الرئيسية / مقالات / هل يدفع بوتين إردوغان بغير قصد نحو أحضان الناتو؟

هل يدفع بوتين إردوغان بغير قصد نحو أحضان الناتو؟

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان – “أ ب”

كلّما ابتعد الحلّ السياسيّ حول إدلب، ازداد الضغط على الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان لاتّخاذ خيارات صعبة. أحداث اليومين الأخيرين تظهر ذلك. سقط لتركيا 34 جنديّاً في هجوم للجيش السوريّ على مراكزه في إدلب، فردّت بقصف عدد من الأسلحة والمراكز العسكريّة السوريّة ممّا أدّى إلى قتل أكثر من 300 جنديّ سوريّ وفقاً لوزير الدفاع التركيّ خلوصي آكار. 

خسارة أنقرة لهذا العدد الكبير من الجنود في مواجهة الروس يعيد فتح التساؤلات عن حجم المنافع واستدامتها بعد تقرّبها من الروس على حساب حلفائها التاريخيّين في “حلف شمال الأطلسيّ (ناتو). تمكّن الروس والأتراك من الاتّفاق على تهدئة الوضع عقب زيارة وفد روسيّ تركيا الخميس، بعد ساعات على استهداف الجنود الأتراك.

ما لا يريده الطرفان

لا تريد موسكو التصعيد أكثر مع أنقرة بعد كلّ التقارب السياسيّ والتجاريّ والعسكريّ الذي تحقّق خلال السنوات القليلة الماضية. والأمر نفسه ينطبق على الجانب التركيّ وإن بوجود الكثير من علامات الاستفهام المتزايدة لديه عن مدى قدرة روسيا على تأمين المصالح التركيّة في سوريا. في حديث إلى “وكالة الصحافة الفرنسيّة”، قال نائب مدير المرصد الفرنسيّ-الروسيّ في موسكو إيغور ديلانو إنّ روسيا لا تتطلّع إلى مواجهة عسكريّة واسعة النطاق مع تركيا، وليست تركيا مهتمّة في مواجهة موسكو حول إدلب.”

وأعلن الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف الجمعة أنّ الرئيسين الروسيّ والتركيّ قد يجتمعان في موسكو الأسبوع المقبل، علماً أنّه تحدّث قبل الهجوم على القوّات التركيّة عن ترتيب لقاء متعدّد الأطراف للبحث في الوضع السوريّ لا لقاء ثنائيّ بين الرئيسين.

نظرة متبدّلة؟

تقرّبت أنقرة من الكرملين مع ابتعاد تدريجيّ عن الناتو وهجوم إعلاميّ لاذع شنّته ضدّ دوله. وبشراء منظومة “أس-400” الروسيّة، فرضت تركيا خطراً أمنيّاً كبيراً على الأسلحة الأطلسيّة بما فيها الأسلحة الأميركيّة. لكن مع مرور الوقت، بدا أنّ تركيا بالغت في الابتعاد عن حلفائها التقليديّين. حتى أنّ مؤشّرات إلى ذلك لاحت في أفق العاصمة التركيّة أواسط الشهر الحاليّ. في 18 شباط، احتفلت تركيا بالذكرى الثامنة والستّين لدخول تركيا نادي الحلف الأطلسيّ مع توجيه رسائل إشادة والتزام بالحلف أكان على الصعيد الرسميّ أم على صعيد الصحف ومؤسّسات الرأي القريبة من الحكومة.

لكنّ النظرة المتبدّلة التي مالت إلى الإيجابيّة إزاء الناتو لم تدم طويلاً، تحديداً بعد مقتل الجنود الأتراك. فقد ذكرت “رويترز” أنّ مسؤولاً رفيع المستوى قال إنّ بلاده قرّرت عدم منع اللاجئين السوريّين من الوصول إلى أوروبا عبر البرّ أو البحر، مشيراً إلى أنّ أوامر صدرت لقوّات الشرطة وأمن الحدود بعدم اعتراض اللاجئين.

حاولت تركيا من خلال هذا التهديد الحصول على الدعم الأطلسيّ في مواجهة تعرّض جنودها للاستهداف. لكنّ المفوّضيّة الأوروبّيّة طالبت تركيا باحترام التزاماتها التي وقّعت عليها في 2016. بالمقابل، حصلت أنقرة على دعم معنويّ من الأطلسيّين. المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل استنكرت “الهجمات الوحشيّة” ضدّ القوّات التركيّة، واستخدمت لندن تعبير الإدانة نفسه. وأعربت فرنسا عن “تضامنها” مع تركيا في مواجهة الهجوم، وكذلك فعل الحلف نفسه، إنّما من دون تقديم أيّ تعهّدات.

