الرئيسية / أخبار الاقتصاد / هل يملك سلامة فعلًا وسائل الدفاع عن الليرة أم تطمينات؟ إجراءات في وجه المضاربين والأرقام تؤكد استحالة الانهيار

هل يملك سلامة فعلًا وسائل الدفاع عن الليرة أم تطمينات؟ إجراءات في وجه المضاربين والأرقام تؤكد استحالة الانهيار

موريس متى
النهار
01122018

ارتفعت حدة الازمة السياسية خلال الاشهر الماضية ما أجج المشاكل الاقتصادية والمالية التي تعانيها البلاد على شتى الصعد. فتآكل المالية العامة مستمر والمؤشرات المالية والمعيشية والاجتماعية، ما اشاع أجواء قلق وخوف بين اللبنانيين، لناحية قدرة البلاد على الايفاء بالتزاماتها ومستحقاتها، وصولاً الى الحديث عن احتمال التعثر في السداد وانهيار الليرة.

أثارت خطوة رفع نسب الفوائد المصرفية الى مستويات مرتفعة خلال الاشهر الماضية، بالاضافة الى ما حكي عن نقص في السيولة وضغوط تتعرض لها الليرة اللبنانية، وغيرها من التطورات، أثارت كلها الخوف لدى اللبنانيين حول إستقرار الوضع النقدي، وبخاصة مع إشاعة أجواء عن حصول إنهيار إقتصادي ومالي وشيك. أما حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فلا ينفكّ عن التأكيد مراراً وتكراراً وفي كل المناسبات، والمؤتمرات والاجتماعات على إستمرار ثبات سعر صرف الليرة وإمتلاك المركزي لكل الوسائل والامكانات للمحافظة على هذا الاستقرار. والكلام عن إنهيار لليرة اللبنانية، لا يمكن وضعه الا ضمن الضغوط التي تمارسها بعض القوى لمآرب سياسية ومصالح خاصة.هذا ويؤكد سلامة دوماً ان لمصرف لبنان مجموعة أدوات وإمكانات يلجأ اليها لحماية الليرة اللبنانية.

أرقام غير مشجعة

بالعودة الى الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد، فان الارقام غير مطمئنة، اذ ان النمو الاقتصاد المتوقع لسنة 2018 يبقى قرب 1% بالمقارنة مع دين عام يقارب 84 مليار دولار، ونسبة بطالة تعدت 35% بين الشباب، اضافة الى نسبة تضخم تقارب 6.5%. أما الحركة الاستثمارية، فتبقى خجولة في البلاد، وبخاصة في ظل المخاوف التي تعصف بالاسواق، في الوقت الذي يفضل فيه المستثمرون في هذه الظروف الاستفادة من نسب الفوائد المرتفعة في المصارف، ما يحد من شهية وجدوى الاستثمار في هذه الظروف. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ، فالعجز في الميزان التجاري يقبع عند 15.5 مليارات دولار حتى نهاية شهر أيلول من 2018 مع عجز في ميزان المدفوعات عند 1.3 مليار دولار. أما العجز العام المتوقع لسنة 2018، فتشير بعض التقديرات الى انه سيكون أكبر بكثير من العجز الذي توقعته الموازنة لهذه السنة ليصل الى أكثر من 8000 مليار ليرة.

كيف يُمكن ان يواجه سلامة هذه الأرقام؟

تبقى لحاكم مصرف لبنان كلمة الفصل في كيفية الاستمرار في الحفاظ على الاستقرار النقدي والثبات الذي يتعهد المحافظة عليه منذ توليه سدة الحاكمية، ليصبح بند “الحفاظ على الاستقرار والثبات النقدي” مادة اساسية في دستور مصرف لبنان. ولطالما نبّه سلامة الى أنه في ظل إقتصاد ضعيف غير مستقر تحكمه الخبطات السياسية والامنية والمفاجآت، ان إستمرار ضمان ثبات سعر صرف الليرة لن يتم إلا عبر تكوين إحتياطي مرتفع من العملات الأجنبية، ما دفعه الى اجراء سلسلة هندسات مالية لإستقطاب العملات الاجنية بعدما كان إحتياطي مصرف لبنان عند تسلم سلامه مهماته في العام 1993 قرب 1.4 مليارات دولار. أما اليوم، فإحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، تقارب 42 مليار دولار منتصف تشرين الثاني 2018 بحسب ميزانية مصرف لبنان، تضاف اليها الاحتياطات التي كونها المركزي من الذهب وتصل قيمتها الى حوالى 11.2 مليار دولار، مع إضافة أصول المصارف اللبنانية في المصارف المراسلة ليصل الرقم الاجمالي الى نحو 65 مليار دولار وهو ما يكفي لتغطية 83% من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية الموجودة في الاسواق، مع وضع فرضية أن كل اللبنانيين قاموا بتحويل كل أموالهم من الليرة إلى الدولار الأميركي، وهذا أمرٌ شبه مُستحيل نظرًا إلى أسعار الفوائد العالية والقياسية التي سمحت بلجم الطلب على الدولار بنسبة كبيرة حيث تؤكد مصادر مطلعة على هذه العمليات أن الطلب على الليرة والدولار شبه متساو خلال هذه المرحلة.

