الرئيسية / مقالات / هل يشعر زوّار طهران أن إيران في حصار؟

هل يشعر زوّار طهران أن إيران في حصار؟

يظن كل متابع للجمهورية الاسلامية الايرانية ولحربها غير المباشرة أي بالوكالة لكن الضروس مع الولايات المتحدة وحلفائها من العرب، كما لفشل دول الاتحاد الأوروبي ولا سيما الموقّعة منها على الاتفاق النووي الشهير مع روسيا والصين وأميركا في إقناع رئيس الأخيرة بعدم الانسحاب من الاتفاق، وفي وضع آلية لتجاوز عقوباته البالغة القسوة على هذه الجمهورية، يظن كل متابع للأمور المذكورة وأخرى كثيرة غيرها أن شعبها سواء في طهران أو في مناطقها الشاسعة يعيش حالاً من الفقر والفاقة والشدّة والتعاسة والغمّ والهمّ. لكن من يزور العاصمة لمدة أسبوع ويتجوّل فيها ويقابل مسؤولين كباراً فيها ومعاونين لهم ويلتقي عدداً من نخبها الاعلامية والاجتماعية والثقافية، ويسمع منهم عن أحوال الداخل فيها بعد مشاهدته الحيّة لحياتها اليومية، يخرج بانطباع أن الحياة طبيعية فيها والنمو والبناء والعمران وأنها لا تختلف كثيراً عن عواصم كثيرة في العالم، وأن عندها الكثير لتقدمه الى زائرها سائحاً كان أو رجل أعمال أو إعلام أو مثقّف أو سياسي تشدّه إليها روابط عميقة عدة. فالحياة الاجتماعية زادت “رحرحتها” عند الراغبين وليس ذلك حتى الآن على الأقل على حساب الاسلام بقيمه المتنوّعة وحدوده. ولن يكون على حسابه في المستقبل المنظور. والحياة السياسية في إيران ناشطة وفيها نسبة معقولة جداً من الديموقراطية التي يعبّر عنها الاعتماد الفعلي، لكن غير الرسمي، لنظام الحزبَيْن (المحافظون الاسلاميون والاصلاحيون الاسلاميون)، وقدرة غير الاسلاميين في فكرهم السياسي من أبناء الشعب الايراني على التأثير بقوة وإن على نحو غير مباشر في الانتخابات التشريعية. ويمكن ملاحظة ذلك من النسبة العامة للمقترعين فيها بالمقارنة مع عدد الذين لهم حق الانتخاب بموجب القانون. إذ عندما ترتفع نسبة هؤلاء الى ما فوق الـ50 في المئة وأحياناً الى 60 وأكثر في المراحل الحاسمة داخلياً ودولياً واقليمياً يفوز الاصلاحيون. وعندما تنزل الى ما دون الـ50 في المئة تكون النتيجة في مصلحة المحافظين. وفي الحال الأولى يصب الايرانيون المعترضون على النظام سواء من داخله أو من خارجه أصواتهم كلها. وهذا الأمر يلحظه أيضاً الذين يتابعون التظاهرات الشعبية الحاشدة والغاضبة في إيران. أذ يشترك فيها ايرانيوها الاسلاميون وغير الاسلاميين وخصوصاً بعدما صارت مبرراتها مكشوفة للقاصي والداني، ولم يعد في الامكان تجاهل المصادر الداخلية للمظالم المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، بعدما اعترف بذلك النظام الاسلامي على لسان مرجعهم الأول والأخير الولي الفقيه السيد علي خامنئي. واتخذت الجهات المسؤولة القرارات اللازمة لازالة هذه المظالم أو التخفيف منها مع استمرار الاثنين في اتهام الولايات المتحدة وحلفائها بالتحريض على الفتنة والفوضى وربما الثورة داخل البلاد.

