هل يئِس الأسد من العرب أم يئِسوا منه؟

عندما حاول لبنان الرئيس ميشال عون دعوة سوريا إلى الاشتراك في القمّة العربيّة الاقتصاديّة التي استضافتها بيروت قبل مدّة وقف في وجهه لبنان الرئيس سعد الحريري ولبنان “حزب القوّات اللبنانيّة” وغيره وحالوا دون ذلك. والحجّة التي استُعملت لتسويق الامتناع عن توجيه الدعوة أن قمّة بيروت اقتصاديّة، وإن القمّة العربيّة الدوريّة ستنعقد في نيسان المقبل في تونس، وأن رئيس الأخير سيُوجّه الدعوة لحضورها إلى نظيره السوري بشّار الأسد. ولم يقتصر هذا الموقف على اللبنانيّين بل أبداه أيضاً عدد من المسؤولين العرب الأمر الذي حال دون تحوّل دعوة الأسد أو عدم دعوته إلى القمّة المذكورة مشكلة داخليّة كالعادة، إذ اكتفى الأفرقاء المختلفون على كل شيء في لبنان بتسجيل مواقفهم. فمرّ “قطوع القمّة على خير. 

هل ستُدعى سوريا إلى قمّة تونس؟

عزّزت الآمال في ذلك، في الأسابيع التي سبقت قمّة بيروت وأعقبتها، إعادة دولة الإمارات العربيّة المتحدة فتح سفارتها في دمشق، وإعلان البحرين عزمها على تنفيذ خطوّة مماثلة، وتسرّب معلومات إلى الإعلام عن تساهل المملكة العربيّة السعوديّة في هذا الأمر وربّما عن احتمال إقدامها على الخطوة نفسها. وعزّزتها أيضاً تصريحات إعلاميّة لمسؤولين عرب أشارت إلى أن الاجتماعات الإعداديّة لقمّة تونس المُرتقبة ستبحث جديّاً في هذا الأمر، وهي التي ستتّخذ قرار دعوة الأسد إليها. ذلك أن قرار انتزاع مقعد سوريا في جامعة الدول العربيّة منها اتّخذ قبل سنوات في أحد اجتماعاتها، ولا بُدّ من قرار بإعادته إليها في إجتماع مماثل. وعزّزتها ثالثاً المعلومات التي سُرّبت إلى الإعلام المتنوّع في لبنان والمنطقة والعالم، والتي أشارت إلى أن الدول العربيّة المناهضة لسوريا رأت أن الاستمرار في مقاطعتها سيُعزّز حضور إيران فيها، وأن العودة إليها بعد تحقيقها نجاحات عسكريّة مُهمّة وإن غير نهائيّة قد تدفعها إلى التفكير في أن مصلحتها تقتضي التفاهم مع الدول العائدة إليها. أوّلاً لأنّها ستُواجه في مرحلة قريبة أو متوسّطة أو بعيدة إعادة إعمار ما دمرّته الحرب فيها. ويحتاج ذلك إلى مئات المليارات من الدولارات الأميركيّة التي لا تمتلك منها شيئاً، والتي لا تستطيع حليفتها الإيرانيّة تحمّل كلفتها المالية، والتي لا تمتلك روسيا بدورها ما يكفي منها لتقديمه إلى دمشق. في حين أن الدول العربيّة “العائدة” إليها لديها منها الكثير، وانخراطها في تمويل إعادة الاعمار لا بُدّ أن يُشجّع الغربَيْن الأميركي والأوروبي على المساهمة فيها. ومن الطبيعي أن لا يرضي ذلك إيران الطامحة إلى الإمساك بسوريا كليّاً وأن يدفع دمشق إلى التخلّي عن الاعتماد عليها كليّاً وإلى الاعتماد على العرب وحلفائهم الدوليين.

لكن هذه الآمال خابت على ما يبدو. فالدول العربيّة المناهضة لـ”محور الممانعة والمقاومة” ضعفت حماستها للعودة إلى دمشق وجمّدت تحرّكها في هذا الاتجاه، فردّ الأسد بمواقف رسميّة تشير إلى أن جامعة الدول العربيّة هي التي انتزعت مقعد بلاده فيها اعتباطاً وظلماً، وهي التي عليها أن تُعيده إليها من دون أن يُبادر هو إلى طلب ذلك. ثم زار إيران برفقة الحاج قاسم سليماني القائد الإيراني العسكري لـ”قوات الممانعة والمقاومة” في سوريا من عسكر سوري وميليشيات إسلاميّة شيعيّة بعضها عربي وبعضها الآخر إسلامي غير عربي. والمعلومات المتوافرة الآن عند مُتابعين بدقّة للعلاقة السوريّة – العربيّة – الإيرانيّة تفيد أن كل كلام قبل قمّة تونس تحضيراً وانعقاداً عن عودة سوريا إلى “الجامعة” فيه الكثير من “العلك”. لكنّها تفيد أيضاً أن “وحدة الموقف العربي” السلبي المُشار إليها من سوريا لا تعني على الاطلاق أن لا خلافات بين أصحابه. إذ أن هناك نوعاً من الاختلاف أو التباين بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة، أي بين وليّي العهد فيهما الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد. فالأوّل يُواجه، رغم ما حقّقه من إنجازات ويُحضّره من تجديدات لبلاده، حاليّاً مشكلتين. الأولى مقتل الصحافي السعودي في قنصليّة بلاده في اسطنبول جمال خاشقجي التي وُجّهت له اتهامات كثيرة مباشرة ومداورة بالضلوع فيها. فهو لم ينتهِ ولن ينتهي. وقد يبقى سيفاً مصلتاً على رأسه ورأس المملكة من أجل استعماله عند الحاجة، علماً أن تركيا مستمرّة في تأجيجه إعلاميّاً مباشرة وبواسطة إعلام دول حليفة لها في المنطقة. وأميركا لم تسكت عنه وهي مستمرّة في تداوله داخل الكونغرس بمجلسَيْه وفي الإعلام وفي الحضّ على اتخاذ تدابير عقابيّة بسببه للسعوديّة. علماً أن رئيسها ترامب مستمرّ في دفاعه عنها وعن وليّ عهدها. أمّا المشكلة الثانية فهي سلبيّة أميركا ترامب حياله وحيال بلاده رغم دفاعها عنهما وتمسّكها بهما. ذلك أنها تتصرّف كمجموعة “مرتزقة” وتطلب المال في استمرار منهما للاستمرار في حمايتهما من أعدائهما وفي مقدّمهم إيران. وذلك يحرجهما كثيراً. علماً أن من أصل مئات المليارات من الدولارات التي أعلن ترامب يوماً أن المملكة سوف تدفعها لأميركا في مقابل مشروعات وأسلحة… لم يوقّع المسؤولون السعوديّون إلّا اتفاقات بنحو 4 أو 5 مليارات دولار. أمّا الثاني أي الشيخ محمد بن زايد فيُواجه أيضاً مشكلتين. الأولى إيقاف أميركا ترامب تساهل أميركا ما قبله معها بقبول تحوّل إحدى إماراتها معبراً للتجارة الخارجيّة الإيرانيّة رغم العقوبات، الأمر الذي أقفل شركات كثيرة ودفعها إلى الانتقال إلى تركيا. وألحق ذلك ضرراً بالاقتصاد. والثانية هو رغبة الامارات في التخفيف من أعباء اليمن الذي لا يهمّها فيه إلّا جنوبه وهي فيه حاليّاً، وعدم قدرتها على الانفراد بقرار في هذا الموضوع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*