الرئيسية / أضواء على / هل يهدّد كورونا الحضارة؟ مقابلة حصرية مشوّقة لـ”النهار” مع الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري

هل يهدّد كورونا الحضارة؟ مقابلة حصرية مشوّقة لـ”النهار” مع الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري

  • زينة طراد
  • المصدر: ترجمة نسرين ناضر- “النهار”
  • 5 نيسان 2020 | 19:16

ميشال أونفري.

ميشال أونفري، الفيلسوف الفرنسي الذي وضع أكثر من مئة كتاب وتَلقى كتاباته حالياً الإقبال الأكبر على قراءتها وترجمتها بين الكتب الفلسفية في العالم، يُدلي برأيه حول هذه الأزمة الصحية العالمية. ويجيب في هذه المقابلة عن أسئلة “النهار” من مكان إقامته في النورماندي حيث يمضي فترة الحجر المنزلي بعدما زار لبنان في شباط الماضي لإلقاء سلسلة من المحاضرات وإعداد فيلم وثائقي عن لبنان. في ما يأتي يعرض أونفري رؤيته الفلسفية بشأن الحجر المنزلي، والأزمة الصحية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية.

كيف تمضون فترة الحجر المنزلي؟

عملُ الفيلسوف هو قبل أي شيء نشاط لا يتطلب تنقلاً، ويفترض الانفراد والعزلة. أكتب وأقرأ وأعمل. أواكب يوميات هذه الجائحة لأنها تكشف، بالمعنى الدقيق للكلمة، عن الحالة التي آلت إليها حضارتنا، بوجود رئيس دولة تنقصه الكفاءة؛ وناطق باسم الحكومة يُقرّ بأنه لجأ إلى الكذب لحماية رئيس الدولة ويذهب بعيداً في حمايته لهذا الأخير؛ وحكومة في وضع يرثى له؛ ووزيرة صحة مستقيلة كذبت أيضاً بشأن خطورة الوباء قبل أن تؤكّد أنها قالت الحقيقة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء؛ وتضارب مصالح بين السيدة بوزين [وزيرة الصحة المستقيلة] وزوجها الخاضعَين للمختبرات، إذاً لسلطة المال؛ وبوجود البروفسور الفرنسي ديدييه راوولت الرائد عالمياً في طب الأمراض المعدية؛ وكذلك على ضوء التصريحات المتناقضة التي تُظهر أن إيمانويل ماكرون ليس قائداً، وأنه لا يُجيد الحسم واتخاذ القرارات واستباق الأمور، وأنه ليس في الواقع سوى مجرد رجل من القش في الدولة القائمة على معاهدة ماستريخت. لقد رأى الجميع انهيار أوروبا كما تصوّرتها معاهدة ماستريخت، ومعها بلغت الليبرالية القعر: ها نحن نعيد اكتشاف فضائل الحدود، وتدخّل الدولة، والحاجة إلى الخدمات العامة، وفضائل التأميم. وكأن كولبير [جان باتيست كولبير الذي كان وزيراً للمال في عهد لويس الرابع عشر] ينتقم لنفسه!

الحجر يُلزم الأشخاص، بطريقة من الطرق، بالعودة إلى ذواتهم. هل يمكن أن تكون له فضائل؟

نعم لدى أصحاب الفضائل، إنما ليس لدى ذوي المساوئ. الحجر هو تماماً بمثابة القفص حيث توجد حيوانات تدور في حلقات في حين أنها بحاجة إلى فسحة… هذا الوضع يُجبر الإنسان على الوقوف وجهاً لوجه أمام ذاته، وكذلك أمام شريكه وأولاده، وربما أيضاً أولاد أحد الشريكَين. في الأزمنة العادية، يمكن تحمّل المعاناة بصبر: يجب التماسك خلال وجبة طعام أو عطلة نهاية أسبوع أو نزهة بعد العمل. ثمة متنفّسات متاحة إذاً، ومع ذلك، يتبيّن أنه نادراً ما يكون ذلك كافياً لتجنّب الخلاف. ولكن في الحجر، لا مجال لأخذ استراحة، ليس ثمة متنفّس: يتواجد الأشخاص معاً على مدار الساعة، أسبوعاً تلو الآخر، لمدة شهر على الأقل. يملك الأثرياء شققاً كبيرة ونيّرة في الأحياء الجميلة، ويمكنهم أيضاً مغادرتها والتوجّه إلى منازل ريفية في النورماندي وإقليم الباسك وجزيرة ري… يخضع الحجر لقانون الصراع الطبقي: هذه المحنة أشد قسوة على وضيعي الحال منها على الأثرياء.

