما يتعلق بدور الفتاة المصرية في المجتمع أصبح المزاج السينمائي العام غير متحمس لسيطرة نموذج الفتاة المنكسرة بمفرده على أذواق جمهور السينما، وبات من الضروري وجود نموذج مقابل يمثل المرأة القوية الناضجة حتى لو كانت مغرية ومثيرة، ومن ثم زادت حظوظ كل من تحية كاريوكا وهدى سلطان وبرلنتي عبد الحميد ومعهن بالطبع هند رستم الآتية للتو من نجاحاتها مع حسن الإمام، وذلك قبل أن يظهر النموذج الثالث أو الحالة الوسط بين الفتاة المنكسرة التي مثلتها فاتن حمامة وقريناتها من جانب، والمرأة القوية والناضجة التى جسدتها هند رستم ورفيقاتها من جانب آخر، هذا النموذج الثالث الذي ظهر بظهور الثلاثي لبنى عبد العزيز، نادية لطفي وسعاد حسني قرب نهاية الخمسينيات، النموذج الذي أخذ من الفتاة البائسة براءتها ومن المرأة الناضجة قوة شخصيتها.

      ثانيا: لا يجب على الإطلاق إغفال الأثر النفسي الذى أوجدته الزعامة المتنامية للرئيس جمال عبد الناصر مع توالي سنوات الخمسينيات، وإحساس المواطن البسيط بالزهو حتى أصبح لزاماً أن تخلق السينما المصرية لها نموذجاً فنياً موازياً للفحولة السياسية التي كان يشعر بها المصريون زعيماً وشعباً، ولذلك تجد معظم أبطال الخمسينيات والستينيات من ذوي العضلات المفتولة والبنيان القوى أمثال فريد شوقي ورشدي أباظة وأحمد رمزي تقابلهن بطلات ذوات حضور اغرائي لافت وعلى رأسهن هند رستم وهدى سلطان وتحية كاريوكا وبرلنتي عبد الحميد.

      ثالثا: كانت ممثلات الإغراء التقليديات ميمي وزوزو شكيب ولولا صدقي وسميحة توفيق قد تجاوزن تقريبا السن، التي يمكن أن يتقبّل فيها المتلقي منهن دور المرأة المغرية، ومن ثم بقيت منهن زمردة الأصغر سنا لتنضم إلى الجيل الصاعد الذي قادته هند رستم، لكن الفارق بين هند وبقية ممثلات جيلها أنها كانت ملائمة لكل البيئات والأجواء سواء كانت شعبية كما في “باب الحديد” و”إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين” و”الحلوة عزيزة” أو ريفية كما في “صراع فى النيل” أو ارستقراطية ومتمدنة كما في “جريمة حب” و”لا أنام” و”اعترافات زوج”، بعكس هدى سلطان وبرلنتي عبد الحميد وتحية كاريوكا اللائي ناسبن الأجواء الشعبية، أو زمردة وشريفة ماهر اللتين مثلتا الطبقة الأرستقراطية، وهذا يفسر لماذا راجت أسهم هند رستم عن بقية ممثلات الإغراء فى زمانها.

      رابعا: تميزت هند رستم عن هذه الأسماء جميعها بإجادتها للرقص الشرقي وما أدراك ما مهارة الرقص بالنسبة لممثلة يصنفها الناس كنجمة إغراء؟ والوحيدة التي كان يمكن أن تتفوق عليها في مهارة الرقص هي تحية كاريوكا لكنها فاجأت الجميع باعتزال الرقص بالتزامن مع نجاحها اللافت كممثلة فقط في فيلمي “شباب امرأة” و”سمارة”(1956) بعد عام  واحد فقط من صعود هند رستم إلى مرتبة النجومية، وربما هذا يوضح لماذا ألح المخرجون على تقديم هند رستم فى دور الراقصة حتى أنها قدمته 19 مرة من بين أفلامها الستة والثمانين التي مثلتها.

    صحيح أن الراقصة التي تنازلت عن طفولتها في “بنات الليل” غير الراقصة عضو عصابة التهريب في “الأخ الكبير- فطين عبد الوهاب- 1958” وراقصة “انت حبيبي يوسف شاهين – 1957” التي كانت تسعى لاستعادة صديقها من زوجته غير راقصة “رد قلبي – عز الدين ذو الفقار – 1957”  التي احبت واخلصت في صمت، وصحيح أن الغازية التي تسللت إلى المركب في “صراع في النيل-عاطف سالم – 1959”  ليست هي جليلة العالمة في “سيد درويش-أحمد بدرخان – 1966”  وأن “شفيقة القبطية” في فيلم المخرج حسن الإمام سنة 1963 ليست هي “هدى” التي التحقت بالدير بعد ان ذاقت متع الحياة في فيلم حسن الإمام الآخر “الراهبة” العام 1966، وصحيح كذلك أن الراقصة التي كانت تبحث عن كلبها في “لوكاندة المفاجآت-عيسى كرامة – 1959” لم تكن هي الراقصة صاحبة الملهى في “عجايب يا زمن – حسن الإمام -1974”  التي سعت لإنقاذ زوجها السابق ووالد ابنها الوحيد من أزمته، هذا كله صحيح، لكن الراقصة هي الراقصة في النهاية، وعالمها لا يتغير عادة، ولولا الجهد الذي بذلته هند رستم للخروج عن الأداء النمطي لتلك الشخصية لكف الناس عن مشاهدة أفلامها.

