الرئيسية / home slide / هل يكون غداً يوماً آخر في الفاتيكان؟

هل يكون غداً يوماً آخر في الفاتيكان؟

30-06-2021 | 00:27 المصدر: النهار

غسان حجار @ghassanhajjar

هل يكون غداً يوماً آخر في الفاتيكان؟

لعلَّ السؤال عمّا إذا كان غداً يوماً آخر في #الفاتيكان يحمل ضمناً الكثير من التفاؤل عن إمكانية التغيير، الايجابي طبعاً ، اذ ان التغيير في #لبنان صار مرادفاً لكل ما هو تدهور، علماً أنّ ما يعيشه لبنان حالياً من انهيارات على كل المستويات، صار يتطلّب أعجوبة حقيقيّة بعدما بلغت أوضاعه هذا التأزم غير المسبوق.
يدرك الفاتيكان تماماً أهميّة لبنان، كما كتب الدكتور داود الصايغ قبل أيّام في “النهار”، ويجهد للمحافظة عليه صيغة ورسالة ونقطة مركزية لمسيحيّي الشرق، لأنّ الدور المسيحي في لبنان، لا يزال مُتقدّماً على ما عداه في دول المشرق، رغم وجود أعداد مضاعفة من المسيحيّين في مصر. بل لعلّ الدور المسيحي فيه الأبرز عالميّاً، إذ لا يمكن لكنيسة الغرب في ظلّ العلمنة السائدة هناك، أن تُطالب بحصص في الدولة ومؤسّساتها السياسيّة والإداريّة والأمنيّة، وان تتدخل في الشأن العام كما هو حاصل في لبنان.

  ويُدرك الفاتيكان جيداً، التغيّرات والتبدّلات، في فاعلية الكنيسة ودورها في لبنان، إذ انّها، إلى النزيف الذي تعانيه من هجرة أبنائها، فإن مقوّمات صمودها باتت مُهدّدة، وهي تتمثّل بالمؤسّسات التعليميّة والاستشفائيّة والرعائيّة والخدماتيّة.

 ف#المدارس الكاثوليكيّة، ومعها مدارس الطوائف المسيحيّة الأخرى، ورغم أنّها الاكثر عدداً، والأكثر اتّساعاً، وبالطبع الأكثر انفتاحاً، ورغم مستواها التعليمي الجيّد، فإنّها مُهدّدة بفعل الأزمة الاقتصاديّة والماليّة، وخصوصاً مدارس المناطق والأرياف، ولا يمكن للرهبانيّات أن تستمر في تغطية عجزها إذا ما استمرّت الأزمة طويلاً. أضف أن تلك المدارس فقدت هويّتها في عدد من المدن والقرى التي تضاءل فيها عدد المسيحيّين إلى حدٍّ بعيد. ولولا المساعدة الفرنسية الطارئة هذه السنة لأقفلت مدارس عدة.

 وليس وضع المستشفيات والمراكز الرعائية والخدماتيّة أفضل حالاً، إذ ان ضعف موازنات الدولة، وبطء السداد لدى الجهات الضامنة، والجديد تهرّب شركات التأمين من التزام واجباتها، وتراجع المعونات الداخليّة والخارجيّة، بسبب الأزمة الاقتصاديّة العالميّة وجائحة كورونا، ستؤدّي حتماً إلى تراجع نوعية الخدمات، وصولاً إلى إمكان إقفال بعضها. وهذا الإقفال لا يحرم الكنيسة مؤسّسة اضافية، بل يحرم المجتمع اللبناني تلك الخدمة التي تؤمّنها الابرشيات والرهبانيّات والأديار لأناس من مختلف الطوائف. ولعلّ مستشفى دير الصليب وعدداً من دور الرعاية لذوي الحاجات الخاصّة أكبر مثال على ذلك.

 وقد كشفت أرقام أخيرة، ولو غير دقيقة تماماً، عن تضاعف أعداد طالبي #الهجرة الى أي مكان في العالم يوفّر حياة كريمة، ولا يجعل المستقبل معلّقاً ومحفوفاً بالمخاطر التي لا تغيب عن حياة اللبنانيّين وإنْ تنعّموا من وقت إلى آخر بأوقات مميّزة يوفّرها لهم حبّهم للحياة. 

ولا يغيب عن الفاتيكان، بعض المشاكل الداخلية التي تعيشها أبرشيّات ورهبانيّات (والتي لا مجال لها هنا الآن)، وضرورة المساهمة في حلّها حتّى لا تتفاقم وتؤثّر على الدور والخدمة والمؤسّسات، بل على الوجود. 

أمام هذا الواقع الأليم، ولمّا كان غير ممكن عقد سينودس جديد للبنان، لان السينودسات عادة لا تخصص لبلد، وسينودس لبنان كان استثناء، كانت دعوة البابا فرنسيس رؤساء الكنائس المسيحيّة (وليس الكاثوليكيّة فقط) الى لقاء صلاة وتفكير، مع أوراق عمل يحملها البطاركة إلى عاصمة الكثلكة، يمكن إذا ما جُمعت، تنسيقها، وإخراجها في خطّة عمل، لدعم صمود المسيحيّين، وتالياً اللبنانيّين، والاهم المحافظة على لبنان الآخذ في التدهور السريع.

 ويُدرك الفاتيكان جيّداً، أن الأزمة ليست داخليّة فقط، ويُتابع باهتمام تعثُّر المبادرة الفرنسيّة، التي لم تحظَ بدعم واضح من الإدارة الأميركيّة. وتجري دوائر الكرسي الرسولي اتصالات مع واشنطن وعواصم القرار، أملاً في تحريك المساعي لتحييد لبنان عن صراعات المنطقة ما أمكن، وعدم ربطه بمفاوضات أميركيّة – إيرانيّة، او حوارات اميركية – روسية، أو اتصالات عربيّة – عربيّة، أو مصالحة مع سوريا، وغيرها من الاستحقاقات التي لا تنتهي. وتحييد لبنان لا يتبنّى كليّاً مؤتمر الحياد الذي دعا إليه البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي الذي رفع اقتراحه إلى البابا، وتتولّى دوائر الفاتيكان درسه. 

ويُدرك البابا وإدارته أنّ التأثير الخارجي على لبنان هو الأفعل دائماً، فالحلول في تاريخه الحديث، صيغت في الطائف والدوحة، وغالباً في دمشق والرياض… لكن الفاتيكان يفهم تماماً أن التوافق الداخلي، والتعاون في ما بين الكنائس، والتنسيق مع الطوائف الأخرى، إنّما تساهم في فكفكة العقد الداخليّة، وتقريب وجهات النظر، وتوفير حلول، تُطبَّق بمباركة خارجيّة، اقليمية ودولية.

 اليوم يحمل البطاركة إلى روما أوراق عمل، تختلف تماماً عن التوصيات التي صيغت للسينودس الخاص بلبنان، والتي صدرت في الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان” بشكل إنشائي عام، يتناول الخطوط العريضة، والمبادئ العامة، والخطوات الواجب القيام بها من دون الدخول في التفاصيل. ترك الإرشاد الرسولي للكنائس المحلية ترجمة بنوده، في خطط عمل وبرامج تنفيذية، أُنشئت من أجلها لجان سرعان ما تبدَّدت ولم تنتج الكثير.

 يقول مطارنة وكهنة إن التجدّد في كنيسة لبنان إنّما أرسته مسيرة الإعداد للسينودس، اي مرحلة الإعداد، لأنّها اطلقت حلقات التفكير، ونمّت الوعي الجماعي، بما يقود إلى التغيير الإيجابي. لكن الحقيقة أيضاً، أن توصيات الإرشاد الرسولي، وإنْ ساهمت في التجدُّد، إلّا أنها ظلّت أشبه بـ”حبر على ورق”، من دون متابعة جدية حثيثة. 

لا يمكن وضع الكنيسة في موقع المتّهم بالتقصير، لأنّ الظروف المحيطة تخرج عن إرادتها، ولا يمكن التأثير بها فهي نتاج صراعات اقليميّة أو تحالفات دوليّة، لكن الواضح أيضاً أن الممكن لم يتحقّق كما يجب، وغابت الخطط الطويلة والمتوسّطة الأمد، والأعمال المشتركة، وفي هذا تقصير محلّي، ومسؤوليّة بابويّة في آن واحد، إذ إن رهبانيّات كثيرة تحظى بالرعاية الحبرية وتخرج عن طوع الرؤساء الكنسيّين في لبنان وتخضع للفاتيكان مباشرة. من هنا فإنّ عدم تطبيق الإرشاد الرسولي، يقع على عاتق الاثنين معاً. 

والرهان اليوم على ان يخرج اجتماع روما بتوافقات ومشاريع قابلة للتطبيق ومرفقة بخطط تنفيذيّة واقعيّة، فتستعيد الكنيسة ثقة أبنائها، وتعمل على تثبيتهم، وتستعيد دوراً كان لها في قيام لبنان الكبير وفي الدفاع عنه والمحافظة عليه.الكلمات الدالةلبنانالفاتيكانالمدارس الكاثوليكيّةالمسيحيينالهجرة