الرئيسية / مقالات / هل يعرف ماكرون جيداً لبنان واللبنانيّين؟

هل يعرف ماكرون جيداً لبنان واللبنانيّين؟

25-09-2020 | 00:17 المصدر: النهار

سركيس نعوم

الرئيس الفرنسي ماكرون

جاء في “الموقف هذا النهار” أمس أنّ الرئيس سعد الحريري مرّ بمرحلتين منذ إطلاق رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون مبادرته لإنقاذ لبنان أو بالأحرى لوضعه على طريق الإنقاذ بعد انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره. في الأولى شعر بفائض قوّة رغم تعامل الرئيس المذكور بتفهُّم وليونة مع “حزب الله” بتنحيته جانباً موضوعي الانتخابات النيابيّة المُبكرة ونزع السلاح. ذلك أنّ الحكومة التي اقترحها عدداً ومُهمّة أو مهمّات تنسجم مع اقتناعاته ومشروعه إذا كان لديه مشروع. أمّا في المرحلة الثانية فقد شعر الحريري بالإحباط الشديد جرّاء تمسُّك “الثنائي الشيعي” بمطالب يرفضها شعبه السُنّي ومعه الشعبين الدرزي والمسيحي رغم الخلافات الحادّة الناشبة بين القوى المسيحيّة من “تيّار وطني حر” و”تيّار المردة” وأحزاب “الكتائب” و”القوّات” كما جرّاء وضعه البلاد على إحدى حافتين. الأولى حافة التمهيد لصيغة لبنانيّة جديدة ونظام حكم مختلف قد لا يكونان في مصلحة البلاد أو كلِّ شعوبها. والثانية حافة الوقوع في الهاوية العميقة جرّاء تكريس فشل نظام الطائف بالجديد الذي دخل عليه عام 1989، كما ببعض من النظام والصيغة الأسبقين أي دولة 1943 والميثاق الوطني والأرجحيّة الواسعة للمسيحيّين فيها. وقد دفعته المرحلة الثانية إلى موقف اعتقد أنّه يُنهي الأزمة الحكوميّة الأخطر بتاريخ لبنان من دون تكريس أعراف جديدة يطمح إليها “الثنائي” وبيئته الحاضنة. لكنّ اعتقاده كان في غير محلِّه. إذ أنّ الأخير تمسَّك بمطالبه الحكوميّة المُكرّسة لعُرف جديد والفاتحة الأبواب أمام نظام وصيغة جديدين، رغم أنّه أظهر ليونة لا تزال مبدئيّة وضعيفة عبر رئيس “حركة أمل” ومجلس النوّاب نبيه برّي. كما أنّ البيئة السُنيّة السياسيّة للحريري لم تستقبل موقفه بكثير من الترحيب، وربّما كان ذلك ما دفعه إلى إعلان أنّه شخصيّ ولا يُمثّل نادي رؤساء الحكومات الذي ينتمي إليه بأعضائه فؤاد السنيورة وتمّام سلام ونجيب ميقاتي. وقد عبَّر إثنان منهم عن ذلك بلقاء مع مفتي الجمهوريّة الشيخ عبداللطيف دريان وبإعلان أبرزهم وبلسان المجتمعين التمسُّك بالموقف المُتسلِّط الذي اتخّذه ناديهم منذ بداية الأزمة الحكوميّة. علماً أنّ بيئته الشعبيّة لم تُرحِّب أيضاً بموقفه “الانتحاري” حسب وصفه له. وقد فعلت وسائل التواصل الاجتماعي فعلها بانتقاداتٍ له بعضها مهذّب وبعضها قليل التهذيب، وهذه مشكلة هذه الوسائل وجيوشها الالكترونيّة، شارك فيها ووقف ورائها سياسيّون معارضون له. أمّا عدم ظهور تمّام سلام في هذه المعمعة فيعود في رأي عارفيه إلى “آدميّته” ورفضه الخصومات المُسبِّبة للقتال السياسي وغير السياسي، رغم تمسُّكه بمواقفه التي لا تختلف عن مواقف زملائه أو شركائه “على القطعة” في نادي رؤساء الحكومات. في مقابل ذلك تشير معلومات مُتابعي الأزمة الحكوميّة والوضع العام في البلاد من قرب إلى أنّ السنيورة المدين لوالد رئيس “تيّار المستقبل” الشهيد رفيق الحريري بحياته السياسيّة، وبكل ما وصل إليه من مواقع وما مارسه من أدوار، يشعر حاليّاً بالنشاط والقوّة بعد مرحلة “همود” فرضها خلافه وسعد على قضايا عدّة أبرزها سياسي ومواقعي. وتسمية أخصامه بل أعدائه له، باعتبار أنّ في “ديموقراطيّة العالم الثالث” لا أحد يعترف بالتنافس الشرعي ومن داخل الأنظمة والجميع يُمارسون خصومة بل العداء وإن أدّى ذلك إلى خراب الوطن وفشل الدولة وتقتيمها وتقاسمها في آن، تسميتهم له هي أنّه “الشيطان الأكبر” ومحُرّك نادي رؤساء الحكومات. وهو لا شكّ سعيد بذلك إذ يستقطب بيئة سُنيّة تُفتّش عن قائد أو زعيم منذ استشهاد الحريري الأب يفتح الباب أمام تعاون مع بيئات أخرى. علماً أنّ الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط يحاول هذه الأيّام، وهذا دأبه في المراحل العصيبة والخطيرة، أن يُنجز أمرين. الأوّل حماية شعبه من نفسه أو بالأحرى من الطامحين إلى تزعُّمه لقوّة الشعوب الأخرى وإن زعزع ذلك وحدته وأمنه واستقراره. والثاني عدم الاندماج مع “الثنائي الشيعي” ومع الزعامة السُنيّة الرباعيّة والشعب المسيحي المُوالي لعون وصهره الوزير باسيل والشعب المسيحي المُوالي لـ”القوّات” كما مع المُوالين من هذا الشعب لـ”المردة” و”الكتائب”. كل هؤلاء مُتخاصمون بل مُتعادون. لهذا السبب يلاحظ مُتابعو جنبلاط أنّه “حجر بين شاقوفين”. وهذا ما يدفعه إلى ممارسة سياسة “ضربة على الحافر وضربة على المسمار” في المطحنة السياسيّة الدائرة والدافعة البلاد اقتصاداً وعُملة وأمناً ودولة ونظاماً إلى الانهيار الذي لا شفاء منه في مرحلة قريبة.هل ارتكب رئيس فرنسا أيُّ خطأ في أثناء محاولته مساعدة لبنان بعد تفجير المرفأ أو انفجاره، بكل إخلاص ونيّة طيّبة واندفاع؟ لا يختلف إثنان أنّ لمبادرته سببين. الأوّل عاطفة يشعر بها وشعبه تجاه لبنان بكلّ طوائفه والمذاهب، بعدما صارت بلاده “أمّاً حنون” لها كلّها، خلافاً لمن يسعون إلى تسعير الخلافات معها بوصفها مخترعة لبنان الكبير و”مُعمِّدته”. و”العناد” هو “سرّ مسيحي” دينيّ معروف من زمان سحيق. والثاني هو رغبته في استعادة موقع لبلاده في شرق المتوسُّط بعدما توزّعت هذه المنطقة قوًى دوليّة وإقليميّة عدّة، وفي ترتيب أمور بلاده مع إيران الإسلاميّة بواسطة ابنها “حزب الله” الأقوى في لبنان والفاعل جدّاً سياسيّاً وعسكريّاً في الإقليم وربّما خارجه. لكنّ مُتابعي سياسة فرنسا اللبنانيّة من قرب وخصوصاً في الأزمة الحكوميّة الراهنة يعتقدون أنّ ماكرون أظهر أنّه لا يعرف لبنان على حقيقته. وهذا أمرٌ لا يُلام عليه هو. بل الأجهزة السياسيّة والأمنيّة الفرنسيّة التي تعرف لبنان من زمان وديبلوماسيّيه الذين خدموا في بيروت منذ استقلاله، ويعرفونه “حلّةً ونسباً” كما يُقال، ولهم فيه صداقات متينة مُزمنة وأخرى حديثة. لذلك يتساءل المُتابعون أنفسهم: “ما الذي أدخل ماكرون في “لعبة لبنان”؟ وكيف اختار أستاذاً لبنانيّاً جامعياً في فرنسا التي يحمل جنسيّتها لترؤس حكومة لبنان؟ وهل ما يتردَّد عن اعتزامه، قبل اصطدامه بالعقبات الصعبة المعروفة، توزير لبنانيّين يحملون جنسية فرنسا ويعملون فيها في حكومة المُكلَّف الدكتور مصطفى أديب؟ وهل صحيح أنّ اللبنانيّين المُزدوجي الجنسيّة والأصدقاء تقليديّاً لفرنسا وبكل من يُمثّلها في لبنان يتّصلون بمعارفهم في باريس وبيروت يوميّاً من أجل أن يُفكِّر فيهم طابخو الحكومة الجديدة عند اختيارهم الوزراء، علماً أن هذا الأمر لا يمشي في لبنان إلّا إذا كان تحت وصاية أو انتداب أو احتلال أو عائشاً دولة وزعامات وشعوباً على حساب دولة ما عربيّة أو أجنبيّة؟