انطلاقاً من ذلك يلاحظ زائر طهران أن الانتخابات التشريعية التي ستُجرى في شهر شباط الجاري تستأثر باهتمام الأوساط السياسية والدولية والعلمائية والنخبوية المدنية والمؤسسات الأمنية والعسكرية. واللافت هنا أمور ثلاثة. الأول أن الخوض في هذا الموضوع ليس فيه شيء من السرية. فهو يجري في المنازل والمقاهي والبيوت والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ومن دون أي خوف أو وَجَل، كما من دون محاولة السلطة والفريق القوي فيها، وهو المحافظون لاعتبارات متنوعة، منع ذلك وإخماد هذا الجدال الشعبي الذي فيه من ملامح الديموقراطية الكثير. والثاني أن المتنافسين في الانتخابات ومؤيّديهم المنتمين الى التياريْن الاصلاحي والمحافظ كما الى تيارات أخرى اجتماعية وثقافية على خلاف سياسي ما مع النظام، يتصرفون بتعقّل وحكمة بحيث أن خلافهم لا يحوّلهم أعداء لبعضهم، ولا يدفعهم الى التضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمتهم أو الفوز وخصوصاً بالدولة كما حصل دائماً في لبنان وفي دول أخرى مشابهة له. فقبول الآخر والتحاور معه والبقاء على صداقة معه أو علاقة رغم الاختلاف أمر مهم ودليل على فرق لا يستهان به بين إيران وشعبها ومكوناته وبين بقية الدول الاقليمية. أما الأمر اللافت الثالث فهو أن الكلام بل الحوار المشار إليه أعلاه يتناول علانية أيضاً أموراً أخرى أكثر أهمية وجوهرية من الانتخابات التشريعية. فالنقاش مثلاً بين المتّفقين والمختلفين يربط نتيجة الانتخابات التشريعية القريبة بخلافة القائد المرشد والولي الفقيه، وبانتخابات رئاسة الجمهورية الاسلامية بعد نحو سنة ونصف، وبانتخاب (وإن ليس من الشعب) المجالس صاحبة الدور المهم في الاختيارات وفي تنفيذ القرارات وفي تصويب القوانين… وفي اختيار “القائد” للجمهورية عندما يحين وقت ذلك. في هذا الاطار يستنتج الزائر في لقاءاته المتنوّعة أن الغالبية الشعبية باقية مع النظام الاسلامي وتريده، لكن بعضها ونسبته غير قليلة يعتبر أن له ركنين أساسيين. الأول أنه جمهورية ويعني ذلك انتخابات وديموقراطية، والثاني أنه إسلامي ولهذا الأمر مقتضياته أيضاً. ويعتبر أن ما يجري هو إهمال أو بالأحرى التأثير المتعمَّد في الجمهورية وتسييرها في اتجاه يخدم الاسلامية. في حين أن البعض الآخر من الغالبية الشعبية نفسها ونسبتها مهمّة حتى الآن على الأقل ترفض نظرية “الجمهورية” في النظام الاسلامي كي لا تكون على حسابه لأن الامام الخميني أراده إسلامياً. وقد عبّر عن ذلك قبل مدة قصيرة “القائد” خامنئي بموقف إعلامي ردّ فيه على الاصلاحي الرئيس الشيخ حسن روحاني الذي انتقد القوانين التي تعطي مجالس غير منتخبة صلاحية تحديد المرشّحين المؤهّلين لخوض الانتخابات، ولكن على نحو يسهّل فوز المحافظين المتمسكين بالاسلامية الكاملة للجمهورية. إذ قال: الذين ينتقدون هذه القوانين اليوم ويطالبون بإصلاحها هم أساساً وصلوا الى السلطة (رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى) بواسطتها.

هل من تصوّر لنتائج الانتخابات التشريعية وتالياً لـ”معركة” “القيادة” الأولى عندما يحين أوانها؟

تفيد الحوارات والنقاشات التي يسمعها زائر طهران أن الفوز الكبير وربما الساحق سيكون للمحافظين رغم مساعي إعادة وصل “المعتدلين” بزعامة علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى بالاصلاحيين وهو كان أساساً منهم. ويفيد أيضاً أن قاليباف رئيس بلدية طهران قبل سنوات طويلة وأحد المرشحين السابقين للرئاسة قد يكتفي برئاسة مجلس الشورى المقبل، وأن لاريجاني رئيسه الحالي قد يصبح عندها مرشحاً جدياً لرئاسة الجمهورية. وتفيد ثالثاً أن العالم الديني رئيسي الذي سقط أمام روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد يسعى الى الرئاسة لأنها قد تصبح الموقع الذي ينتقل من يشغله منه الى مرتبة “القائد”. وروحاني ربما كان يفكر في ذلك، لكنه يعرف أن المرحلة ليست في مصلحته. وتفيد رابعاً وأخيراً أن القائد خامنئي يحضّر لخلافته بهدوء وبعيداً من الأضواء باعتبار أنه يتقدم في السن وأن الأعمار في يد الله. ويتردّد بقوة أنه تلقى لائحة فيها خمسة أسماء أصحابها مؤهلون لذلك على الأرجح، فتسلمها ثم شطب اسماً واحداً منها هو اسم ابنه السيّد مجتبى رغم إجماع الكثيرين على ذكائه وسعة علمه. ودافعه الى ذلك الابتعاد عن الوراثة وتلافي الاتهام بالعمل لتكريسها.

ماذا عن “الفساد الكبير” في ايران الذي يحكى عنه؟ ومن المتسبّب الفعلي به؟ وهل الغضب الشعبي الذي بلغ ذروته في تظاهرات حاشدة مبرّر أم لا؟ ماذا عن إيران وأميركا وسوريا وروسيا وأوروبا؟ قبل محاولة تقديم بعض أجوبة عن هذه الأسئلة لا بد من الإشارة الى أن التظاهرات الشعبية الاحتجاجية، رغم رفع مشاركين فيها شعارات تظهر رفضاً للنظام الاسلامي ورموزه، لا تعكس أيضاً رغبة في تغييره بل في تصحيح ممارسات فيه. وليس الدليل على ذلك فقط التظاهرات الشعبية الحاشدة المؤيّدة للنظام في مناسبات مختلفة رغم أن لها دلالتها ورمزيتها، بل التظاهرات التي سارت وراء جثمان قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الحاج قاسم سليماني الذي أصدر الرئيس الأميركي ترامب قراراً بقتله ونفّذه. فهي ساوت بحجمها تظاهرات الترحيب بعودة الامام الخميني الى بلاده عام 1979 وبالنظام الاسلامي الذي أراد إقامته ونجح في ذلك. ومحرّك ملايين المتظاهرين كان سليماني الذي تحوّل رمزاً قومياً إيرانياً وإسلامياً، و”جهاده” ونجاحه وابتعاده عن الفساد في رأي كل من عرفه وعايشه وصادقه.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد