الرئيسية / مقالات / هل يتورط “حزب الله” في حرب سوريا وتركيا؟

هل يتورط “حزب الله” في حرب سوريا وتركيا؟

القوات السورية في حلب (أ ف ب).

منتصف سنة 2018 أصدرت الأمم المتحدة بياناً أعلنت فيه انتهاء الحرب السورية الداخلية التي ذهب ضحيتها نصف مليون نسمة، وأدى استمرارها الى نزوح 12 مليون نسمة لجأت غالبيتهم الى تركيا ولبنان والأردن.

عقب انتشار ذلك البيان، تناوب أيضا أعضاء مجلس الأمن على التعبير عن أسفهم للخسائر البشرية والمادية التي مُنيَت بها دولة لا يزيد عدد سكانها على 22 مليون نسمة.

المندوب الروسي اقترح إيجاد تسوية سياسية يفرضها مجلس الأمن على النظام القائم، على أن تشارك الأسرة الدولية في تكاليف مشاريع إعادة الإعمار.

المندوب الاميركي نأى بإسم البيت الأبيض عن المشاركة في دعم تكاليف المشاريع المقدرة بمئتي مليون دولار. وبرر موقفه بالتذكير أن مشروع مارشال لإنقاذ الاقتصاد الاوروبي، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان بمثابة دعم مادي لدول حليفة مفلسة.

وقبل أن تكتمل الفرحة بهزيمة “داعش”، وتبدأ الدولة السورية المنهكة في تنفيذ مشاريع البناء والإعمار، استؤنف القتال من جديد في منطقة إدلب وضواحيها. وهي المنطقة التي تحتضن كل مراكز الأحزاب والميليشيات المعارضة لنظام بشار الأسد. وقد تعرض هذا النظام لصدامات مسلحة أربع مرات خلال فترة الحرب الأهلية. لهذا وصف مراسل “لو فيغارو” الفرنسية سوريا بأنها تحولت تدريجياً الى مختبر نزاعات القرن الواحد والعشرين، تماماً مثلما تحولت الحرب الأهلية الاسبانية الى مختبر للحرب العالمية الثانية!

يوم الثلثاء الماضي أضاءت سماء محافظة إدلب السورية طائرة مروحية تابعة للجيش السوري، وذلك إثر إصابتها بصاروخ موجه أطلقته ميليشيا تحرير الشام. وهي ميليشيا إنبثقت عن منظمة “القاعدة” التي شملتها حركة التجديد في بلاد الشام

وقع حادث إسقاط الطائرة عند حدوث اشتباكات بمدفعية الدبابات قام بها الأتراك لصد هجوم عنيف شنته القوات السورية. وهو الهجوم الرابع خلال الأيام القليلة الماضية بهدف استرداد آخر محافظة لجأت اليها ميليشيات المعارضة. وقد اضطرت دمشق الى إعادة استخدام البراميل المتفجرة لصد الهجوم المعاكس الذي قام به سلاح الدبابات التركية. أي البراميل المحشوة بعدة متفجرات موقوتة كالتي استعملتها موسكو في حرب تطويع ثوار الشيشان.

في يومي الاثنين والثلثاء الماضيين، نشرت الصحف التركية خبراً مفاده أن وزارة الدفاع في أنقرة اعترفت بمقتل خمس عشرة جندياً. ولما بلغ الخبر رجب طيب اردوغان عقد اجتماعين مع العسكريين أمرهم خلالهما باستخدام هجمات انتقامية متواصلة. وفي صباح اليوم التالي إدعت وزارة الدفاع التركية أن دباباتها أطلقت نيران مدافعها على 103 أهداف عسكرية ومدنية. وكانت النتيجة تدمير ثلاث دبابات وإسقاط مروحية عسكرية سورية.

تدعي أنقرة أنها تخوض معارك متواصلة في محافظة إدلب بهدف منع اللاجئين السوريين من التسلل الى أراضيها. وهي حالياً تتكفل بإيواء وإطعام ثلاثة ملايين وسبعمئة لألف لاجئ هربوا من القصف الذي تعرضت له حلب وضواحيها، ومن ثم محافظة إدلب.

نشرت مجلة “تايم” الاميركية خبراً تزعم فيه أن قوات بشار الأسد استرجعت أكثر من نصف محافظة إدلب، مقابل تهجير نصف مليون شخص. وذكرت أيضاً عن احتمال إتساع رقعة القتال في حال قررت روسيا، حليفة سوريا، دعمها بالسلاح الجوي. وهذا ما يضطر تركيا الى قضم مزيد من الأراضي السورية.

وكانت أنقرة قد عقدت اتفاقاً مع موسكو أعطى تركيا شرعية الوجود في “نبع السلام” بين تل أبيض ورأس العين بعمق 35 كلم. ومع أن هذه الاتفاقيات وقعت في آخر السنة الماضية، إلا أن اردوغان انتظر أن تثمر في هذه السنة. وتمثل الثمار بأنبوب الغاز الذي احتفل بوتين وأردوغان بافتتاحه يوم الثامن من كانون الثاني الماضي.

