“همسات” يجمع بيروت بناديا تويني وميخائيل نعيمة في السينما للمرة الأولى

الشاعرة ناديا تويني برفقة المخرج مارون بغدادي والمصوّر حسن نعمان أثناء تصوير “همسات” (أرشيفية).

مرة جديدة الشاشة الذهبية على موعد مع الشاعرة الراحلة #ناديا_تويني، حيث اللقاء في فيلم “همسات” (إخراج مارون بغدادي – إنتاج عام 1980). تطلّ الشاعرة البيروتية على جمهورٍ ظمئ لسماع صوتها وتذوّق شِعرها بعد 36 عاماً على غيابها. إنها دعوةٌ لاستذكار امرأة ومدينة استثنائيتين. الأولى دخلت “همساتها” الضمير الجمعي اللبناني، والثانية، بيروت، “صارت آثاراً”.تجوب تويني بيروت بخطوات أثقلتها تلك الهموم التي تستوطن النفس بُعيد هزيمتها وفتحها، التي تعبث بها وتكتب على جدرانها تجديفاً علنيّاً. تصوّر كاميرا المخرج الراحل مارون بغدادي سيدةً أنيقةً حائرة، تمرّ في الأزقة بمعطفٍ أسود ينسدل فوق ربلتيها كخيالٍ ضبابي. تسير بين أبنيةٍ مضغتها الحرب وبصقتها. طعم استذكار ما كانت عليه قبل الحرب مرٌّ كمرارة الرماد المتناثر فوق نوافذها. تراقب ما تبقى من مدينتها. تحدّج أطلالها المشلّعة بعينين دامعتين. أمست بيروت غريبةً عنها. تعاينها، ولا تراها. تقترب منها، فتبتعد أكثر. تستحيل المدينة سراباً. غدا وسط بيروت أطغاث أحلام كثيراً ما تُراود البيروتيين، وتويني إحداهم، فتقضّ مضاجعهم لهولها. تفتّش تويني بحنينٍ عن سوق السمك، سوق النورية، ساحة البرج، وأماكن أخرى اندثرت اليوم. “ضِيعانا”. الواقع لم يعد يتوافق وما تشبّث في ذهن ناديا. صعبةٌ كانت عودتها. ترتعش معالم بيروت أمام ناظريها. تقف على أكتاف البحر الهادئ، يسير المصوّر الصحفي نبيل إسماعيل برفقة تويني حيث تتكسّر الأمواج بهدوء. تنحني معالم بيروت المتبقية خجولةً، كامرأة انتهك وحشٌ أسود مخدعها. أحدهم دمّرها ودنّسها. تتعاظم غيرة تويني عليها وتثور نفسها. يتملّكها شعورٌ بأنه “باستطاعتها أن تقتل” انتقاماً لمدينتها، فتكتفي بالشعر.

تبنّى بغدادي فكرة الأستاذ غسان تويني، وأنتجت مؤسسة ناديا تويني الوثائقي الذي ألقت فيه خواطر مخضوبة بالحنين واللوعة. تولّت مقابلة بعض سكان بيروت الذين ما انفكّوا يسعون للنهوض ببلدهم بعد خمس سنوات حرب. قابلت المصور نبيل إسماعيل الذي عرّفها إلى مارسيل خليفة حيث ألقى على مسمعها، وعوده الشجي، أغنية “أجمل الأمهات”. قابلت زياد الرحباني الذي حدّثها عن الديموقراطية المزعومة وعن الحرب العبثية. عن الفوضى السياسية وفوضى “الأحداث المتحولة” والمسرح الواقعي. تحدّثت إلى عدنان القصار وهنري فرعون وفؤاد السنيورة الموظّف في مصرف لبنان. التقت تويني بعبدالحليم كركلا، ذلك الطموح الذي أراد برقيّ المسرح الراقص مقاومة قذارة الحرب وما اقترفت.

“هذا الفيلم يعني لي الكثير”، تقول الممثلة ومصممة الرّقص ثريا خوري بغدادي، زوجة المخرج لـ”النهار”، “إذ تعرّفتُ على مارون خلال مقابلته عبدالحليم كركلا”. كان سبباً بتعارف المخرج الشاب وتلك الصبية الطموحة التي ترقص بخفة بحسب توجيهات كركلا. كما تعرّفت خلاله إلى تويني التي لم يجمعهما أيّ لقاء آخر سوى الشعر الذي أحبّته بغدادي. “كانت امرأة رقيقة ومرهفة الحس إلى أقسى الدرجات، بقلبٍ واسعٍ ورؤية ثاقبة”. تندم بغدادي لعدم معرفتها “هذه الشخصية المميزة التي رحلت باكراً” عن كثب.

