الرئيسية / مقالات / هل يجوز أن يظلّ المثقفون في بلادي موزّعين بين الدعارة الفكرية واليأس؟

هل يجوز أن يظلّ المثقفون في بلادي موزّعين بين الدعارة الفكرية واليأس؟

حليمة القعقور
النهار
04092017

 لوحة للفنانة الأميركية بيليندا غونغ.

في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يمر فيها لبنان، أتساءل أين هم المثقفون في بلادي؟ أين الكاتب الحر الذي لا يتبع هذا الفريق أو ذاك، ويحلّل بشكل موضوعي، ويؤيد أعمالاً وأفكاراً وليس أشخاصاً؟

المثقف ليس فقط حامل شهادات أو قارئ كتب، أو الشخص الذي يملك القدرة على الكتابة والتحليل. بل هو من يتأثر ويؤثر في المجتمع عبر كتاباته وانتاجاته الثقافية. هو ذلك الكاتب، المحلّل، الفنان، الأديب، المفكر، الذي ينتج رأياً، ويصنع أفلاماً وقصائد تساهم في بناء الوطن. إنه ليس ذلك التاجر الذي يبيع قلمه من أجل المال، أو المنصب، أو من أجل نصرة طائفته. هو لا يتعاقد مع زعيم، أو منظمة، أو شركة، بل يتعاقد مع الروح، مع الضمير، من أجل أفكار تحمل مبادئ وقضايا ورؤيا للإنسان.

واجب المثقف تجاه وطنه ليس كواجب أي مواطن آخر. واجبه أكبر من غيره بكثير. كلّما اتسعت ثقافته، وترسخت قدرته على التأثير، زادت مسؤوليته في التغيير. الخطأ الذي يرتكبه أكبر من أخطاء الآخرين، وخيانته أعظم من خيانة الآخرين.

المثقف هو الإنسان الذي لا يرضى بالواقع كما هو، بل ينطلق منه من أجل تغييره. هو يتخطى الحدث، يسلك طريقاً محفوفاً بالخطر، من أجل أن يفتح الدروب، ويصنع التاريخ.

المثقف صاحب الرأي الحرّ، يدافع عن المثقف الآخر الذي يحمل الرأي الآخر. يدافع عن حقه في الوجود، وعن حريته في التعبير، ولا يتمنى الموت له، بل يدافع حتى الموت عن أفكاره ومبادئه.

البعض لا يعرف أهمية دور المثقفين ووطأة الكلمات على الأشخاص. بعض الأقلام يَقتل، وبعضها يُقتَل، وبعضها الآخر يحيي.

لا يمكن أن تعيش أي منظومة سلطوية، سياسية، أو أمنية، أو طائفية، من دون أقلام تشرّع لها وجودها.

العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية كان لها أقلامها التي حوّلت الإنسان إلى مستهلك، نتيجة فكر معين، وإلى إرهابي نتيجة فكر معين، وإلى يائس نتيجة فكر معين، وإلى طائفي نتيجة فكر معين، وإلى ذكوري وعنصري نتيجة فكر معين.

هناك من يرتكب الجريمة، لكن هناك الفكر الذي يحرّض عليها. نحاكم مرتكب الجريمة (المغسول دماغه)، ونترك من حرّض عليها. كم من صحف ومراكز أبحاث وإعلام تحضّ على الخوف من الآخر وتخوينه!

من أجل أن نعرف أهمية الكلمة، من المهم أن نطلع مثلاً على مدى سيطرة ال” إيباك” ، أحد أهم اللوبيات الصهيونية، على مراكز الأبحاث والجامعات في أميركا.

أزمة المثقفين هي أخطر من أزمة الإقتصاد.

كل نظام ديكتاتوري أو احتلال يقوم بتصفية المثقفين عبر ترهيبهم أو تدجينهم أو سجنهم أو شرائهم. أما في لبنان فبعض الأقلام من أساتذة جامعيين وصحافيين وغيرهم، تمّ تجييرهم أو شراؤهم، وبعضهم الآخر التحق بإرادته بالأحزاب الطائفية طمعاً بمناصب، ودخل أوكار الدعارة الفكرية. الفئة الثالثة أصابها اليأس فهمّشت نفسها في المجتمع. كل هذه الفئات تسقط عنها صفة “المثقف”. فلا القلم اليائس يمكن أن يغيّر المجتمع، او يصلحه، ولا الذي باع نفسه من أجل منصب أو مال.

إن مقاومة كل فكر ديكتاتوري، إرهابي، توتاليتاري، عنصري، أو طائفي، تحتاج إلى أقلام حرة، إلى مثقفين أحرار.

القلم هو السلاح الأهم. هو ضمان لبقاء الانسانية ولبقاء الوطن.

حساب الأقلام يجب أن يأتي قبل حساب المحاكم.

لن أتوجه في هذا المقال إلى من دخل دعارة الفكر وباع قلمه لزعيم الطائفة أو لبلد أجنبي آخر، بل إلى من خلع بإرادته ثوب المثقف نتيجة يأس وتعب. إن لبنان بحاجة إلى كلمات هؤلاء المثقفين “المستقيلين” اليوم.

أخاطب هؤلاء بالذات. وأدعوهم إلى استعمال هذه الكلمات بشجاعة. ولتبدأ مرحلة جديدة من صناعة التاريخ، مرحلة يخاف فيها النظام منكم وليس العكس. مرحلة فكر سياسي حقيقي نبني به الوطن والمواطن.

انضموا الى تلك الفئة النادرة المثقفة في لبنان التي لا تزال تقاوم الفكر السائد.

ولتبدأ الثورة الثقافية التي لن تهبّ إلا بأقلامكم.

أستاذة جامعية ودكتورة في القانون الدولي

اضف رد