ومن الخطوات الاساسية التي لجأ اليها سلامة، هو إصدار تعميم يفرض على المصارف تخصيص 4 ليرات للإحتياط من كل ليرة يتمّ إقراضها. تضاف الى هذه الاجراءات، ما المح اليه حاكم مصرف لبنان حول سلاح سيستخدمه في وجه من سيحاول المضاربة على الليرة اللبنانية، ضمن حفاظه على إستدامة إستقرار سعر صرف الليرة، حتى تحدثت بعض المعلومات عن ان سلامة الذي تحفّظ عن ذكر نوع هذا السلاح بحكم أن الإعلان عنه يُفقده عنصر المفاجأة، قد يلجأ الى نوع من الهندسة المالية التي قد تُطيح بالمصرف او المُستثمر الذين يقوم بأي خطوة قد تكون على شكل عملية مُضاربة على الليرة، مُعتمدًا على عملية “خلط” لبعض الأصول المالية التي يمتلكها.

ولا بد من التأكيد ايضاً ان مصرف لبنان سعى الى تشجيع الإستهلاك والإستثمار وتحفيز الإنتاج والنمو والعمالة وخلق فرص عمل من خلال القروض الميسرة والمدعومة التي قدمها وعمل جاهدا على السيطرة على نسب التضخّم في مقابل هذه القروض التي تمّ منحها، وهي مهمة شاقة بالنسبة الى المركزي، الذي أجبر ايضاً على إتخاذ قرارات جرئية متعلقة بالسيولة والإحتياطات الإلزامية، والتحوط من مخاطر القروض المتعثرة وغيرها، وكلها تستند الى قانون النقد والتسليف الذي يعتبر “دستور” مصرف لبنان.

شخصية عنوانها الثقة

أما على الصعيد الشخصي، فحاكم مصرف لبنان الذي اختارته أهم المؤسسات الدولية والعالمية وخلال سنوات عدة، ضمن أهم حكام البنوك المركزية في العالم، نظرا الى تكيّف سياساته النقدية مع الاوضاع السياسية والاقتصادية والمالية ونجاحه في الحفاظ على الاستقرار النقدي، ومواجهة التحديات النقدية، فيتمتع شخصه بمصداقية عالية كفيلة ودائماً بالاستحصال على أي دعم دولي، أو قروض ميسرة بشروط وفوائد مُخفضة من مصارف عالمية إذا ما دعت الحاجة. لا بد من التذكير بما قاله نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط فريد بلحاج في حديث لـ”النهار” شدد فيه على صوابية السياسة النقدية التي يعتمدها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يؤدي دورا محوريا وإيجابيا في الحفاظ على الاستقرار”، مؤكدا ان البنك الدولي “لديه كل الثقة بأن مصرف لبنان سيضع مرة جديدة أسسا ويتخذ إجراءات مهمة للحفاظ على استقرار الاوضاع”.

وبالعودة الى الوضع النقدي، ما يجب الجزم به، هو إستحالة ان يشهد لبنان أي إنهيار لسعر صرف الليرة أو حتى خفض قيمتها، كما يجب التأكيد على ان سياسة مصرف لبنان، والادوات التي يمتلكها والقدرات التي كونها خلال السنوات الاخيرة، تمنع ايضاً ما يشاع عن “إنهيار” إقتصادي للبنان. ويبقى السؤال حول كيفية تلبية سلامة لمطالب الحكومة ممثلة بوزارة المال في ما يتعلق بتأمين التمويل اللازم للمالية العامّة لتغطية مستحقاتها للمرحلة المقبلة؟ ولهذه الغاية عقدت سلسلة إجتماعات خلال الاسابيع الماضية، تمحورت حول الاصدارات وشروطها واسعار الفوائد، والتباين في الاراء لناحية تأمين هذه الاموال. هذا وأكد سلامة إستعداده مرة جديدة تأمين التمويل اللازم لأجور القطاع العامّ من دون أي تحفّظ، كذلك الأمر بما يخصّ الديون المُتوجّبة مع اللجوء الى مزيد من عمليات إستبدال السندات اي ما يعرف بالـ”سواب” لإستبدال الإستحقاقات بقروض جديدة بفوائد أعلى. ولكن، في ما يتعلق بكيفية تمويل الإنفاق الجاري، فمعلومات “النهار” تؤكد انه لن يتنازل عن شروط وضعها لتأمين التمويل تبدأ بإصلاحات هيكلية وبنيوية في القطاع العام للجم الإنفاق العام وخفض العجز ووقف التوظيف في القطاع العام لفترة محددة مع إتخاذ الاجراءات اللازمة على صعيد محاربة التهرّب الضريبي، وصولا الى مكافحة الفساد وتحفيز النشاط الإقتصادي وحلّ مُشكلة الكهرباء. وكلها إجراءات وردت ضمن تعهدات لبنان خلال مؤتمر سيدر، ويجب البدء بها مع خروج الدخان الابيض للحكومة الجديدة.

ميزان المدفوعات

وصل عجز ميزان المدفوعات نهاية اول 9 اشهر من 2018 الى ما قيمته 1.3 مليار نتيجة إرتفاع العجز في الميزان التجاري مع زيادة الأجور في القطاع العام، مما فرض رفع للفائدة على الليرة اللبنانية بهدف لجم السيولة وكبح جماح السلوك الإستهلاكي الضخم للبضائع الأجنبية. ويعتبر عجز ميزان المدفوعات عامل ضغط اساسياً على سعر صرف الليرة اللبنانية. ولكن إرتفاع أسعار الفائدة على الدولار كفيل بتغطية هذا العجز قبل نهاية 2018.

الإستراتيجية التي وضعها رياض سلامة منذ توليه حاكمية مصرف لبنان:

– إعادة الثقة بالليرة اللبنانية.

– دعم الإقتصاد اللبناني عبر تأمين دعم للقطاعات الإنتاجية.

– خلق بنية مصرفية قوية تسمح بتأمين الأموال للماكينة الإقتصادية.

– تحقيق إندماج عمودي في النظام المصرفي والمالي العالمي.

maurice.matta@annahar.com.lb

Twitter: @mauricematta

اضف رد