يرى مركز “CPRM للتدريب والعلاج النفسي” أن “همسات” “جسّد علاقة تويني بلبنان”. رأى في حديثها عن كل إنسان عانى خلال الحرب “بعد علاج نفسي، إذ يقف الفيلم على خط تماس مع الحرب الاهلية التي أنتجت الصدمة والصّد والمشاعر العدوانية والأخرى الضامرة”. من منطلق سايكولوجي إجتماعي، يشدّد المركز على أهمية ما يعني دمار مدينة بأكملها، إذ “يرادف دمار ذاكرة الفرد، طفولته والأمان”. وهو بعرضه للفيلم يسعى إلى “تخليد تويني وبغدادي، وتذكير الجمهور بهما وبنتاجهما الفكري والإبداعي، وإعادة عرض أفلام استطاعت الوصول إلى الفرد وإيصال الرسائل”.

تشيد بغدادي باستعراض الفيلم المجهود الشخصي الذي بذله اللبنانيّون متحدّين القنوط والاستسلام للواقع. تعتقد أن إعادة عرضه، بناءً على طلبها، دعوة لاستذكار أرشيف بغدادي وشخصية تويني التي تحمّل الوثائقي بصمتها الخاصة، ودعوة للتشبّث بالأمل رغم كل الظروف المحبطة. ترى في هذا الفيلم، وفي مقابلة ميخائيل نعيمة التي أجراها معه زوجها “قيمة وثائقية ثقافية وقيمة أرشيفية”. تعتقد أنّ “فئة كبيرة من اللبنانيين تعلّمت من أخطاء الحقبة التي وُلد فيها “همسات”، لكن الأهم هو تأثير الفيلم على الجيل الجديد”.

“مجنون لبنان”… “وبعده طيّب”… “مجنون لأنه بعده بيعرف يضحك”… جنون لبنان دفع شعبه لمقاومة الموت والفرح رغم كل المآسي التي تعصف بهم. هذا الجنون المستفزّ، دفع تويني بدورها، قبل ثلاث سنوات على رحيلها، لتجول في مواقع مدمّرة من بيروت. أرادت أن تُبعث بيروت حيّة. أن تنتفض وتهبّ من رمادها. تمنّت لو تراها عروس المتوسط مرّة واحدة قبل أن تنطفئ مقلتاها. “بكرا، أنا رايحة… راح إشتاق… راح إشتاق”. ذهبت ناديا. رحلت ذات المعطف الأسود والياقة الأرجوانية. عادت إلى ما وراء تلك النجمة اللامعة حيث اتّحدت بالألوهة. رحلت متخوّفةً على مصير الشباب اللبناني الضائع والمجهول.

يصوّر بغدادي احتضار مدينة وزوالها. تحترق تويني وتبكي. مؤسفٌ أن ترى شاعرةً تسكب دمعاً على مدينتها وأحلامها المجهضة، وعلى اندثار صورة الوطن التي علقت في ذهنها. تصطبغ الرحلة الممتدة من بيروت إلى شتورة فبعلبك فالهرمل بالحنين والدمع والذكريات. قليلةٌ هي اللحظات التي ابتسمت فيها تويني طوال عرض الوثائقي. صوّر بغدادي أسفها وتمزّقها. بعد ثلاث سنوات، رحلت ناديا. دمّرت بيروت أكثر فأكثر. ظلّت تلك الـ”بيروت” حلماً في بالها اصطحبته معها إلى الأبدية. ترى بغدادي أنّ “التغيير قد طرأ بالفعل على بيروت ومعالمها، ويجب التصالح معه إذ نتعرّض دائماً للتغيير على كافة الأصعدة”، لكنّها تشدّد على أهمية “التساؤل حول ما ستؤول إليه التغييرات الجذرية”. لبنان الذي تصوّره تويني في فيلما وخواطرها يعني الكثير لثريا ولأبناء جيلها، وتحبّ “أن تعرّف أبناءها عليه”.

