الرئيسية / مقالات / هل ينتظر النظام الإقليمي الجديد النظام الدولي الجديد؟

هل ينتظر النظام الإقليمي الجديد النظام الدولي الجديد؟

يبقى من الأفضل، في ظل عدم حصول تطوّر جديد على الساحة اللبنانية واستمرار الصراع بين حكومة الرئيس حسان دياب وداعميه من أحزاب ومرجعيات وسياسيين ورجال دين وبين حاكم مصرف لبنان وداعميه أيضاً من أحزاب وتيارات ورجال دين بعضها علناً وبعضها “مستتراً”، تناول أزمات إقليمية معقدة والمحاولات التي يبذلها أطرافها المتناقضون للمحافظة على أدوارهم ومصالحهم، ولاستقطاب تأييد القوى الدولية الكبرى لهم وفي الوقت نفسه للحؤول دون نجاحها في حال كانت مواقفها معارضة لهم. وانغماس الإعلام اللبناني المتنوّع في هذا الصراع وكذلك “شعوب” لبنان و”الثورة الشعبية”، التي بدأ أعداؤها في كل الطوائف وهم سادتها في السياسة والدين وفي اعتبار الدولة ومؤسساتها ومرافقها “بقرة” لا بد من الحصول على حليبها حتى يجف ضرعها فيبنون دولة جديدة أي “بقرةً حلوباً” على أنقاضها من دون أن يغيّروا “عاداتهم السيئة”، ويستخدمون “شعوبهم” لحلبها كما فعلوا مع دولة الاستقلال ثم مع دولة الطائف، انغماس الإعلام اللبناني هذا كافٍ ووافٍ في هذه المرحلة رغم أن معظمه صار جزءاً من الاصطفاف والصراع لأسباب عدّة طائفية ومذهبية و”مصلحية” متنوّعة ولا سيما في ظل الفقر الباسط ظلّه على اللبنانيين، كما في ظل جفاف مصادر التمويل الخارجية له وإحجام أصحاب المؤسسات فيه المهمة منها والأقل أهمية عن التفريط بالثروات التي جنوها منها من أجل مساعدة العاملين معهم على تلافي مدّ اليد الى السياسيين والأحزاب والتيارات بل الى التذلّل لهم تأميناً لقوتهم وقوت عيالهم.

