الرئيسية / home slide / هل يحلّ انتقال الثورة الإسلامية إلى “الدولة” مشكلات إيران؟

هل يحلّ انتقال الثورة الإسلامية إلى “الدولة” مشكلات إيران؟

28-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

تعبيريّة.

عندما تسأل إيرانيين مؤمنين بالجمهورية الإسلامية في دولتهم وعاملين في مؤسساتها، سواء في الداخل أو في العالم الأرحب خارجها، عمّا يجري في بلادهم منذ قرابة شهرين من تحرّك شعبي احتجاجاً على قتل #مهسا أميني أو وفاتها على أيدي “شرطة الأخلاق” بسبب خرقها قواعد “الزيّ الإسلامي”، وتجاوز الاختلافات الإتنية والعرقية والطائفية والمذهبية وعن التجرّؤ على تحدّي المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلاد ومعها السلطة الحاكمة على اختلاف مؤسساتها، عندما تسألهم عن ذلك يعطونك جواباً مطمئناً يفيد أولاً أن الجمهورية الإسلامية ليست في خطر. ذلك أنها ليست المرة الأولى التي تواجه فيها تحركات شعبية شملت عشرات المدن الكبرى والبلدات والقرى سواء لأسباب تتعلّق بزيادة أسعار المحروقات وباضطراب الوضع المالي والنقدي، أو لأسباب سياسية كان أهمّها اتهامها بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2009 رغم أن المرشّحين فيها كانوا كلّهم من أبناء النظام الإسلامي بصيغتيه المعتدلة أي الإصلاحية أو المحافظة أي المتشدّدة.

وليست المرة الأولى التي تستعمل فيها الجمهورية العنف “الرسمي” مع المحتجين في الشوارع، والحصيلة كانت دائماً كبيرة مثلما هي الآن أي مئات القتلى وأحياناً أكثر من مئات وآلاف الجرحى والمعتقلين الذين يُساقون الى المحاكم ثم يُحكم معظمهم بمُدد سجن طويلة والعشرات منهم بالإعدام. بعد كل تحرّك كان يعود الاستقرار الأمني رغم امتناع الدولة بأجهزتها كلها أو بمجالسها الدستورية الخمسة المنتخبة من الشعب عن معالجة أسباب التظاهر والعصيان وحتى التمرّد وعن محاسبة الذين أخطأوا أو أفسدوا من المسؤولين ومنفّذي القوانين منها. من الطبيعي في حال كهذه أن يتمدّد الاحتجاج الشعبي ويتوسّع بحيث يشمل الجهات الأربع للجمهورية الإسلامية، وأن تعود الأخيرة الى القمع، وأن يحتجّ العالم كله على مسّها #حقوق الإنسان فيها، لكنه يستمر في الوقت نفسه في التفاوض معها من أجل عودتها الى المجتمع الدولي والحدّ من خطر تحوّلها دولة نووية. يكشف ذلك أن المجتمع الدولي أو بالأحرى كباره يستخدمون حقوق الإنسان للضغط من أجل تحقيق أهداف استراتيجية أخرى كبيرة.

ويعني أن حقوق الإنسان ليست همّاً لا للداخل الإيراني ولا للخارج القوي والكبير والمتنوّع.

هل يعود الاستقرار وتتوقّف #الاحتجاجات الشعبية داخل إيران بعد إصرار المشاركين فيها على الاستمرار من أجل تحقيق تغيير في المعاملة مع الناس وتطبيق القانون على الجميع وإعطاء مساحة حرية مهمة للمواطنين، كما بعد إصرار الدولة بأجهزتها الأمنية والعسكرية المتنوّعة على عدم الاعتراف بأخطاء ترتكبها أجهزة أو أفراد أو سياسيون في حق الشعب فتجعل حياته صعبة وتسهّل أمور الفساد؟ المسؤولون الإيرانيون يجيبون عن ذلك بنعم وبثقة تامّة، إذ يقولون لمن يسألهم إن الخارج المعادي لبلادهم ونظامها الإسلامي إما حرّك المحتجين والتظاهرات، وإما استغلّها لإثارة الشعب على الاثنين متناسين أن تحرّكاً بهذا الحجم كما بالأحجام السابقة لا يمكن أن يقوم به أجانب أعداء وعملاء لهم في إيران وإن كان عددهم بالمئات. يقولون أيضاً إنهم يمتلكون القوة اللازمة لوضع حد للتظاهرات المتسعة يومياً وإعادة الاستقرار . لكنهم يستعملونها بحكمة وهدوء وينفون وإن من دون إصرار اشتراك “الباسيج” في مواجهة المتظاهرين وقمعهم. لكنهم يؤكدون أن لديهم من المؤسسات الأمنية والعسكرية وأقواها “الحرس الثوري” ثم الجيش ما يمكّنهم من القضاء على أي خطر داخلي محرَّك من الخارج يهدّد الجمهورية الإسلامية.