“تسعون”… ميخائيل نعيمة بعدسة مارون بغدادي

بعد “سبعون”، السيرة الذاتية التي نشرها ميخائيل نعيمة ضمن أجزاء ثلاثة، ها هو “نادي لكل الناس” يقدّم حواراً مصوّراً بين مارون بغدادي ونعيمة، يتحدّث فيه الأخير عن الحب والحياة والفلسفة والله والأمة العربية وتحولاتها، والحضارة المهددة بفعل الحرب المستشرية على أراضي لبنان وبين طوائفه وتياراته السياسية. يخلع نعيمة عباءة ذلك الأديب والمفكر الفيلسوف، فيتحوّل من ميخائيل إلى “ميشا” لحظة يتكلّم على جبران خليل جبران الذي كان يناديه بهذا الاسم تحبباً. يستذكر رحلته وإياه وتأسيسهما مع رفاقهما “الرابطة الأدبية”، وثورتهما. في الذكرى المئة لكتابة جبران قصيدة “المواكب” (1919)، جاء هذا الوثائقي مكرّماً إياه، إذ يوليه أهمية بالغة في الرحلة التي تنطلق من منزل نعيمة البسكنتاوي، مروراً بحقول القرية ومعالمها، وصولاً إلى شاطئ بيروت وشوارعها المنكوبة.

في عيده التسعين، وبعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، يخصّ نعيمة المخرح الراحل بمقابلة صادقة، يطرح فيها ما له وما عليه. يملي أفكاره التي لطالما شكّلت منعطفاً هاماً في الثقافة والأدب العربي والإنكليزي. يستحضر “مرداد” ويتحدّث “من وحي المسيح”.

“في حديثه عن مشاعره، يستعرض نعيمة أحاسيسه وفلسفته ورؤاه حيال الحرب والغياب والإحباط والحرمان والغربة”، يقول مركز CPRM، “تتوافق هذه العناصر وأحاسيس اللبنانيين تجاه ما طرأ على المجتمع اللبناني في فترة الحرب الأهلية”. يشدّد كذلك على أن “بغدادي، صاحب الثقافة الواسعة في الواقع السايكولوجي، قد أجاد إنتاجها وإعادة بنائها لترجمتها وإعطائها شكل الوثائقي”.

سنوات مضت والفيلم مفقود. يغطّيه وشاحٌ من غبار ونسيان. سعت ثريا بغدادي لإيجاده وإعادة عرضه، هي التي لم تشاهده قط. بعد عشر سنوات، اتّصل مختبر LTC الفرنسي بها، وزفّ لها خبر العثور على شريط المقابلة. تمّت معالجته بعدها، صوتاً وصورةً في فرنسا، ليُصبح جاهزاً للعرض من جديد في صالة السينما بعد أن كان قد عُرض لمرّة واحدة غداة إنتاجه. فور عثورها عليه، وضعت بغدادي ترجمة له بالفرنسية، وأشرفت على الترجمة الإنكليزية التي وضعها أخو مارون، ألكسي بغدادي. تردّد ثريا، كلّما تذكّرت بيروت في عصر “ما قبل الحرب” قولاً لزوجها كانت قد عثرت عليه بين أوراقه، يقول إنّ “النوستالجيا هي ذلك الوقت الذي لم نقضِه مع أشخاص أو أشياء معيّنة”.

يتوقّع مركز “CPRM”، إقبالاً حاشداً من قبل جمهور المثقفين الذين يعنون بالواقع اللبناني وبنتاج تويني ونعيمة وبغدادي، “إذ تنعكس رغبة المركز في تسليط الضوء على أثر هؤلاء الثلاثة العظماء على رغبة الجمهور”. تستقبل سينما “ميتروبوليس أمبير”  في الأشرفية فيلم “تسعون” يوم 22 تشرين الأول عند الساعة السابعة مساءً، وتعرض فيلم “همسات” يوم 24 تشرين الأول في الوقت عينه. يلي العرض مداخلات لكل من رجاء مكي نقيبة المحللين والمعالجين النفسانيين في لبنان ومستشارة مركز “CPRM للتدريب والعلاج النفسي” تتناول فيها الجانب النفسي للأفلام، وكلمة لمدير “نادي لكل الناس” نجا الأشقر الذي يتحدّث عن رحلته لإيجاد مقابلة نعيمة وأهميتها وفيلم “همسات”، كما سيلقي أحد أقرباء نعيمة كلمة عن الفيلم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*