الرئيسية / home slide / هندسة الفشل في مسار لبنان

هندسة الفشل في مسار لبنان

09-08-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

تعبيرية (نبيل إسماعيل).

عادل عقل*

من قدرات العقل البشري ان ينجز المنجزات واللامعقول في حقل الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا وفي حقل التواصل الالكتروني. العالم اجمع دخل الثورة الرقمية ونحن في #لبنان نعيش المناحرات الاجتماعية. وصلت العلوم بواسطة التلسكوب (James Webb) الى التقاط الصور منذ 13.5 مليار عام لمجّرات لم يكن في مقدورنا الوصول اليها. هذا التقدم بقدرة العقل الخلاق وتطويع الالات وبواسطة (Infra rouge) الاشعة تحت الحمراء. هذه هي الثقافة، العلم، العقل المبدع. والتعاون مع الطبيعة والقواعد العلمية والمعرفية وفك الرموز على كل الصعد. اما سياسينا فهم غارقون في صراع الجهالة والتفاهة وعراك الغرائز والمعتقدات، والشواذ في الطبائع.

عاش اللبنانيون في احلام واوهام وقناعة انهم في ركب التقدم والتطور وامتلاك القدرات وفي التاقلم والتعايش مع كل الفصول والتقلبات الفكرية والاجتماعية والسياسية المجاورة والبعيدة.

نحن دائماً في صراع بين العقل والتبصر من جهة ومن جهة ثانية معطوبية الانسان والبشرية حيث يطغى المرض والعجز والحرب والجوع والغش والجنون. طبعاً كلنا يحتاج الى تطور التكنولوجيا لتصبح في خدمة الانسان ورفاهيته. اما الانسان بذاته فيبقى الحلقة الهادفة الى تحكّمه بالقدرات الطبيعية أولاً ومن جهة اخرى يستطيع ان يهدم كل تقدم او ان يستعمل كل تقدم لتهديم الانسان الاخر وقتله حسب تفاعل تكوينه وغرائزه. بمعنى اخر ما وجب فعله هو معرفة الذات وترويض الغرائز البشرية وان نثق بالطبيعة وتوازناتها.

هذا يوصلنا الى البحث في النظام العالمي. فبعد الحروب المتعددة في القرون الغابرة اخذنا التأقلم مع ما كان يسمى الحرب الباردة حيث عشنا بعض التوازن بين الشرق والغرب. اي بين اميركا وما كان يُسمى العالم الحر من جهة ومقولة ما وراء الستار الحديدي مع الاتحاد السوفياتي. فبعد مرحلة تفرّد اميركا بقيادة العالم يبرز اليوم تجمّع اقطاب الدول الاستبدادية “Autocratique” (روسيا، ايران، تركيا والصين نسبياً). فالدول تتطور من دولة وطنية محددة المعالم والحدود الى دول وان متنوعة تتحكم فيها التواصل العالمي وقدرة المال والاسواق الحرة. اما نحن فنحتاج الى ثورة ثقافية تقودها غالب النُخَبْ الاخلاقية والمعقلنة لخط المسار ما بعد الحداثة. وهنا الصراع الانساني، صراع الانسان مع الذات العميقة، والصراع بين المثقفين ليس بسهل، فهذا في ميزان الحرية والمسؤولية وخاصة تداخل التفكير الخرافي في المجتمع. هذا التفكير الخرافي يطغي على الصراع بين الفكر العلمي من جهة وتدني الوعي الاجتماعي والثقافي من جهة اخرى.

فلا يتقدم الوعي الا بالحوار والانفتاح بين الاحرار رغم الصعوبات. فمبدأ الحوار هو الطريق والجسور للتلاقي والتناضح وامكانية استعمال العقلنة بدل الاحاسيس المتهورة والمغرّرة.

فمهندسو الفشل في لبنان هم طبعاً وفي البداية مَنْ تمرّس في المسار الميليشيوي. فكانت الاعاصير الخارجية ومنها خاصة الاقليمية تتفاعل مع المشاعر الداخلية وتغذيها وتؤججها خدمة لمصالحها. فمنذ ما يُسمى الاستعمار الفرنسي اخذت تتراكم المداخلات من مصر مع عبد الناصر وسوريا مع حافظ الاسد وبعده والفصائل الفلسطينية، واسرائيل والعراق مروراً بليبيا القذافي وطبعاً امريكا وايران اخيراً. كل هذه العواصف ما كانت لتحصل لولا قابلية وطموحات العديد من الداخل قناعة تارة ومصلحياً تارة اخرى. وحتى لا نستعيد جميع المراحل والصراعات وسياسات المد والجزر يكفي ما اوضحناه من مداخلات خارجية وخاصة التناغم الداخلي من مهندسي السياسات وخاصة مصالح اولئك المهندسين مع الخارج.