كيف تحللون جائحة فيروس كورونا؟ هل ستؤدّي إلى التسريع في انهيار الحضارة الغربية؟

أهتم بمصائر الحضارات، وبما أن حضارتنا تنهار، من المهم إجراء مقارنة مع سقوط الحضارات الكبرى، أي الحضارات الآشورية والسومرية والبابلية، وحضارات ستونهنج والأقصر وأثينا وروما… إذا قمنا بدراسة المعارف التاريخية أي ما يُسمّى إبيستمولوجيا التاريخ، نلمس جيداً أن الأسباب التي تُقدَّم لتحليل انهيار الحضارات هي عبارة في معظم الأحيان عن توقعات شخصية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة تفسيرات بيئية، من خلال ربط انهيار الحضارات بفترات شهدت احتراراً أو برودة مناخية، أو تدميراً للغابات والأحراج على نطاق واسع، أو أخطاء زراعية، إنما يُربَط انهيار الحضارات أيضاً بالمجاعات والأوبئة. يُقال إن الطاعون الأنطوني أدّى، في نهاية القرن الثاني، دوراً في سقوط روما.

لا يمكن أن يُعزى انهيار الحضارة إلى سبب أوحد، ولكن صحيح أن الوباء الذي يتسبب به فيروس كورونا سيؤدّي إلى انهيار الاقتصاد، ولستُ أدري كيف سيتعامل الغرب مع الأمر!

في أواخر كانون الثاني 2020، تحدثتم عن خطورة الوضع الذي قلّلت فرنسا من أهميته؟ كيف تفسّرون تأخّر السلطات الفرنسية في التحرك لمواجهة هذه الأزمة الصحية؟ لماذا لم تقدّر السلطات الفرنسية جيداً حجم الخطر؟ علماً بأن العديد من العلماء، ومنهم البروفسور راوولت، أطلقوا تحذيرات بهذا الخصوص منذ سنوات عدة…

قلتُ عبر إحدى المحطات التلفزيونية، في 28 كانون الثاني، إنه يكفي أن يتحلّى المرء بالمنطق السليم كي يرفض التصاريح المتزلّفة التي يدلي بها عدد من الأطباء الذين اكتسبوا شهرة من خلال إطلالاتهم الإعلامية، وعلى رأسهم ميشال سيم…، والذين قللوا من شأن ما يجري وتحدّثوا عن رشح عادي. لا حاجة إلى الحصول على معلومات سرّية، وإلى أن يكون الشخص مقربّاً من الأجهزة الاستخبارية، أو قادراً على الوصول إلى مستندات دفاعية سرية كي يستنتج أمراً بسيطاً: لن تكترث الصين، التي هي دولة ديكتاتورية، لوفاة عشرات أو مئات الآلاف من سكّانها، فهذا الرقم ليس بشيء بالنسبة إليها، لا سيما وأن باقي العالم لن يدري بتاتاً بالأمر. لذلك، بما أن الحكومة الصينية قررت فرض عزل تام ومشدد لمدينةٍ تضم أكثر من عشرة ملايين نسمة، فهذا يعني أن الخطر ليس داخلياً، بل يطال ملعبها الاقتصادي، أي الكرة الأرضية بأسرها! يكفي فقط أن يشغّل المرء ذكاءه العادي في التعامل مع هذه المعلومة البسيطة ليتوصل إلى استنتاج بديهي: لم يكن رشحاً عادياً…

كشفت أزمة فيروس كورونا النقاب عن شوائب المنظومة الصحية الفرنسية التي كنا نعتقد أنها من الأفضل في العالم، وكذلك اعتمادنا الشديد على الصين. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟

في فرنسا، نفّذ العاملون في القطاع الصحي إضراباً قبل وصول فيروس كورونا. لقد أرادوا أن يلفتوا انتباه السلطات إلى واقع أن المنظومة الصحية الفرنسية لم تعد الأفضل في العالم، وذلك منذ وقت طويل… فمنذ أن أصبحت السوق تتحكّم بمسار الأمور في هذا المجال، تحوّلت الصحة إلى بيزنس. الرئيس ميتران هو مَن افتتح هذه النزعة في عام 1983، ثم تبعه الرؤساء الذين جاؤوا بعده والذين أقدموا جميعهم دون استثناء على تدمير المنظومة الصحية. هذا ما حذّر منه الأشخاص الذين يحاربون الليبرالية حيث تفرض السوق قوانينها، وأنا منهم: فالسوق لا يمكن أن تفرض قوانينها في المستشفى والمدرسة والجيش والشرطة والقضاء والثقافة…

ونحن نلمس الآن فعلياً ما يحدث عندما تتحكّم السوق بمسار الأمور في مجال الرعاية الصحية. لم تعد هناك مراعاة للصحة العامة والمصلحة العامة وخير الجميع. نظراً إلى النقص في المعدات، باتوا يفرزون المرضى ويرسلون المتقدّمين في السن إلى الموت بذريعة أنهم لا يملكون معدات كافية لإنقاذهم. إضافةً إلى ذلك، يعجزون عن تأمين الأقنعة والكفوف للطواقم الطبية والمسعفين في حين أن ماكرون بالغَ في التركيز على أننا في حالة حرب. نحن في حالة حرب إنما لا أموال لشراء الأقنعة من أجل تزويد الطواقم الطبية بها! يا له من عار. عندما شُنَّت الحرب في العراق لخلع صدام حسين، وفي ليبيا لطرد القذافي، وعندما قرر ماكرون قصف سوريا قصفاً شكلياً لإظهار ولائه للولايات المتحدة، ما هو عدد المستشفيات التي حُرِمنا منها مفضّلين القنابل عليها؟

أما في ما يتعلق بالاعتماد على الصين، فالأمر بسيط: هذا البلد أفعى برأسَين، رأس الرأسمالية الليبرالية في الإنتاج، ورأس الديكتاتورية الماركسية-اللينينية في المجتمع. دفعت الليبرالية التي أطلقتها معاهدة ماستريخت نحو نقل الأعمال والشركات إلى الخارج بذريعة الإرباحية. لدى الصين مليارات العمّال الذين يتقاضون أجوراً متدنّية ويتعرضون للاستغلال والترهيب، ويُرغَمون على بذل تضحيات قاسية. لا يستطيع أي عامل أوروبي أن يتنافس مع نظيره الصيني. وهكذا فرضت الحكومة الصينية سيطرتها الاحتكارية – إنها طريقة أخرى لقيادة الثورة. أذكّركم بأنهم يحتكرون المعادن النادرة. وبما أنهم يملكون مواد فائقة التوصيل (supraconducteurs) تتيح كسب أجزاء من الثانية، الأسلحة الأميركية هي في أيدي الصينيين الذين يصنعون جزءاً كبيراً منها… لهذا يتصرف ترامب بخبثٍ مع كوريا الشمالية، ولكنه لا يفعل ذلك مع الصين!

لماذا تحوّلت أوروبا بؤرة للأزمة الصحية، في حين أن بلداناً أقل تطوراً من الناحية النظرية، مثل كوريا الجنوبية، تتغلب على الوباء مع تسجيل عدد ضئيل جداً من الوفيات ومن دون اللجوء إلى الحجر التام؟

