هل يكافحون الفساد على طريقة محمد بن سلمان؟

“حزب الله” مصمم على المضي قدماً في محاربة الفساد من خلال الحكومة الجديدة. وهذا أمر وعد به أمينه العام السيد حسن نصرالله قبل أشهر ثم كرّر وعده في ظهوراته الاعلامية الأخيرة. وقد أكد هذا الموقف نائب “الحزب” السيد حسن فضل الله في خطابه في “جلسات الثقة”.

على أي فساد سيركّز “الحزب” في الحكومة؟ الفساد الناجم عن التعاطي مع موضوع الكهرباء أو النفايات أو المياه أو المطار أو البنى التحتية وموضوعات أخرى كثيرة غيرها؟

يعتقد متابع من قرب لـ”حزب الله” ولحركته أن هدفه الآن، والحكومة تخطو خطواتها الأولى بعد نيلها الثقة، مساعدتها على الاقلاع. وذلك يتم بتصديها لكل القضايا والمشكلات الطارئة والمزمنة ولكن بعد اعطائها الأولوية لموضوعين بالغي الأهمية هما الكهرباء والنفايات. فاللبنانيون يحتاجون الى الأولى، ودولة لبنان تحتاج اليها بعدما صارت عبئاً عليها وعلى الخزينة وكذلك على المواطنين الذين اضطرهم غيابها وفشل من توّلوا مسؤولية تأمينها في تنفيذ وعودهم بتوفيرها على مدى 24 ساعة سواء لعدم اهتمام ومعرفة أو لرغبة في الافادة المالية من الحلول الجزئية لها، الى اللجوء الى المولدات التي صارت شركة كهرباء موازية محمية من أصحاب النفوذ في الطوائف والمذاهب بل في “الشعوب” اللبنانية، ثم الى البواخر المنتجة مع رفض كل التزام جدي خارجي عربي أو أجنبي للمساعدة. أما الثانية أي النفايات فحل مشكلتها ملحّ بدوره لأنها عرّضت صحة اللبنانيين للخطر الدائم وشوّهت سمعته وضربت سياحته وجعلت الحياة فيه مستحيلة. وفي هذا المجال يلفت المتابع نفسه الى أن “الحزب” سيراقب مسيرة الحكومة، ولن يسكت أبداً إذا وجد أنها أعطت الأولوية لمشكلة موجودة واجبة الحل مثل الاتصالات لكنها ليست أولوية، وتباطأت في إيجاد حل مقبول شعبياً وبيئياً للكهرباء والنفايات وكل ذلك من أجل إبقاء أبواب الهدر والسرقة مفتوحة على مصراعيها.

هل يستطيع “حزب الله” ربح معركة الفساد؟

السؤال كبير والجواب عنه بالغ الصعوبة ليس لأن “الحزب” غير جدّي في معركته، بل لأنه قد يكون أصبح مشكلة مستعصية تتطلب حلولاً جذرية تغييرية قد لا يستطيع القيام بها رغم اقتناعه بضرورتها. وربّما لهذا السبب أشار أمينه العام السيد نصرالله في ظهور إعلامي له بعد “الاحتجاب” المعروف الى أنه سمع من صديق أن المعركة ستكشف فساداً لكنها لن تكشف فاسدين، إما بسبب غياب القوانين المناسبة أو بسبب الامتناع عن تطبيقها. وهنا تحدث عن التلزيمات بالتراضي وبملايين بل بمئات الملايين من الدولارات. وربما للسبب نفسه أيضاً استعمل في ظهور إعلامي أخير له كلمة “استرجاع” الأموال المسروقة من الدولة. والسؤال كبير والجواب عنه بالغ الصعوبة أيضاً لأن الانطباع العام في البلاد أن الفساد يشمل كل الطوائف والمذاهب والأحزاب والزعامات أو غالبيتها، ولأن الفاسدين وهم الغالبية يتهمون “الحزب” بالفساد لحماية أنفسهم ولإقناع “الشعوب” ان “ما حدا أحسن من حدا” أو “أنضف” في هذا الموضوع. أما غير الفاسدين وهم أقلية فيتبنّون الاتهام نفسه لأسباب سياسية. والجهتان تجمعان على نزاهة السيد نصرالله وعدد من كادرات حزبه. لكنهما تعتبران أن سيطرته على مرافق عامة مهمة في البلاد وفي معركته سواء ضد اسرائيل أو أميركا أو حلفائهما، كما في حربه الى جانب الجمهورية الاسلامية الايرانية وسوريا بشار الأسد، فتحت الباب في شكل أو في آخر لفساد في بيئته. فأفرادها بشر والبشر يخطئون، واللبنانيون صار الفساد سمة ملازمة لهم بعدما تيقّنوا من فساد زعمائهم على تنوّعهم. والمرافق المُشار اليها يمكن استعمالها في كل الأعمال غير المشروعة.

لهذا السبب يخشى البعض من أنصار “حزب الله”، والبعض من مقدّري دوره الحاسم في تحرير لبنان من إسرائيل عام 2000 رغم عدم موالاتهم له، أن لا يحقّق في معركة الفساد النتائج الحاسمة. إذ باسم القضية عند كل فريق وطنية أو دينية أو مذهبية أو شخصية نشأت ومن زمان “صناديق سوداء” ومُلئت بالمال الحرام، وكان المبرر الدفاع عن الذات والعقيدة و… وباسم القضية صار الزعماء الكبار وورثتهم، سواء كانت زعامتهم راسخة بعد الحرب أو الحروب أو أعطتهم إياها الحرب أو الحروب، من أغنى الأغنياء ليس في لبنان بل في العالم كله. هذه الصناديق يعرفها “حزب الله” فهل يصادرها أو بالأحرى يكشفها بكل تفاصيلها ويحرج الحكومة والدولة كلها باعتبار أنها غير بعيدة منها؟ وهل الظروف الراهنة في البلاد وظروفه تسمح بذلك؟

والجواب عند محبيه أن ذلك ليس في مقدوره الآن على الأقل، ولهذا السبب فإنهم يفضلون تنفيذ سياسة شبيهة الى حد ما بما فعله ولي العهد السعودي السنة الماضية مع من أسماهم “فاسدين”. علماً أن وراء فعله هذا تكمن ربما أسباب أخرى. أي سياسة تعيد للدولة مليارات بالدولار وليس بالليرة نهبت منها ولا تزال تنهب، وتخفف العجز وترجئ مدة طويلة الخطر الذي دهم النقد اللبناني قبل أشهر قليلة، وكاد أن يتسبب بكارثة وطنية لولا انهاء الفراغ الحكومي، ولولا ما قد تحمله قرارات مؤتمر “سيدر” وغيره واستثماراته المقررة في لبنان من فوائد أذا أحسن اللبنانيون استعمالها. أي إذا أقروا القوانين الاصلاحية المطلوبة واذا أقلعوا عن اعتبار أن لهم حصصاً ثابتة فيها أو على الأقل إذا صغّروا نسبة حصصهم لكي يفسحوا في مجال تنفيذ المشروعات الملحة. ولا بأس في هذا المجال إذا أصر “حزب الله” على تطبيق القانون في حق حفنة من “الفاسدين المهمين” حجماً سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو طائفياً أو مذهبياً، وكمّاً مالياً. إذ ربما يخاف الآخرون.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*