الرئيسية / home slide / هل يقع لبنان مجدّداً في مواجهتين: شيعيّة- شيعيّة ومارونيّة- مارونيّة؟

هل يقع لبنان مجدّداً في مواجهتين: شيعيّة- شيعيّة ومارونيّة- مارونيّة؟

بيروت (أ ف ب).

منذ أعوام عدة، وتحديداً منذ قيام “حزب الله” باجتياح بيروت في 7 أيار 2008، يتكرر السؤال: هل ستقع الحرب الأهلية؟ لكن وبعد مرور 12 عاماً على تلك الأحداث التي وصفها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله بـ”اليوم المجيد”، لم تقع هذه الحرب بالمعنى الذي يضمره طارحو هذا السؤال، أي إنها ستكون حرباً، بل فتنة سنيّة-شيعية. فهل هذا يعني أن لا حروب أهلية ستقع إطلاقاً في هذا البلد الذي اشتهر بها عبر تاريخه القديم والحديث على السواء؟

لا يتجاهل المراقبون كم كان الدفع ولا يزال قوياً من أجل أن تقع الفتنة السنيّة- الشيعيّة، في ظل تمادي “حزب الله” وراعيه الاقليمي إيران على قاعدة إلغاء المعادلات التي قام على أساسها الكيان اللبناني منذ أمد بعيد وأهمها معادلة احترام التوازنات بين الجماعات الطائفية التي عاشت في هذه البلاد منذ الأزمنة الغابرة. ففي كل مرة أختلّت فيها هذه التوازنات، وخصوصاً لأسباب خارجية، كان الجمر الكامن تحت رماد هذا الاختلال يعود فيشعل الحريق الداخلي، والشواهد في التاريخ والحاضر القريب أكثر من أن تعدّ وتحصى. وفي سياق متصل، تقول أوساط شيعية بارزة في المعارضة لـ”النهار” إن النظام الإيراني ومنذ نشأته عام 1979، دفع ولا يزال من أجل إلغاء النفوذ السنيّ في مناطق سيطرته، وهذا ما فعله مباشرة، أو بالاستفادة من تطورات إقليمية ودولية في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. ولفتت الى أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 على يد الجهاز الأمني التابع لـ”حزب الله” بالتواطؤ مع النظام السوري جاء على قاعدة هذا التوجه الذي أرسى دعائمه مؤسس الجمهورية الاسلامية الإمام الخميني. وتخلص هذه الاوساط الى القول: “عندما صدرت الفتوى عن المرشد الإيراني علي خامنئي بالتخلص من رفيق الحريري كانت في ظروف ظهر فيها نموذجان: الحريري وأسامة بن لادن. النموذج الاول، أي الحريري، يمثل التوجه السنيّ للانفتاح على العالم ويسعى الى مشروع نهضوي يخاطب العولمة، على غرار ماليزيا التي كان رجلها التاريخي الدكتور مهاتير محمد على صلة وثيقة بالحريري.

أما النموذج الثاني، أي بن لادن الذي يمثل العدمية بكل ما في الكلمة من معنى، فهو الأقرب الى النموذج الذي سعى إليه الخميني، ما نسج علاقات وثيقة بين الجانبين ما زالت آثارها قائمة حتى الآن.

ولهذا كانت جريمة 14 شباط 2005 التي دبرها المرشد الإيراني ونفّذها بأسلوب بن لادن، كما زعمت جماعة المرشد الإيراني في تلفيقة شريط أحمد أبو عدس”.

ويمضي المراقبون في السياق نفسه فيقولون إنه عندما بدأت مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، كان الدفع قوياً لا مثيل له من أجل إشعال الفتنة المذهبية، لعلم “حزب الله” بقيادة نصرالله وبتوجيه من طهران، أن الغلبة ستكون للأخير بفضل ميزان قوى راجح لمصلحته. وعندما اشتعل الحريق الكبير، ولا يزال، في سوريا بدءاً من العام 2011، تجدد الكلام عن الفتنة المذهبية في لبنان، علماً أن الرئيس سعد الحريري الذي خلف والده، اعتمد ولا يزال وخصوصاً منذ اجتياح بيروت في 8 أيار 2008 سياسة “لن أكون طرفاً في الفتنة، وسأكون خارج لبنان إذا ما وقعت”. هذا التوجه للحريري الإبن كان صدى لقناعات عميقة عند السنّة في كل أنحاء لبنان على رغم المحاولات من “حزب الله” وحلفائه داخلياً وخارجياً لهزّها. ويمكن اعتبار تجربة الحكومة التي ترأسها الدكتور حسان دياب آخر الأمثلة وأوضحها على سياسة الحزب في تهميش طائفة بكاملها.