نحن أمام مشهد حيث تنكشف محدوديات الأيديولوجيا القائمة على التبادل الحر. لقد أعلن أنصار الاتحاد الأوروبي عن كرههم للحدود والدول القومية، بذريعة أن الحقيقة الوحيدة تتمثل بالسوق الكونية الكبرى. في أواخر كانون الثاني الماضي، حين كان الخطر واضحاً لمن يرغب في استشعاره، أقدم ماكرون، على الرغم من ذلك، على استئجار طائرات لإعادة المواطنين الفرنسيين من الصين، وأقام مراكز للحجر الصحي في قرى فرنسية من دون إبلاغ عمدات البلدات مسبقاً بالأمر، وسمحَ بهبوط نحو عشرين طائرة قادمة من الصين يومياً في باريس من دون أي إجراءات تاركاً الركاب الذين لم يخضعوا لأي فحوص يتنقلون في مختلف أنحاء البلاد مع ما يحمله ذلك من خطر نشر الفيروس. لقد ابتدعوا العبارة الآتية “ليس للفيروس جواز سفر”، وكأنه يمكن فصل الفيروس عن حامله الذي يملك جواز سفر… من علامات العجز الليبرالي أننا نملك قنابل ذرّية لكننا نفتقر إلى الأقنعة والاختبارات الموثوقة علماً بأنهما الركيزتان اللتان تقوم عليهما سياسة حماية الأشخاص وإجراء الفحوص وعزل أولئك الذين تتبيّن إصابتهم بالفيروس. في البداية، لم يحرّك ماكرون ساكناً، ثم اتخذ كل الإجراءات دفعةً واحدة، وهذا دليل على الارتباك والضياع، ما يطرح مشكلة عندما يكون رئيس الدولة صاحب سلطة مركزية واسعة جداً…

ما الذي تكشفه السجالات التي يثيرها عقار الكلوروكين؟

تكشف من جهة عن التناقض القديم بين باريس وباقي المناطق الفرنسية، وعن التشنج المستمر بين العاصمة (capital) أي الرأس إتيمولوجياً، والأرياف التي يمكن الاستغناء عنها. لم أحفظ اسم ذلك الطبيب الكثير الكلام – أتذكر فقط رأسه الكروي الشكل – الذي قال في مقابلة تلفزيونية منتقداً البروفسور راوولت: “هذا الرجل الذي يعمل بعيداً من باريس”. هذه الجملة قالت كل شيء.

وتكشف السجالات من جهة ثانية عن سمة فرنسية أخرى تتمثّل في كره النجاح، وازدراء الكفاءات، والضغينة من العبقرية. البروفسور راوولت هو قطبٌ عالمي، وهذا الكلام قيل منذ سنوات عدّة، وليس قبل شهر فقط. إنه يقترح حلاً، في حين أن أولئك الذين لا يملكون حلاً والذين عرّضوا الفرنسيين للكارثة بسبب عدم كفاءتهم السياسية، يتحدثون بازدراء، كما شخصية الدوقة في روايات بروست، مدّعين أن التجربة لم تكن مزدوجة التعمية [أي إن المرضى والأطباء كانوا على علم بالعلاج المستخدَم]، إلخ. هذا أشبه بقيام متعفّفين على متن الـ”تايتانيك” بمنع استخدام قوارب النجاة لأن طلاءها يحتوي على الرصاص…

يشبه البروفسور راوولت في مظهره “فايكينغ” ترجّل للتو من سفينته. هو واثقٌ من نفسه ومدرك لقيمته، في حين أن كثراً ممن يفتقرون إلى القيمة يدّعون أنهم ذوو قيمة كبيرة: هؤلاء هم مَن يسيل لعابهم ويبصقون وينشرون الوسخ، وصولاً إلى دانيال كوهن بنديت الذي انتقل من اليسارية إلى الماكرونية وتحوّل من متحرّش بالأطفال إلى “سافونارولا” الأيديولوجيا الأوروبية، والذي دافع، بأسلوبه الفظ والمترهّل الذي هو بمثابة علامة مسجّلة له، عن أصدقائه الباريسيين والمختبرات وأموال قطاع الأدوية. يقترح البروفسور راوولت علاجاً شافياً بواسطة دواء سعره 10 أورو، وهو بذلك يحرم المختبرات من تحقيق أرباح مادّية تفوق التصوّر. ندرك إذاً أنه ربما يثير الاستياء والكراهية لدى أولئك الذين يستشفّون فرصة سانحة لكسب الأموال – الأفق الذي يتعذّر تخطيه في نظر كوهن بنديت – ويتكتّلون ضده.

