هل يعود عون “الرئيس” جنرال 1990!

أخصام رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون وأعداؤه اعتبروا أنّ سماحه بتظاهرة حاشدة لجمهوره وتيّاره الذي أعطاه أكبر كتلة نيابيّة في “البرلمان” ساحتها الطرق المؤدّية إلى القصر الجمهوري بل إلى ما قبل الحواجز العسكريّة “التقليديّة”، دليل إضافيّ على أنّه لا يُمارس مهمّة الحكم التي أعطاه إيّاه الدستور إضافة إلى صلاحيّات أخرى. فهو من جهة أكّد في كلمته المُقتضبة “أنّه أيضاً على الوعد والعهد الذي جئتم اليوم لتجدّدوه”. ومن جهة ثانية سمح لرئيس “التيّار” الذي أسّسه بإلقاء خطاب أقل استفزازيّة من آخر خطاب له في الثالث عشر من الشهر الماضي وأكثر تمسّكاً بتحالفاته الداخليّة – الإقليميّة، وهجوميّ للمرّة الأولى على جهات “عونيّة” بانتقاد لاذع لـ”الخيانات”. والخيانة يرتكبها عادة بعض أهل “البيت” أي التيّار وبعض الحلفاء. ولم يدع المناسبة تمرّ من دون أن يشير إلى “الخوف” مُبتعداً عن أي تفصيل في هذا المجال وإن بدا مُتفهّماً له. أما مؤيّدو الرئيس عون وتيّاره فقد اعتبروا أنّ سيّد قصر بعبدا أرسل إشارات عدّة إلى وطنيّته الجامعة، وذلك عندما شدّد على ضرورة تلافي حرب الساحات والشوارع أو المواجهة بينها معتبراً أنّ مطالب المشاركين فيها كلّها مُحقّة.

طبعاً لن يحوّل هذا الكلام التناقض بين الساحات والشوارع تكاملاً أو تعاوناً. وإذا كان ظهر ذلك في خطاب باسيل ظهراً فإنّه ظهر أيضاً وبوضوح أكثر في التظاهرة الحاشدة بين أواخر بعد ظهر أوّل من أمس وليله وفي الشعارات التي رفعت وأبرزها “كلِّن يعني كلِّن”، والكلمات التي وجّهها إلى الشعب عشرات وربّما أكثر من المتظاهرين عبر الوسائل الإعلاميّة. لكن ما لفت النظر أنّ الرئيس سعد الحريري وهو “منُّن كِلِّن” على ما يُفترض حظي بتعاطف جزئي جدّاً من المتظاهرين المُحتشدين. والحديث عن ذلك غير مُتاح اليوم لأن الموضوعيّة تقتضي متابعته لاكتشاف أبعاده، وللابتعاد عن إثارة أيّ شكّ في وطنيّة هذا الاحتجاج الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، التي استمرّت شعاراً وحيداً أو شبه وحيد له منذ انطلاقه في 17 تشرين الأوّل الماضي.

في أي حال الموضوع – المشكلة المطروح اليوم هو استقالة حكومة الحريري وتأليف غيرها وموقف الرئيس عون منها، استناداً إلى المعلومات المتوافرة عنها ولا سيّما في اجتماعاته ولقاءاته البعيدة من الأضواء عند مُتابعين دقيقين لتحرّكه بل للوضع القائم برمّته. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى الآتي:

