هل يُذكِّر “التفاؤل” بتأليف الحكومة بـ”قصّة الراعي والذئب”؟


سركيس نعوم
النهار
18072018

تُذكّر الأخبار المُتفائلة بقرب تأليف “حكومة العهد الأولى”، التي تصدر حيناً عن دوائر رئاسة مجلس النوّاب وحيناً آخر عن الرئيس المكلّف تأليفها، بخبريّة “الراعي والذئب” التي قرأوها وسمعوها أيّام كانوا في بداية مشوارهم الدراسي، والتي لا يزال أولادهم يسمعونها. ومُلخّصها أن راعياً “مُنقِماً” ومُحبّاً للمزاح في إحدى القرى كان كل بضعة أيّام يصرخ طالباً نجدة أهالي قريته لأن ذئباً هجم على قطيعه. وكانت “نخوة” هؤلاء تدفعهم إلى الإسراع لنجدته ولإزالة تهديد يؤذي قطعانهم إذا لم يقضوا عليه. لكن الخيبة كانت تُواجههم عندما يكتشفون “المزحة” السمجة والمُزعجة فقرّروا عدم تلبية استغاثاته. وفي أحد الأيّام هجم ذئب أو أكثر على قطيعه فصرخ طالباً النجدة، لكن أحداً لم يستجب له من أهالي قريته لاقتناعهم بأنّه يُمارس مزاحه المُزعج. فالتهم الذئب أو المجموعة القطيع.

طبعاً لا يعكس التشابه الذي أشير إليه بين خبرية الراعي والأخبار المتفائلة بقرب تأليف الحكومة اقتناعاً بأن نيّة مروّجيها أو مُطلقيها في الإعلام هي المزاح أو بأنّهم سمجون ومزعجون. إذ أن هدفهم قد يكون إراحة أعصاب الناس المنتظرين على نار حكومة جديدة تعالج القضايا والأزمات الصعبة التي تمرّ بها بلادهم، وفي مقدّمها الاقتصاد المُتعثّر جدّاً بكل قطاعاته، والكهرباء الغائبة والمسبّبة الأولى لتضخّم الدين العام والعجز في الميزانيّة العامّة، والنقص في المياه في بلاد المياه، والنفايات التي تؤذي صحّة المواطنين على نحو مُنتظم، وتلوّث الهواء ومياه الشرب الجارية والجوفيّة كما مياه الري ومياه البحر لأسباب عدّة، قد يكون أهمّها تحوّل الأنهار والبحار مصبّاً لمجارير الصرف الصحّي ومطامر غير صحيّة لبقايا المصانع، والفساد الذي يبدو أن المحجمين عن ممارسته من “شعوب” لبنان وسياسيّيهم وأحزابهم ومرجعيّاتهم ورجال دينهم ودنياهم صاروا قلّة تحتاج ربّما إلى “ميكروسكوب” لرؤيتها. لكن تكرار هذا التفاؤل يضعف ثقة المواطنين في جديّة حكّامهم و”رؤسائهم” وزعمائهم وفي كفاءاتهم، كما في صدقيّة مواقفهم الوطنيّة والسياسيّة وممارساتهم العامّة. وفي هذا المجال لا بدّ من الإشارة إلى أمر آخر لا يتعلّق بالتشابه بين قصّة “الراعي السمج” وبين الحملات الإعلاميّة التي يقوم بها “مصرف لبنان” المركزي ومصارفه ورجال اقتصاده وأعماله، والتي تطمئن اللبنانيّين يوميّاً إلى سلامة “عملتهم الوطنيّة” والتي تنفي أي خطر يتهدّدها. فهؤلاء وفي مقدّمهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا يستطيعون إلّا أن يحكوا كلاماً مُطمئناً تلافياً لأن يتسبّب تشاؤمهم، وإن كان مبنيّاً على بعض الحقائق أو المخاوف الجديّة بانهيار لا يسلم منه أحد. لكن ذلك وحده لا يكفي. إذ أن بعض الممارسات في القطاعين العام والخاص والترتيبات وأحياناً التركيبات والمبالغات قد تسبب بدورها أذى قد يفتح الطريق أمام الانهيار، ولا سيّما في ظل دولة غير مُتماسكة ينخرها الفساد شبه العام وتمزّقها الطائفيّة والمحسوبية، كما في ظل شعوب صارت في غالبيّة كل منها أسوأ من دولتها (أو دولها) وحكّامها وزعمائها. في أي حال لم أتعمّد تطويل هذه المقدّمة لـ”موقف هذا النهار” موضوعه الأساسي “حكومة العهد الاولى” والمساعي المبذولة من غير نجاح حتّى الآن لتأليفها. لكنّها ضروريّة كي يتوقّف الناس عن النقّ والتذمّر وكي يتصرّفوا بمسؤوليّة وكي يُحاسبوا ليس في مواسم الانتخابات فقط بل كل يوم وعند كل مشكلة أو مصيبة أو فاجعة.