يذهب بعض المراقبين إلى حد الثناء على “النموذج الصيني”. هل يمكن أن تخرج الصين رابحة من الأزمة؟

لا نعرف عن الصين إلا ما تريد هي أن تقوله لنا عنها. كونوا على يقين من أنها لن تدلي بأي معلومة من شأنها أن تسيء إلى مكانتها، في حين أنها لن تتردد في تقديم أي معلومة من شأنها المساهمة في تعزيز صورتها الإيجابية، ولو كانت هذه المعلومة مجافية للحقيقة. بدأنا نكتشف أنها كذبت في ما يتعلق بتواريخ بدء الجائحة وأعداد الوفيات.

ما يمكننا افتراضه منذ الآن هو أنه عندما يحين الوقت لإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد في الدول المنكوبة، يجب تحفيز الإنتاج، وسوف يعمد الصينيون إلى الإنتاج بوتيرة سريعة من أجل تلبية الطلب العالمي في مهل قصيرة، فهذا ما يفترضه الإجراء الذي تلجأ إليه الشركات منذ سنوات عبر نقل وحدات الإنتاج والتصنيع إلى الصين. وتبعاً لذلك، سوف تُحقّق الصين فوائد اقتصادية.

لسنا جميعنا متساوين في مواجهة الأزمات. ما هي العوامل التي يمكن أن تساعد، أم لا، على تجاوزها؟

الحجر هو في ذاته مؤشر أساسي من مؤشرات الصراع الطبقي: ثمة أشخاصٌ يملكون شققاً أو منازل واسعة في وسط المدن، وفي معظم الأحيان هؤلاء الأشخاص أنفسهم يملكون أيضاً منازل في أجمل الأماكن في الأرياف مع مناظر خلاّبة ومساحات شاسعة في أجواء من الهدوء والسكينة والعزلة. وثمة فقراء يستأجرون شققاً ذات مساحات ضيّقة في أحياء وضيعة، من دون أن تكون لديهم إمكانية الابتعاد نحو الأرياف والإقامة في منازل جميلة هناك.

ويبرز أيضاً عامل القدرة الشرائية في ما يتعلق بالحصول على المستلزمات الضرورية لتحضير ثلاث وجبات يومياً لأفراد العائلة: في هذا الصدد، بعض الأشخاص قادرون على شراء منتجات طازجة وذات نوعية جيدة، إنما باهظة الثمن، من بعض متاجر البقالة الفاخرة، في حين يُضطَر آخرون إلى الاكتفاء بتناول المعكرونة والأرز والمعلّبات.

أخيراً، ونظراً إلى التداخل بين مختلف العوامل، مَن لديهم حياة باطنية هم أكثر حظوة ممّن لا يعيشون حياة باطنية. فالأشخاص الذين يهوون القراءة والاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة الأفلام هم أكثر قدرة من الآخرين على التأقلم مع الحجر المنزلي. يُظهر عِلم الاجتماع على طريقة بورديو (Bourdieu) أن مالكي الشقق الجميلة في وسط المدن يأكلون منتجات طازجة وفاخرة، وأنه باستطاعتهم الاختلاء في منازل في الأرياف حيث يقرأون من جديد رواية “بحثاً عن الوقت الضائع” (A La Recherche du Temps Perdu)، وهو الكتاب المفضّل لدى البورجوازيين الذين يعتبرون أنفسهم أريستوقراطيين، أو يشاهدون للمرة العاشرة مجمل أفلام غودار، إلخ.