فكانت التسميات متعددة، حرب اهلية، حرب الخارج في لبنان، حرب الاخرين على الساحة اللبنانية. فمهما يكن لم تكن المقاربات السياسية على المستوى الوطني. بل كانت صراع مصالح وصراع حقوق وصراع صلاحيات، هذه العناوين العامة ما كانت تُبحَثْ على طاولات الحوار بصدق ومسؤولية وبنتيجة ثابتة. وكان لبنان الخاسر الاكبر واللبنانييون الاضاحي على كل الصُعُدْ. هذا نتيجة قلة وعي مهندسي وسياسيي المرحلة الماضية لافتقارهم الى البعد الفكري والنظرة المستقبلية وكانهم مندفعين دون رجعة الى الوراء الى الهاوية رغم تحذير البعض من رجال دين وسياسيين من عواقب هذا الانجراف العدواني من جهة والدفاع عن النفس من جهة اخرى والاحقاد المتبادلة.

فمن المفهوم العلمي ان الانسان هو مخلوق اجتماعي اي له القدرة على التواصل والتفاهم. فتعدُّد الجماعات محكومة بالحوار والتوافق. تنوع الجماعات متعددة ومنها: لون، عرق، معتقد، قناعات، مستوى اجتماعي، هوية، زائد على هذه الفروقات الحدود الجغرافية للبلدان وفارق الاعمار بين الشباب والمعمّرين، والفوارق الجندرية. ولكن لا بد من حلول وهي موجودة وان كانت صعبة. وطبعاً ليس بواسطة الاشخاص مؤسسي الفشل والتخبط الاجتماعي وتفكك روابط الدولة. فالاصلاح يبدأ بمصلحين تتوافر فيهم المقومات المعرفية والارادة والعزم وتطبيق المراقبة الحقة وما يتبعها من مساءلة ومحاسبة. اي القانون والقانون، اي القضاء والقضاء فوق كل اعتبار. فليس من الممكن الاتكال على غرائز البشر لتسيير شؤون الدول دون مراقبة ومحاسبة. وعندنا ما يحصل من محاسبة فلا تكون الا استنسابية نظراً لتخلف المسؤول وافتقاره للحس الخلقي والوطني وقدرة الترفع وحسن المسؤولية.

كما هو مرفوض ارهاب الدولة وسلوك الارهابيين والمتطرفين كذلك وجب عدم تقبّل الفساد وكانه ارهاب من نوع اخر بمعنى الاستفادة من الغير اما بالقوة واما بالخداع بينما الحق هو الرجوع الى فكرة الحوار السياسي والفلسفي التي هي في صميم كل استراتيجية دبلوماسية وكل تواصل. يمكن للبنان ان يَجِد صيغة مميزة لمفهوم وجوده ومستقبله بعيداً عن التقليد واعتماده على العقل والنظام والمعيارية. وحتى لا نغفو ولا نقف حيارى بين مجالات الحداثة وما بعد الحداثة يمكنّا التعمّق بالمعرفة والمفهوم للانسان الحر والمُحرَّر من الحاجة المادية والتصارع الى التقارب والانفتاح على الاخر. فالاصلاح المجتمعي ينطلق وبواسطة العقّال والخلقيين بتطبيق التنمية الحقيقية وتداول السلطة وتكريس الديمقراطية والحريات على انواعها. في لبنان سيُكتب نهضة الفكر التي تقودنا الى التطور والتحول والتصحيح من احسن الى احسن.

علينا الامل والقناعة بأن المستقبل يتقبل حالة غير المتوقع وان يكن غير واضح اليوم يمكن ان يتحقق غداً. هذا دور المفكر لخط الطريق البنّاء بعيداً عن المتهورين والفاسدين، والتمرّد على الذات لقمع الغرائز وكبح الانحرافات ولجم الانانيات. هذا ممكن بإبعاد خاطفي السلطة وان بانتخابات مشوهة. هذا ممكن بإبعاد محتكري الحقيقة المصلحية. هذا ممكن بإبعاد متحجّري المعتقدات. هذا ممكن بإبعاد منتفخي الانا. هذا ممكن بتلاقي حَسَنّي النية ورجالات ونساء الدولة ومنهم حديثي النيابة اذا رفعوا الصوت وتحرروا وتمردوا لانقاذ لبنان من مهندسي الفشل.

*طبيب ومحلل نفسي

الكلمات الدالة

لبنان التواصل الإلكتروني