ووصف اردوغان بوتين بالصديق الحقيقي المخلص. ورد عليه بوتين بكلمات الثناء والمديح، معتبراً أن موقف اردوغان يجب أن يقابل بمنحه جائزة نوبل، والسبب أن تركيا هي عضو في الحلف الأطلسي، وأن انتقادات قاسية وجهت الى مسهّل وصول 32 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً، ستستفيد منها: بلغاريا واليونان وهنغاريا وصربيا… وتركيا.

يعتبر المؤرخون المعاصرون أن اردوغان وصل الى ما وصل اليه من مركز مرموق بفضل مساعديه المخلصين لا بفضل ثقافته الضحلة التي لا تتعدى الحصول على شهادة في كرة القدم. ومع هذا كله، فقد أبعد من حوله أخلص صديقين، هما: عبدالله غل، رئيس الجمهورية السابق، ومنظر “حزب العدالة والتنمية” أحمد داوود أوغلو، إضافة الى وزراء سابقين مثل علي باباجان وسعدالله أرغني وبشير أطالاي.

وفي مرحلة سابقة اتهم اردوغان منافسه زعيم حزب المعارضة الذي لجأ الى الولايات المتحدة، عبدالفتاح غولن، وقد استغل حال الاستنفار التي أطلقها لتطهير الجيش من جنرالات كان يرتاب في مواقفهم (٢٠١٦). علماً أن الجيش ظل يمثل منذ عهد كمال أتاتورك قوة الترجيح في التوازن الوطني المطلوب في تركيا. ومع أن صورة أتاتورك تغطي صدر مكتبه، ويتحدث عنه كمثله الأعلى في الحكم، إلا أنه أخفق في تقليده. والدليل أن منجزاته تتعرض دائماً للتغيير حسب مزاجه السياسي.

تقول مصادر مقربة من “حزب الله” إن بشار الأسد طلب من الحزب عدم سحب كل عناصره الى حين اكتمال تحرير محافظة إدلب. وبرر هذا الطلب بضمور الجيش النظامي الى ٢٢ ألف نَفَر، يصعب توزيعهم على كل المناطق الساخنة. ولقد أبقى الحزب نحواً من ألف مقاتل توزعوا على جبهة إدلب المشتعلة وعلى حراسة القصر الجمهوري في دمشق. وكان من الطبيعي أن تسقط له ثلاث ضحايا في الأسبوعين الماضيين نُقِلَت جثثهم الى لبنان. ومن المتوقع استنفار عدد آخر في حال بقي اردوغان مصراً على احتلاله لأربعين كلم داخل الأراضي السورية.

عندما قرر الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما زيارة الشرق الأوسط، طلب منه اردوغان افتتاح تلك الزيارة بتركيا، كونها تمثل ستمئة سنة من امبراطورية ما تزال آثارها مطبوعة في عدة بلدان. وبما أنه مصرّ على إحياء ذلك التراث من خلال الإسلام المتنور، فقد تعمد زيادة شعبيته عبر التنسيق مع الرئيس الاميركي الجديد. ويبدو أن تلك الرؤية الخاطئة أدخلته في متاهات عديدة بينها انحيازه السافر الى فريق فايز السراج في ليبيا، وانحيازه الشديد الى “الاخوان المسلمين” في مصر، والى محمد مرسي بالذات. ولولا حذر الرئيس عبدالفتاح السيسي لكانت نجحت عملية الانقلاب العسكري التي خطط لها “الاخوان” أثناء فترة حكمهم بتأييد من رجب طيب اردوغان.

الانتخابات المحلية الأخيرة كانت المؤشر الشعبي لأفول نجم اردوغان وحزبه في البلاد. وكان أبرزها خسارته مدينة اسطنبول عبر سقوط مرشحه بن علي يلدريم. وهو حالياً يتقرب من بوتين لمساعدته على حل أزمته السياسية.

يقول بشار الأسد إن تركيا رفضت إعادة لواء الاسكندرون الذي اقتطعته من سوريا، الأمر الذي يساويها في نظرنا بإسرائيل. وهذا ما دعا الرئيس الراحل حافظ الأسد الى دعم عبدالله أوجلان، رئيس حزب العمال الكردستاني، وهيأ لمقاتليه أفضل الظروف لشن هجمات من جبال قنديل العراقية ومن جبال القامشلي السورية.

الأسبوع الماضي، ألقى اردوغان خطاباً سياسياً ذكّر فيه المواطنين بالانجازات الثقافية والعمرانية التي تركتها الامبراطورية العثمانية في العالم. ولأول مرة يفاجأ بعض اللبنانيين ممن سمعوا الخطاب على الراديو، بأن الرئيس التركي يفاخر بأن أحد سلاطين بني عثمان شيّد سرايا بيروت، وأن لبنان يستعملها حالياً دون أن يفكر بدفع ثمن بنائها.

وما على رئيس الحكومة حسان دياب إلا أن يضم ثمن السرايا الى ديون تركيا…

صحافي لبناني

اضف رد