هل تعتقدون أننا سنشهد، بعد انقضاء هذه الأزمة، صعود القوميات والأنظمة السلطوية، أم إرساء منظومة حكم عالمية أكثر فاعلية، مثلما حصل بعد الحرب العالمية الثانية؟

قبل سنوات عدة، قام دعاة ماستريخت باختراع أوروبا هذه جاعلين منها سِنّاً من أسنان الآلة الأكبر للحكومة الكونية التي ليست سوى الدولة الكلّية، أو الدولة الكونية بحسب تعبير إرنست جونجر. تقوم هذه الدولة على طمس الشعوب، وإلغاء الانتخابات، واختفاء الحدود، وعلى حكومة من التكنوقراط المزعومين الذين يُفترَض أنهم يتمتعون بالكفاءة ويُزعَم أنهم غير مسيّسين: إنهم في الواقع أرباب العمل في مجموعة “غافا” (التي تضم شركات “غوغل” و”آبل” و”فايسبوك” وأمازون”) وحلفاؤهم. مناصرة البيئة هي حصان طروادة في هذه الأيديولوجيا: هل هناك في الواقع ما هو أفضل من نموذج الكرة الأرضية الذي يتجاهل الحدود، بهدف فرض نموذج الدولة الكلية؟ ينضم علم الفيروسات إلى السباق، ومن أجل حملنا على تجرُّع الكأس والقبول بحكم النخب وتحكّمها برأس المال، راحوا يحدّثوننا عن خلاص الكرة الأرضية وحماية صحة السكان في أرجاء العالم.

ولكن هذا المشروع سوف يصطدم بجميع الأشخاص الذين ربما أدركوا وأخيراً أن الدولة القائمة على معاهدة ماستريخت، والتي تتطلع إلى أن تكون أمبراطورية، هي ديكتاتورية من نوعٍ جديد، وأنه يجب ألا يُسمَح لها بامتلاك سلطة أكبر من تلك التي تمتلكها الآن. بما أنني شخص تراجيدي – لست متشائماً بل تراجيدي – فأنا أميل إلى الاعتقاد نوعاً ما أننا مقبلون على فوضى… في إيطاليا، ينهبون متاجر المواد الغذائية.

ما هي برأيكم التداعيات التي سيُخلّفها فيروس كورونا على المستويات السياسية والاجتماعية والمجتمعية؟ ماذا ستكون آثاره على حياتنا في المستقبل؟ وما هو السيناريو للانطلاق من جديد؟

تطرقتُ إلى ذلك آنفاً. إنما أشير، على وجه التحديد، إلى أن أوروبا فشلت فشلاً ذريعاً. يعمل كل بلدٍ من بلدان المأسوف عليها أوروبا على إدارة مشكلته الوطنية في زاويته الخاصة. لقد اعترضت الجمهورية التشيكية شحنة أقنعة أرسلتها الصين إلى إيطاليا. وتُرِكت إيطاليا وحيدة في مواجهة محنتها. وتحاول إسبانيا معالجة مشكلاتها بنفسها. وهذا ما تفعله أيضاً فرنسا… أوروبا التي صوّروها لنا بأنها عملاق اقتصادي في المصاف نفسه مع الصين أو الولايات المتحدة، انكشفت على حقيقتها: نمر من ورق، لا بل في الواقع بقرة من كرتون… أوروبا ماستريخت لم يعد لها وجود. قد نكون على موعد مع ازدهار النزعة السيادية للدول.

كيف سيكون العالم، برأيكم، بعد أزمة كورونا؟ هل تعتقدون أنه سيكون من الممكن السفر والتنقل بحرية تامة كما في السابق؟

لا يمكننا التذاكي أمام ما يفرضه الفيروس على الأحياء. هذا هو المسار الطبيعي للأمور، لا نكتشف ما سيحدث إلا بعد حين، إنها حقيقة بديهية. قد يظهر فيروس أشدّ فتكاً ويُعيث خراباً في الكرة الأرضية ويُفرغها من جزء كبير من الكائنات البشرية. وقد تستعيد الطبيعة عافيتها – يكفي أن ننظر إلى مستوى تراجع التلوّث في الشهرَين الأخيرين، وأن نلمس كيف تلتقط الطبيعة أنفاسها من جديد…

ما هو الكتاب الذي تنصحون محبّيكم في لبنان والشرق الأوسط بقراءته في فترة الحجر المنزلي؟

حكايات لافونتين (Les Fables de La Fontaine) التي تغوص في الطبيعة البشرية، وهي بمثابة موسوعة في هذا المجال.

اضف رد