1- لم يكن “حزب الله” في وارد دفع الحريري إلى الاستقالة، بل على العكس من ذلك كان مُتمسِّكاً برئاسته لها لأسباب متنوّعة، منها تمثيله السُنّي الواسع وتقيّده بالتسويّتين الرئاسيّة والحكوميّة رغم الاعتراض الذي أثاره ذلك عند شعبيّته وحلفائه. فضلاً عن أنّه فوجئ بها. ومن الأدلّة على ذلك معلومة تفيد أنّ عودة اللقاءات بين “الحزب” و”التقدّمي الاشتراكي” في أعقاب قطيعة مارسها الأوّل مع الثاني فتحت باب البحث الجدّي في أوضاع الداخل المتنوّعة. انطلاقاً من ذلك قدّم الاشتراكي في آخر اجتماع ورقة للدرس والنقاش لاحقاً، وطلب ممثّلوه إطلاع الأمين العام السيّد حسن نصرالله عليها لمعرفة رأيه فيها. تمّ ذلك وأُبلغ الاشتراكيّون بموافقة أو بالأحرى ترحيب الأمين العام بها وفي الوقت نفسه بتمنّيه عليهم تخفيف بعض بنود ورقتهم حفاظاً على الحريري وحكومته وحرصاً على إراحته.

2- بعد الاستقالة بمدّة قصيرة اقتُرحت على عون حكومة تكنوقراط على الأرجح لا يُشارك فيها باسيل وكاد أن يقتنع بها لكن الأخير أقنعه بسلبيّتها على الاثنين معاً. فرفضها ثمّ تفاقمت الأمور سياسيّاً وشعبيّاً فغضب الرئيس وقال: “أنا الآن “الجنرال” عون في قصر بعبدا لا الرئيس عون. وإذا أرادوا تكرار 1990 فأنا جاهز. إذا كانوا يريدون ليّ ذراعي فأنا لن أسمح لأحد بفعل ذلك”. ثمّ عاد البحث سياسيّاً فأكّد عون أنّه مع حكومة تكنوقراط لا يترأّسها الحريري ولا يُشارك فيها باسيل، مشيراً إلى أن على الأخير أي وريثه وعلى حياته في “التيّار” الذي أسّسه أن يهتمّ بأمور كثيرة داخله ولا سيّما بعد التطوّرات الكثيرة التي حصلت، “وفي النهاية فهو الذي سيُدير الأمور كلّها”. علماً أنّه يديرها الآن، إذ أصرّ في آخر مجلس وزراء على رفض أي هيئة ناظمة وعلى تعديل أي شيء في خطّته للكهرباء. وعلماً أيضاً أنّه يعرف أو يفترض أن يعرف أن فرنسا أبلغت الحريري أن لا “سيدر” ليس فقط لأنّ الحكومة استقالت بل قبل ذلك لرفض الهيئات الناظمة وعدم تأليفها.

3- في الفترة المُشار إليها أعلاه زار رئيس الجامعة الأميركيّة والجامعة اليسوعيّة في بيروت (ولبنان) الدكتور فضلو خوري والأب سليم دكّاش الرئيس عون في قصر بعبدا. وتحدّثا معه في الوضع الشعبي المُحتقن وفي الأزمة الحكوميّة التي قد تنشب بعد استقالة الحريري، فاقترحا عليه تأليف حكومة تكنوقراط مُصغّرة أي من إثني عشر عضواً. وكان في ذهنهما أن يكون رئيسها الوزير السابق رجل القانون بهيج طبّارة. لكن لا معلومات دقيقة تؤكّدأنّهما أثارا هذا الأمر معه، لأنّهما حاولا الاتصال به قبل الزيارة ولم يوفّقا ربّما لأنّه كان في الخارج. طبعاً لم تسفر هذه الزيارة عن نتيجة. علماً أنّ البعض طرح حولها علامات إستفهام مُشكِّكاً في دوافعها باعتبار أنّ جامعتَي المرتبة الأولى في لبنان “ترتبطان بدول أجنبيّة” لا يمكن الوثوق بها. وقد نسي هؤلاء أنّهما تأسّستا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأسهمتا بتعليمهما الجدّي وبالقيَم التي تؤمنان بها ونشرتاها بين الطلّاب وأهمّها الحريّة والديموقراطيّة في تخريج عدد مُهمّ من اللبنانيّين والعرب الذين آمنوا بالقوميّة العربيّة وقضيّة فلسطين وباللاطائفيّة، والذي قاموا بأدوار مُهمّة في بلدانهم والمنطقة لاحقاً. وعاد الرئيس بعد ذلك إلى طرح حكومة من دون “القطبين” باسيل والحريري.