نشرت “النهار” الإثنين 24-8-2020 مقالاً  تحت عنوان “الفتنة تتنقل في المناطق بخطى متقدمة… والسياسون لاهون”. وجاء فيه: “…التطورات المتسارعة توحي بأن أجهزة وأحزاباً معينة تعمل على إشعال الفتن لأهداف متعددة تصب في مجال السيطرة على البلد وقراره، خصوصاً مع بث شائعات عن تفجيرات وعمليات اغتيال متوقعة بهدف إسكات المعترضين والمعارضين”. وأورد المقال ما شهدته بلدة اللوبيا الجنوبية الخميس الماضي ومقتل الشاب حسين “بعد إشكال مسلح بين مناصري حركة “أمل” و”حزب الله”، وما حصل في بلدة كفتون الكورانية حيث لقي ثلاثة من شبانها مصرعهم.

هذا في الامن، أما في السياسة فلا يزال الحريق مشتعلاً بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” بعدما طالب عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب بيار بو عاصي باستقالة رئيس الجمهورية ميشال عون أمام ما حصل في مرفأ بيروت، ودعوته الى محاكمته مع المسؤولين كافة عن ذلك، ووصفه إياه بأنه “غول الموت”.

بعد انفجار المرفأ في 4 آب الجاري، والذي جرى تشبيهه بما حلّ باليابان في الحرب العالمية الثانية لكن بسلاح غير نووي هذه المرّة، قال كثيرون إن لبنان ما قبل الانفجار ليس ما بعده. وللدلالة على التوصيف توقف المراقبون عند آخر المواقف التي أطلقها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. فبعد انتقاده “لبعض المسؤولين في الدولة لتعاطيهم مع كارثة الانفجار في مرفأ بيروت من زاوية سياسية ويحولون دون تحقيق دولي”، دعا السلطة الى “اعتبار كارثة المرفأ بمثابة جرس إنذار فتبادر الى دهم كل مخابئ السلاح والمتفجرات ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي في المدن والبلدات والقرى”.

عندما يضع البطريرك الماروني أصبعه على جرح انفجار 4 آب الكبير، يكشف في صورة غير مباشرة الجرح الاكبر الذي لم يندمل بعد انفجار 14 شباط 2005 الذي وضع لبنان تحت الوصاية الايرانية مباشرة بعد زوال الوصاية السورية في ذلك العام. ويرى خبراء ان هناك دخاناً يعيد الى الذاكرة ما حصل في العام 1989 عندما أعلن العماد ميشال عون حرب الالغاء على “القوات اللبنانية”، لكنه فشل مكبداً المناطق المسيحية خسائر هائلة وأبرزها هجرة عشرات الألوف من سكان هذه المناطق الى المغتربات القريبة والبعيدة على السواء. كما يعيد الى الذاكرة أيضاً  حرب إلغاء أخرى ولكن شيعية بين حركة “أمل” و”حزب الله” بدءاً من آذار 1988 ولغاية تشرين الثاني 1990 وامتدت من الضاحية الجنوبية لبيروت الى إقليم التفاح شرق صيدا وأوقعت آلاف القتلى والجرحى .

ما يمكن قوله إن تلك الحربين وقعتا فيما كان لبنان وسط جهد دولي وعربي لإنهاء الحرب التي اشتعلت عام 1975 وانتهت باتفاق الطائف عام 1989. فهل يمثل انفجار 4 آب شرارة لحل دولي وإقليمي تواكبه حروب داخلية كالتي وقعت في أعوام الطائف؟ ما يحصل الآن هو دخان لنار بدأت تطل في الأمن والسياسة والتي لا يتمنى اللبنانيون أن تكون شبيهة بأعوام سوداء خلت.

ahmad.ayash@annahar.com.lb