     المشكلة أنه إلى جانب أدوار الراقصات لعبت هند دور الغانية أو فتاة الليل في سبعة أفلام أخرى، منها مرتان مع المخرج حسام الدين مصطفى في عام واحد – 1960 – في فيلمي “نساء وذئاب” و”رجال في العاصفة” ولأن الراقصات والغواني والخائنات هن المعادل الموضوعي للإثم والرذيلة في سينما الخمسينيات والستينيات، ولأن هند رستم جاءت في زمن الميلودرامات المفجعة والمصادفات العجيبة، فلم يكن بغريب أن يكون الموت مصير البطلة في ثلاثة عشر فيلما من أفلامها، محترقة مرة في “رد قلبي” لعز الدين ذو الفقار، وبالسل مرة في “الجسد” ومنتحرة مرتين في “اعترافات زوجة” و”الجبان والحب” (حسن يوسف 1975) وفي حادث سير مرتين في “بنات الليل” و”ملكة الليل” (حسن رمزي 1971) وبالقتل أحيانا كما في “عواطف” (حسن الإمام 1958) و”جريمة حب” (عاطف سالم 1959)، لتثبت السينما المصرية أنه مهما تعدّدت الأسباب فالموت واحد، وكأن صناع الأفلام كانوا ينفذون عدالة السماء ربما إرضاء للرقابة أو للوازع الأخلاقي عند متلقي ذلك الوقت.

      خامسا: كان النجاح اللافت الذي حققته مارلين مونرو في هوليوود عاملا مشجعا للمخرج حسن الإمام وغيره من المخرجين على الإلحاح في تقديم هند رستم كنموذج شرقي مقابل لملكة الإغراء في الغرب، وباتت الملامح التي كانت عقبة أمام هند رستم في بداياتها نقطة تفرّد عن ممثلات جيلها في انطلاقتها الجديدة منذ منتصف الخمسينيات حتى أصبح اللقب الذي اقترن بها وصاحبها في الدعاية لأفلامها هو “مارلين مونرو الشرق”.

      لكن المتأمل لأدوار هند رستم في هذا الإطار يدرك أنه كان إغراء مختلفا. إغراء بحدود وضعتها هند لنفسها، فلم يصل إغراؤها إلى حد الغواية كحال هدى سلطان في “سواق نص الليل” و”نساء محرمات” وتحية كاريوكا في “شباب امرأة” وبرلنتي عبد الحميد في “جريمة فى الزمالك” وزمردة في “عصافير الجنة” أو حتى السابقات عليها مثل زوزو شكيب ولولا صدقي أو اللاحقات كناهد شريف وشمس البارودي، ولذلك أزعم أنك تكاد لا تجد مشهداً ساخناً لهند رستم فى سرير أو دوراً تخطف فيه رجلا من زوجته، وإنما كان إغراؤها في مجمله نوعاً من الدلال كما في “باب الحديد” وابن حميدو وإسماعيل ياسين في “مستشفى المجانين” و”اعترافات زوج”، أو بدافع الانتقام كما في “رجل بلا قلب” أو السرقة كما في “صراع في النيل” والاستثناء الذي ربما يكون الوحيد في أدوارها هو دورها في فيلم “جريمة حب” حيث اقترن الإغراء بالغواية وهدم استقرار أسرة سعيدة، ولذلك كان جزاؤها القتل قبل نهاية الفيلم.

      غير أنه ليس من الإنصاف بالمرة اختزال مشوار هند رستم في كونها ممثلة إغراء على الرغم مما يتطلبه هذا النوع من مهارات تمثيلية خاصة وقدرة كبيرة على الإمساك بالخيط الفاصل بين الفن والابتذال، ومن يسترجع أدوارها في “رد قلبي، وعشاق الليل، وشفيقة القبطية، وعجايب يا زمن” – على سبيل المثال – يدرك الحقيقة جيداً، ورغم أنها قدمت كما قلت شخصية الراقصة تسع عشرة مرة، وفتاة الليل سبع مرات، والممثلة المشهورة أربع مرات أبرزها في فيلم “إشاعة حب” للمخرج فطين عبد الوهاب العام 1960، إلا أنها قدمت أيضا 56 شخصية درامية أخرى أظهرت من خلالها أنها ممثلة من طراز فريد، لا تعتمد فقط على مواصفاتها الشكلية، وإنما على ملكات تمثيلية فائقة، يكفيها دور المرأة الصعيدية المطالبة بثأرها فى “دماء على النيل”(1961) إخراج نيازي مصطفى، والزاهدة في ملذات الحياة في “الراهبة”(1965) إخراج حسن الإمام، والفتاة جليسة الكرسي المتحرك في “الوديعة”(1965) أيضا إخراج حسين حلمي المهندس، والأديبة المشهورة فى “الخروج من الجنة” العام 1967 إخراج محمود ذو الفقار، والزوجة المحبة في “كلمة شرف” 1972 إخراج حسام الدين مصطفى، والأم الناضجة في “حياتي عذاب” 1979 إخراج علي رضا، الفيلم الذي ودعت بعده التمثيل رافضة كل محاولات إثنائها عن هذا القرار حتى رحيلها في الثامن من آب/ أغسطس 2011 ومفضلة البقاء في بيتها بعد أن تبدّلت أحوال السينما، وشعرت أن وراءها إسماً يجب أن تحترمه، وتاريخاً يستحق الحفاظ عليه.