4- في فترة لاحقة بدأ داخل القصر الرئاسي وخارجه تداول فكرة “حكومة اللون الواحد”. وأبرز دوافع ذلك هو إبعاد الحريري عن الحكومة طالما أنّه مصرٌّ على إبعاد باسيل عنها. إذ أن قبوله ترؤّس حكومة من هذا النوع يُخسِّره كثيراً وأي حكومة أخرى يرى الناس وخصوصاً شعبيّته وحلفاؤه فيها قبولاً بشروط عون و”حزب الله”.

5- حتّى الآن لم يُجرِ رئيس الجمهوريّة الاستشارات النيابيّة المُلزمة بنتائجها تكليف شخصيّة سُنيّة تأليف الحكومة. ولا أحد يستطيع الجزم أنّها ستُجرى هذا الأسبوع علماً أن حصول ذلك يعني أنّ لبنان على أبواب أزمة خطيرة. كما يعني أن احتمالات التأليف سوف تكون بالغة الصعوبة وقد تستغرق وقتاً طويلاً. والاستمرار على هذه الحال يُدخل البلاد حالاً من الفوضى. وذلك أكيد إذا أصرّ الخارج وأفرقاء الداخل ومنهم الحريري على إبعاد “حزب الله” عن الحكومة. علماً أنّ الحريري لم يقل أمام أحد من اللبنانيّين وحتّى من غيرهم وفي مقدّمهم فرنسا أنّه لن يوزِّر “حزب الله” في الحكومة الجديدة إذا كُلّف تأليفها. وعلماً ايضاً أنّ حكومة جديدة هو فيها لن تحلّ كل المشكلات والأزمات لكنّها قد تستعمل لاحقاً ومن إسرائيل حجّة لضرب لبنان بقوّة. لكنّ ضربها يعني تدميراً واسعاً جدّاً لأنّها لم تعد في وارد شنّ حروب بريّة إلى الجويّة والصاروخيّة حرصاً على جنودها ولا سيّما بعد تجربة 2006. والتدمير ربّما يقضي على إمكانات عسكر لبنان وهي ضئيلة لكنّه لن يقضي على “حزب الله” وعسكره وميليشياته وكلّ سلاحه النوعي، بل سيمكّنه من حكم لبنان. لكن هل يستتبّ له الأمر؟ لا أحد يعرف لأنّ السلاح موجود مع كلّ اللبنانيّين كما قال السيّد نصرالله في ظهوره التلفزيوني الأخير، ولأنّ ذلك سينشر الفوضى التي يحتمل تحوّلها فورات واشتباكات ومعارك، في تكرار لتجربة حرب الـ 1975 وما تلاها. فيومها كانت ترسانة الفلسطينيّين بمقاييس ذلك الزمان بحجم ترسانة “الحزب”، وكان المسيحيّون حتّى مع جيشهم المُنقسم بسلاح غير مُتكافئ. لكن تدفّق عليهم السلاح من الخارج، وطالت الحرب وخسروا في النهاية. فهل يتكرّر ذلك أم ينجح العقلاء عند الجميع في تجنّبه؟ علماً أنّ عدداً من المُتابعين من خارج ربّما يعتقدون إنّ حكومة اللون الواحد وإمساكها بقيادة “الحزب” بمقدّرات البلاد قد لا يحرّكان أعداءه لأنّ استقرار الردع قد يتأكّد واستقرار القضاء على “إرهاب” الداخل والخارج قد يتثبّت.

في أي حال يؤكّد الكلام المباشر الذي قاله الوليّ الفقيه آية الله علي خامنئي تعليقاً على انتفاضتَيّ العراق ولبنان ونصحه القائمين بهما “باعتماد الأطر القانونيّة في الدولة لتحقيق الإصلاح”، يؤكّد قلقاً على وضع الدولتين بل على وضعه الجيّد أو بالأحرى الممتاز فيهما. ومعروف ماذا يعني ذلك.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*