هل يلجأ لبنان إلى الخارج طلباً لبرنامج إنقاذ؟

31 يوماً على انتفاضة الشارع و٢٠ يوما على استقالة رئيس الحكومة، ولا يزال التعاطي الرسمي في حالة إنكار ومكابرة للانعكاسات الخطيرة المترتبة على شلل البلاد وتعطل مؤسساتها الرسمية وقطاعاتها الانتاجية.

تسعى القوى السياسية المعنية بمسار تأليف الحكومة جاهدة من أجل الحفاظ على مكتسباتها، ورفع سقف شروط التفاوض على التركيبة الحكومية المقبلة، بحيث تحافظ على سيطرتها ونفوذها في السلطة. وفيما تتركز جهود كل الأفرقاء على تسجيل نقاط وكسب جولات في معركة الحفاظ على السلطة، تمعن البلاد في الانزلاق الى مستويات خطيرة جداً ماليا ونقديا واقتصاديا، مهددة بانفجار اجتماعي كنتيجة حتمية للانهيار النقدي والمالي الذي بلغته.

قبل أيام صدر تقرير مؤسسة “ستاندرد انه بورز” مخفضا تصنيف لبنان السيادي، مع نظرة سلبية، بعدما كان “قيد المراقبة”، وذلك بعد أيام على تقرير خفض تصنيف ثلاثة مصارف كبرى. وقد صدر التقرير في توقيت غير منتظر بعدما كانت المؤسسة أمهلت لبنان ستة أشهر منذ تقريرها الاخير، وخفضت المهلة الى ثلاثة بعد استقالة الحكومة، لتعيد تقصيرها الى شهر، بعدما بدا لها من التعامل الرسمي مع الازمة القائمة عجزا وتراجعا في الاداء، فيما المخاطر التي حذرت منها المؤسسة، وسبقتها اليها زميلتها “موديز” على صعيد الاحتياطات والمالية العامة، تزداد حدة وسط غياب كامل للمعالجات.

ثلاث نقاط تشكل أخطارا أساسية انزلق اليها لبنان بفعل العجز السياسي عن إصلاح الأخطاء المرتكبة نتيجة الجشع، وهي النقاط عينها التي سترسي عمليا معالم الانهيار الذي تكابر السلطة في الاعتراف بحصوله، وباتت تشكل مصدر التحذير الأساسي لوكالات التصنيف:

■ ارتفاع احتمالات انهيار العملة الوطنية، بعدما أصبح السعر الرسمي المعلن عن المصرف المركزي وهميا وخارج إطار التعاملات، مع استمرار إقفال المصارف أبوابها.

■ اضطرار السلطات الى الإعلان الرسمي عن القيود على التحويلات والسحوبات الى الخارج او ما يعرف بـ” Capital Control”، بعدما أفصح عنه حاكم المصرف المركزي في شكل غير مباشر، في الجملة عينها التي نفى فيها الامر. فالقيود باتت أمرا واقعا، تفرضه المصارف على عملائها في ظل شُح السيولة لديها المتفاقم يوما بعد يوم. وتدرك إدارات المصارف كما حاكم المركزي أن تلبية طلبات التحويل الى الخارج ستؤدي عمليا الى انهيار عدد كبير من المصارف، ولن يكون لدى المصرف المركزي القدرة على السيطرة على التعثر، خلافا لتطمينات الحاكم.

■ اضطرار السلطات المالية الى اللجوء الى اعادة هيكلة الدين، تماماً كما أعلن قبل أشهر وزير المال، مثيرا الهلع، ومضطرا الى سحب كلامه من التداول بعدما أدى ذلك الكلام الى خروج رساميل من البلد. تكشف “ستاندرد انه بورز” في تقريرها

تراجع احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية القابلة للاستعمال من 19 مليار دولار إلى 17.9 ملياراً، متوقعة أن تنخفض إلى 11.1 مليار دولار في نهاية 2020 و5.7 مليارات دولار في نهاية 2021 لتصبح 257 مليون دولار في نهاية 2022. كما توقعت استمرار هروب الودائع بوتيرة متزايدة، وارتفاع نسبة الدولرة، وتراجعا إضافيا في احتياطات مصرف لبنان، وهو ما يعني ان الاحتياطات المعلنة ستتقلص بقيمة 4 مليارات دولار

ويثير استمرار المصارف والقيود غير الرسمية على السحب والتحويل تساؤلات المؤسسات الدولية عن استدامة سعر صرف الليرة واستمرارية هذا النظام، بما يؤدي إلى مزيد من تدهور الثقة. ولا تستبعد هذه المؤسسات، في ظل العجز المالي الكبير وحاجات الاستيراد، ان تحتاج الحكومة إلى دعم المانحين الدوليين، أو سلة إصلاحات محلية واسعة من أجل الاستمرار في خدمة الدين الذي بات يمثّل 148% من الناتج في ٢٠١٩.

ماذا يعني هذا الكلام؟ والى أين يؤدي إذا استمر الكباش السياسي على الحكومة على حاله من التعقيد، وإذا استمرت المصارف مقفلة؟

لا ترسم حركة الاتصالات السياسية أي أفق مشرق أو واضح لمآل الازمة السياسية. وفيما قررت المصارف في اجتماع عقدته مساء امس الاستمرار في الاقفال، بالتناغم مع قرار موظفيها، كشفت مصادر مصرفية ان المصارف رسمت معادلة واضحة الشروط لعودتها الى العمل، مفادها أن لا استئناف للعمل قبل بدء الاستشارات النيابية الملزمة، فمخزون الدولار يشح، والمصارف لم تعد قادرة على تلبية الطلبات الملحة لعملاء مذعورين بسبب الوضع السياسي وانعدام الثقة، الامر الذي تتحمل المصارف تبعته من خلال التهافت على صناديقها. واعتبرت أن الإقفال هو القرار السليم والحكيم الذي يستوعب حال الذعر السائدة في انتظار استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وفي رأي هذه المصادر أن السلطة قدمت نموذجا فاشلا في ادارة الازمة، مستبعدة ان تتمكن، في ظل ادائها الحالي، وتحت وطأة شارع صاخب، من النجاح في اخراج البلاد من المأزق الخطير الذي بلغته، ومعتبرة أن لبنان لم يعد قادرا بسلطته الحالية على إدارة أموره، وسيكون من الملح التوجه الى الاسرة الدولية لطلب الدعم، تماماً كما تتوقع “ستاندرد اند بورز”.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*