ماذا في الأزمات الإقليمية والى إين تسير؟ هي لا تزال تنتظر كما جاء في “الموقف هذا النهار” أكثر من مرة توافق الدول الكبرى في العالم على نظام إقليمي جديد ثم توافقها عليه مع الدول الإقليمية الكبرى كي تبدأ مسيرة الحلول لها. لكن ذلك ينتظر أيضاً إصلاح الخلل في النظام الدولي بعدما أخفقت الولايات المتحدة في ممارسة زعامتها الآحادية للعالم لأسباب متنوّعة رغم استمرارها الدولة الأعظم والأقوى والأكثر تطوراً فيه. ولا نستعمل هنا مصطلح إقامة نظام دولي جديد لأن المرشحين لدخوله شركاء لها فيه يحتاجون الى وقت طويل كي يشمل تطويرهم لدولهم على نحو يبرّر شراكتهم الجدية المتساوية مع أميركا. كما أن الدول الكبرى التي كانت عظمى قبل عقود بل قرون وحوّلتها الحرب العالمية الثانية كبرى والدولة التي صارت عظمى بعد هذه الحرب ثم تدنّت رتبتها لكن بقيت كبرى (روسيا) تحتاج الى وقت كي تقبل واقعها وتتفاهم مع أميركا ولاحقاً بعد عقد أو اثنين أو أكثر على شروط الشراكة. وهي شراكة غير قانونية لأن شراكة السياسة تحكمها موازين القوى بخلاف الشركات المساهمة التجارية والصناعية و… التي يحكمها القانون إضافة الى موازين الحصص والثروات. لكن الانتظار المشار إليه أعلاه لا يعني أن ملامح النظام الاقليمي الجديد المنتظر لا تزال غير واضحة. فأحدها هو “الفدرلة” للدول التي تحتاج إليها وتتحملها في آن، و”اللامركزية الموسعة جداً” للدول التي تُعتبر الفيديرالية “مبهبطة” عليها لأسباب متنوعة، والكونفيديرالية بين “الدول” التي لا تتحمل فدرلة أو لامركزية صورية ثم تسيطر فيها مكوناتها الكبيرة على الصغيرة ولا سيما في عالم ثالث متخلّف شهد تجارب “وحدوية” من هذا النوع. طبعاً التقسيم يتحدث عنه كثيرون كاحتمال لا مفرّ منه عند الضرورة في دول قليلة، لكنه ليس سهلاً لاعتبارات متعددة. وقد تناول “الموقف هذا النهار” يوم أمس الفدرلة في سوريا وفي “اليمن السعيد” اسماً فقط التي قد يعود التقسيم اليه إذا فرط مشروع فدرلته. وسيتناول اليوم العراق إذ أن الفيديرالية نصّ عليها دستور دولته في النظام الذي تأسس بعد اسقاط صدام حسين ونظامه. لكنها لم تطبّق قانوناً وإن جعلتها التطورات التي حصلت داخله والمداخلات الدولية والاقليمية فيه أمراً واقعاً. علماً أن الخلاف عليها لا يزال قائماً. فالغالبية الشيعية تعتبر الفيديرالية بين العرب في مناطقهم وأكراده في منطقتهم الذين افتُرض تمثلهم بحكم ذاتي. لكن ما حصل في العراق جعل عربه وربما كانوا كذلك دائماً عربيْن سنّة وشيعة لكلٍ منهما مناطقه، وجعل السنّة عملياً وإن لم يعلنوا ذلك رسمياً ميّالين الى فيديرالية يكون لهم فيها إقليمهم الخاص. وساهم في ذلك رفض الشيعة هذا الأمر ونجاحهم في السيطرة على مناطق السنّة وخصوصاً بعدما احتل تنظيم “داعش” العراق السنّي وبعض سوريا وأعلن دولة الخلافة الإسلامية التي قضى عليها الشيعة بمساعدة أميركا وإيران المتعاديتين والمتعاونتين في آن واحد. ماذا عن العراق وفيديراليته أيضاً؟ يجيب متابعون جديون له بالقول أن أوضاعه المتشعبة والتدخل الاقليمي الدولي فيه أن إيران الاسلامية نجحت بعد الهيجان الشعبي والشيعي عموماً الذي حصل داخلها وفي العراق في أعقاب قتل أميركا ترامب الحاج قاسم سليماني في إعادة استيعاب الأوضاع العراقية وأبرزها بل أخطرها في حينه موجة الاحتجاجات الشعبية الحاشدة ذات الغالبية الشيعية على الأطراف السياسيين الحاكمين فيها بسبب فسادهم وعدم اهتمامهم بتوفير المقومات الدنيا لهم كي يعيشوا بكرامة وبحبوحة رغم الغنى الكبير والمتنوّع لبلادهم. لكن ذلك لم يحصل من دون تقديم إيران تنازلات وإن غير نهائية وثابتة للشيعة المعارضين تدخلها المباشر في العراق بل حكمهم له وفي الوقت نفسه للأكراد والسنّة. وكان في ذلك دورٌ لأميركا إذ دعمت التظاهرات الشعبية التي عمّت بغداد وامتدت منها الى عدد مهم من مدن الجنوب الشيعي، والتي سقط فيها عددٌ كبير من القتلى فضلاً عن آلاف الجرحى. غير أن إيران لم تستسلم وحاولت المحافظة على حكومة الدكتور عادل عبد المهدي وكان من اختيارها ولا سيما بعدما صار موالياً لها بالكامل في حين كانت تظن سابقاً أنه أميركي وإيراني في آن. ماذا حصل بعد ذلك؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد