الرئيسية / مقالات / هل يقود جنبلاط السُّنَّة “المحبطين” لمعارضة العهد والحكومة؟

هل يقود جنبلاط السُّنَّة “المحبطين” لمعارضة العهد والحكومة؟

منير الربيع|الخميس16/04/2020
Almodon.com

سعد الحريري ووليد جنبلاط (علي علّوش)

قيل سابقاً: لو لم يكن للدروز زعيمٌ كوليد جنبلاط، لكان مصيرهم كمصير الأيزيديين والكرد. نجح جنبلاط في السنوات الأخيرة في حماية الدروز في محطات ثلاث أساسية: دورهم وموقعهم في لبنان. حماية دروز جبل السماق بإدلب. وزيارته إلى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لحماية دروز السويداء. هكذا نجح جنبلاط في تجنيب الدروز التهجير، على خلاف ما أصاب الأيزيديين، عندما ألغى تنظيم “داعش” الحدود بين سوريا والعراق.

الحسد السّنّيواليوم هناك من يقول: لو أن هناك زعيماً للسّنة كوليد جنبلاط، لما كانت تعصف بهم الأهوال. حسد كبير يموج في نفوس سياسيين من الطائفة السنية تجاه وليد جنبلاط. محطة الحسد الأولى، بدأت عندما وقف جنبلاط بمدخل دار الطائفة الدرزية بعد حادثة قبر شمون، متوجهاً بقوله إلى أمين عام حزب الله: “كنت يا سيد حسن تتحدث في ملفات استراتيجية، إقليمية ودولية، فإذ بك تتحول إلى محام عن معمل للإسمنت. بعض حلفائك يغرِّر بك. أنا أخاصم رجالاً وأصادق رجالاً”. هذا الموقف، وخروج جنبلاط  منتصراً من تلك المعركة، حزّ في نفوس السنّة الذين يعانون من نصرالله وحزبه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وحمل وليد جنبلاط الراية بعد ذاك الاغتيال الذي كرّس انقساماً سياسياً عمودياً في البلاد. وعندما آن أوان التسويات، بدأ الحسد يتحول إلى حقد على جنبلاط ودوره.

بعض فريق الرئيس سعد الحريري أخذ يتحامل على جنبلاط. كانوا كمن ينتفضون على وصيٍّ، بذريعة أنهم لا يريدون مدرسة يديرها وليد جنبلاط. وبدأت ممارسة الافترقاء الاستراتيجي مع وصول الحريري إلى رئاسة الحكومة، باحثاً عن إثبات نفسه.

ضد إميل لحود
تعود علاقة جنبلاط المتينة والوثيقة بالسنّة إلى خياره الاستراتيجي في الثمانينيات. وتحديداً بعد الاتفاق الثلاثي الذي دُفِعَ إليه مع نبيه بري وإيلي حبيقة برعاية النظام السوري. حصل الاتفاق بعد القضاء على تنظيم المرابطون، وهو التنظيم العسكري والسياسي “السنّي” في بيروت آنذاك. وأسقطت المملكة العربية السعودية ورفيق الحريري الاتفاق الثلاثي، لأنه استبعد السنّة. منذ ذلك الوقت رفض وليد جنبلاط السير بركب تحالف الأقليات، ونسج تحالفه الاستراتيجي مع رفيق الحريري، والذي تجلّى عميقاً عند انتخاب إميل لحود في العام 1998.

رفض جنبلاط انتخاب لحود، ورفض التجديد له في العام 2004، قائلاً للحريري: “سر أنت بالتمديد لتحمي نفسك، وأنا سأبقى معارضاً”.

انتقام عوني وتمزق سني
عهد ميشال عون يشبه سياسياً عهد لحود. وهو أخرج الحريري الإبن من السلطة، كما أخرج لحود الحريري الأب منها. واليوم تتكرر حملة الحقد السياسي نفسه، لتحميل الحريرية تبعات الفساد والهدر. الخطط الاقتصادية والمالية التي تضعها حكومة العهد العوني الحقيقية، هدفها تصفية الحساب مع الحريرية والإنتقام منها، فيما يقيم السّنّة في صمت مطبق، كأنما على رؤسهم الطير. زعماؤهم غارقون في صراعات ضيقة على مقعد نيابي من هنا ووزارة من هناك، أو يغلبهم التدافع على موقع رئاسة الحكومة.

يبغض الحريري رؤساء الحكومات السابقين، بسبب مواقفهم الاعتراضية على سياسته وتنازلاته. بهية الحريري لا تريد فؤاد السنيورة في صيدا. نجيب ميقاتي لديه طموحه المعروف، وسياسته التي لا تخرج من طرابلس. تمام سلام يحافظ على الثوابت، ويفضل التريث على المعارك والمواجهات غير المجدية.

دياب والحص
يعيش السنّة أسرى شرذمات الحريرية ومنافساتها. حسان دياب يحط رحاله في دارة الرئيس سليم الحص، تعبيراً بديهياً منه عن أنه في خانة “الأوادم”، بينما الآخرون من المرتكبين والفاسدين. فتتكامل الصورة بين العهد العوني والعهد اللحودي.

وتتزايد غيرة السنّة من مواقف وليد جنبلاط، ويحسدون الدروز على موقفه وعدم توانيه عن توزيع مساعدات لمؤسسات سنّية، فيما “أباطرة المال السنّي” غائبون عن السمع. ويزدادون حسداً من شنّ جنبلاط هجومه على العهد والحكومة ورئيسها، ومن يديرها بالنيابة عن السنّة، فيقول ما لا يجرؤ على قوله الآخرون.

تفكك عائلة الحريري
لدى الساسة السنّة حساباتهم الصغيرة. في سياسة ما وراء الكواليس يستهدف بعضهم البعض الآخر. يعودون أسرى رئاسة حكومات ما قبل الطائف ورفيق الحريري. من المفهوم أن لا بديل عن الحريري الإبن. الآخرون لا يجرؤون على إعلان موقف مناهض له. حساباته تتأرجح بين حزب الله وعون. يقرّب مدير مكتبه السابق نادر الحريري عندما تقتضي حاجته إلى التقارب مع الخصوم، ويستبعده عندما تحتم الظروف والضغوط. عاد نادر أخيراً إلى بيروت، وكان قد تواصل لأكثر من مرة مع سعد الحريري في باريس. وفي الأثناء يُبَرَّزُ دورٌ لبهاء الحريري، فيُقال إنه داعم لثورة 17 تشرين، ومنتديات بيروت وغيرها.

لم يعد لدى السنّة سوى طموحات العائلة وأبنائها ومشاريعهم المتضاربة. ويغيبون غياباً تاماً عن المشهد السياسي وعن التأثير فيه.

ويخوض وليد جنبلاط معركة الوجود في مواجهة العهد والحكومة، معبراً عما يختلج في نفوس السنّة من إحباط، وسط غياب مسؤوليهم وقادتهم.

محطة من تاريخ
من الخمسينيات إلى السبعينيات، كبّر كمال جنبلاط حجم الطائفة الدرزية بـ”مشروع وطني” جمع بعض السنّة والشيعة المهمشين وبعضاً من المسيحيين، فاتسع نطاق تأثير الدروز وزعيمهم في المعادلة السياسية.

في الحرب وما بعدها انكفأ وليد جنبلاط إلى طائفته، لضرورات الحفاظ على دوره في المعادلة الطائفية التي رست في لبنان الحرب وبعدها. لو لم يفعل ذلك لكان مصير حزبه كمصير الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي.

اليوم يعود وليد جنبلاط إلى مواقف مشابهة لمواقفه بين عامي 1998 و2005. هو لا يعبر عن هواجس الدروز فقط، بل عن هواجس السنّة الذين لا يجدون من يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم.

عند اندلاع ثورة 17 تشرين، انكفأ وليد جنبلاط، معتبراً أن المرحلة لم تعد للسياسيين، الذين شملهم شعار “كلن يعني كلن”. لكن ما بعد تشكيل حكومة حسان دياب، عادت السياسة إلى سابق عهدها ما قبل 17 تشرين. وغاب أي تأثير للثورة. واستعادت اللعبة السياسية التقليدية المنوطة بالأحزاب والقوى السياسية دورها القديم.

عود على بدء
وها هو وليد جنبلاط يخوض معركة مزدوجة، دفاعاً عن نفسه، وتعبيراً عن الفراغ السائد على الساحة السنية، في ظل تحالف شيعي ماروني قوي. قد تكون فرصة جديدة لجنبلاط لتوسيع دوره وتكبير تأثيره، إنطلاقاً من الساحة السنية، التي تعيش إحباطاً في ظل المعادلة السياسة الراهنة. وبحسابات محض سياسية، قد يفضل السنّة أن يقود جنبلاط هذه المرحلة، مثلما فعل في مرحلة ما بعد اغتيال الحريري.

لكن هذا، ألن يحول الحسد السياسي السنّي لجنبلاط إلى حقد عليه؟

اضف رد