ماذا عن البورصة الحكوميّة اليوم؟

أظهر الاجتماع الأخير الذي حصل بين رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي والرئيس المُكلّف سعد الحريري بعد عودته من “سفرته” الأخيرة أن لا جديد عند الثاني يوحي بأن التأليف صار قريباً. فعقدة “التيّار الوطني الحر” – “القوّات اللبنانيّة” لا تزال من دون حل. وهنا لا يمكن إعفاء رئاسة الجمهوريّة من جزء من مسؤوليّة الإخفاق في حلّها لاعتبارات يعرفها الجميع. وفي هذا المجال، تُفيد معلومات مُتابعين موضوعيّين للأزمة الحكوميّة وعلى علاقة جيّدة بكل الأطراف، “أن “حزب الله” يعتبر أن رئيس “القوّات” سمير جعجع يبدو أحياناً أكثر براغماتيّة ومرونة في التعاطي مع الموضوع – العقدة هذا. فهو طلب خمسة وزراء وحقيبة سياديّة ونيابة رئاسة الحكومة. لكنّه نزل إلى أربعة وزراء وتخلّى أو هو في طريق التخلّي عن مطلب “السياديّة” وعن نيابة الرئاسة. وهو لا يزال يفاوض ولا يمكن لأحد القول أن حزبه لا “يمثّل” شعبيّاً”. والعقدة الدرزيّة لا تزال من دون حلّ رغم الكلام الذي يُشاع عن احتمال قبول الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط تمثيل كتلته التي تضم سبعة نوّاب دروز إلى مسيحيّين بوزيرين درزيّين ومسيحي يختاره هو. علماً أن ذلك مخرج مُمكن في النهاية إذا كان الوزير المسيحي ماروني، وإذا كان الوزير الدرزي غير الأمير طلال أرسلان وغير قريب منه ويكون هو شريكاً في اختياره. و”تيار المردّة” الذي يتزعّمه النائب السابق سليمان فرنجيه قد يُمثّل استناداً إلى ما يتردّد في كواليس “مطابخ” الحكومة بوزير مسيحي وماروني على الأرجح. لكنّه سيكون من حصّة رئيس الجمهوريّة. وطالب هذا “التيّار” أولاً بوزارة التربية والتعليم العالي وباعطائها إلى حليفه النائب فريد هيكل الخازن. لكن طلبه قوبل بعدم استحسان إذ يقترب بذلك من كسروان، وذلك لا يريح الرئيس عون ولا “التيار الوطني الحر” الذي أسّسه. عندها طلب “المردة” حقيبة الأشغال على أن يشغلها وزيرها الحالي يوسف فنيانوس. والمتوافر من المعلومات أن حال هذا الطلب لم تمشِ حتّى الآن”.

ماذا عن العقد الأخرى التي تعوق أيضاً تأليف الحكومة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*