في هذا المجال يتذكر السوريون واللبنانيون وأبناء المنطقة أن المسؤولين في إيران نصحوا رئيس سوريا بشار الأسد في بداية “الثورة” عليه وكانت اجتماعية إصلاحية في بدايتها بعدم استعمال القوة المفرطة والجيش وعدم اللجوء الى القتل العشوائي. وشرحوا له كيف واجهوا الاحتجاجات الخطيرة عام 2009 وغيرها وتمكّنوا من القضاء عليها بأقل عدد ممكن من القتلى والجرحى.

وأبدوا استعدادهم لإرسال مدرّبين على هذا النوع من المواجهة الى دمشق لتدريب القوات السورية المتنوّعة على طريقة إنهاء تمرّد أو ثورة في بدايتهما أو احتجاج بطريقة أقل دموية تفتح الباب أمام عودة السلم والاستقرار من دون أن يصاب النظام بأذى. لكن النظام السوري لم يتجاوب مع النصيحة الإيرانية. يدفع ذلك الى التساؤل عمّا إن كانت إيران هذه تخلّت عن “القمع السلمي” للتظاهر والاحتجاج. والجواب عن ذلك صعب، إذ هي تصرّ على استمرار أسلوبها “القمعي الخفيف” بدليل أن عدد الجرحى والقتلى والمعتقلين قليل جداً مقارنة بتعداد الشعب الإيراني. لكنها تؤكد عبر مسؤولين فيها أن تصاعد الاحتجاج والخطر سيدفعها الى استعمال تدريجي لكل أجهزتها الأمنية وفرقها العسكرية.

فهل تصل الى هذه المرحلة؟ لا أحد يعرف جواباً عن هذا السؤال. لكن ما يعرفه العالم والخبراء من طريقة تحوّل الانتفاضات الشعبية أو الاحتجاجات الى ثورات وربما الى حروب أهلية تطيح أنظمة أو توقع البلاد في فوضى هو أن اللجوء الى كل أسباب القوة ليس مضمون النجاح كما ليس مضمون الفشل. علماً بأن الفشل يقوّي في قلوب المواطنين وفي عقولهم الحقد على النظام الحاكم لهم وإن إسلامياً إن لم يقم بالإصلاحات اللازمة المتعلّقة بالقضاء على الفساد المتنوّع وبتحسين الاقتصاد وبوقف تدهور العملة الوطنية وتعزيز الحرية على أنواعها. ومن شأن ذلك تعزيز إسلامية النظام وعدم تحوّلها في نظر الناقمين والمحتجين سبباً لمصاعبهم المتنوّعة التي تزداد يوماً بعد يوم. هذا الواقع يجب أن يدفع النظام الإسلامي في إيران الى التفكير في عمق في ما يجري والى اتخاذ القرارات المناسبة.

ذلك أن الذين في الشوارع أو معظمهم والذين في البيوت وكلهم من جيل الشباب ليسوا ضد إسلامية إيران. فهم ترعرعوا في ظلها وهم أبناؤها، ولذلك على السلطة بمجالسها الخمسة وبمؤسساتها العسكرية أن تفكّر جدياً في الطريقة القادرة على إرضائهم واستعادتهم بدلاً من دفعهم الى الارتماء في حضون الأعداء، إيرانيين كانوا أو غربيين أو شرقيين. ربما عليها أيضاً أن تعرف بعد 43 سنة من الثورة الإسلامية التي أسّست الجمهورية الإسلامية أن الأولى لا تستطيع الاستمرار الى الأبد، وأنها يوماً ما ستتعرّض لتحدّيات خطيرة جداً. وما يجنّبهم كل ذلك هو تحوّلها دولة وإن إسلامية أو مسلمة. ذلك أن الثورة تفتح الباب أمام تجاوز القوانين والفساد رغم نجاحها مثلاً في جعل إيران دولة مرهوبة الجانب وذات دور فاعل في المنطقة وحتى نووية. أما الدولة فأمر مختلف تماماً. هل هذا تحوّل متاح أو ممكن؟

Sarkis.naoum@annahar.com.lb