مشاكل متعدّدة

طالبت أنقرة إجراء استشارات عاجلة ضمن الدول الأطلسيّة بموجب المادّة الرابعة من المعاهدة. وتنصّ المادّة على أنّ الدول الأطراف ستجري استشارات بين بعضها البعض “عندما تتعرّض، برأي أيّ منها، وحدتها الإقليميّة واستقلاها السياسيّ والأمنيّ للتهديد.” على الخطّ نفسه، من الصعب أن يتحرّك حلف شمال الأطلسيّ للدفاع عن تركيا وفقاً للمادّة الخامسة لأنّ الهجوم على القوّات التركيّة حدث خارج حدود البلاد. علاوة على ذلك، يتطلّب إجراء كهذا إجماعاً بين دول الحلف لكنّه إجماع بعيد من التصوّر في الظروف الراهنة.

فإضافة إلى المشاكل الاستراتيجيّة لتركيا مع الناتو في ما يخصّ التقارب مع روسيا، تبرز المشاكل الثنائيّة لأنقرة مع دول أطلسيّة أخرى خصوصاً اليونان، كالنزاع الحدوديّ والتنقيب عن النفط شرقي المتوسّط والأوضاع في ليبيا والمناوشات الجوّيّة والبحريّة وغيرها. كما أنّ إبقاء تركيا الحدود مفتوحة أمام اللاجئين للتوجّه إلى أوروبا، دفع اليونان إلى عقد اجتماع حكوميّ طارئ، حيث قال متحدّث حكوميّ اليوم إنّ بلاده منعت 4 آلاف لاجئ من الدخول إلى أراضيها. لهذه الأسباب، إنّ إجماعاً أطلسيّاً للتدخّل عسكريّاً لصالح تركيا يبدو مستحيلاً في الظرف الحاليّ. ففي ظلّ ضغطها الكبير على الناتو في إطار توجّهها السياسيّ الجديد مع روسيا، تسبّبت أنقرة بأضرار جانبيّة لنفسها برزت مؤخّراً حين كانت بحاجة للحلف.

“أنعش الحبّ المفقود”

من المؤكّد أنّ إعادة تركيا لدفء العلاقات مع بروكسل لن تتمّ بسهولة ولا بمجرّد الاحتفال بانضمامها إلى الحلف منذ أكثر من ستّة عقود. يحتاج هذا الهدف، إن كان موجوداً، إلى مسار طويل لعكس النظرة السلبيّة التي بات الجمهور التركيّ يتمتّع بها إزاء الناتو. ففي 9 شباط وجد استطلاع رأي لمركز “بيو” للأبحاث أنّ أدنى نظرة إيجابيّة تجاه الحلف موجودة في تركيا وتقف عند حدّ 21% فقط.

ربّما كانت حسابات بوتين متضمّنة إبعاد تركيا عن الناتو قدر الإمكان بما ينزع مظلّة الحماية الأطلسيّة عنه حين يكون بحاجة إليها كما هي الحال اليوم. لكنّ تلك الحسابات، بالرغم من دقّتها، قد ترتدّ سلباً على بوتين مستقبلاً وفقاً للكاتب السياسيّ في موقع “دويتشه فيلي” قسطنطين إيغرت الذي رأى أنّ أحداث إدلب أضعفت إردوغان داخليّاً وأمام أعين الأطلسيّ. بالتالي، قد يلجأ الرئيس التركيّ إلى البدء بإصلاح العلاقات مع الحلف، حيث وجد إيغرت أنّ بوتين “أنعش الحبّ المفقود” من إردوغان تجاه الناتو.

لكن بالنظر إلى توقّف تركيا فعليّاً عم منع اللاجئين من التوجّه نحو أوروبا، ومع إعلان إردوغان هذا الأمر اليوم السبت بشكل صريح، يبدو أنّ إصلاح العلاقات التركيّة مع الناتو قد انطلق من المكان الخاطئ. إلّا إذا كان إردوغان ينوي تعزيز نفوذه التفاوضيّ قبل هذه الخطوة.

اضف رد