هل وقع “حزب الله” في فخّ المبالغة الخطابيّة؟

حشود تتابع نصرالله متحدّثاً بُعيد مقتل سليماني (نبيل اسماعيل).

علامات استفهام جليّة تُرسم حول مسوّدات الخطب الناريّة التي يتوخّى تنقيحها “حزب الله” وأمينه العام السيد حسن نصرالله في المرحلة التي تلت مقتل قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني، ليس من باب أنها تورّط لبنان في مواجهة لا صلة له بها فحسب، وهو أصلاً انخراط أُكرهت فئات واسعة من المجتمع اللبناني على حصد نتائجه السلبية من دون موافقة أو إرادة، بعد سقوط مظلّة النأي بالنفس وانهمار شظايا الصراعات الايرانية فوق سماء الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، و”قصفها” جسر التلاقي في العلاقات الأخوية اللبنانية العربية. التساؤلات باتت تطاول الفحوى الخطابيّ المعتنق وما اذا كانت شظاياه استهدفت مطلقيه هذه المرّة أيضاً، تحت عنوان “الوقوع في فخّ المبالغة الخطابية” والتناقضات ما بين مسرح الواقع ومسرح الشاشة.

وبالمقارنة بين المسرحين، تتراءى نماذج وأمثلة، من شأنها تشريع علامات الاستفهام.

النموذج الأول:

مسرح الشاشة: “عندما تبدأ نعوش الجنود والضباط الأميركيين بالعودة إلى الولايات المتحدة، ستدرك إدارة ترامب أنها خسرت المنطقة وخسرت الانتخابات” نصرالله (5 كانون الثاني 2020).

مسرح الواقع: “كان بإمكاننا قتل 500 جندي في هذه العملية لو اردنا، وكان بإمكاننا استهداف مقارّ استقرار القوات الأميركية في القاعدة لكننا تجنبنا ذلك” – قائد القوات الجوية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حجي زاده (9 كانون الثاني 2020).

النموذج الثاني:

مسرح الواقع: “رد طهران على اغتيال الجنرال سليماني انتهى”. وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف (8 كانون الثاني 2020).

مسرح الشاشة: “ما حصل في عين الأسد هو صفعة، وليس رداً”. نصرالله (12 كانون الثاني 2020).

النموذج الثالث:

مسرح الواقع: “ذكرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية أن رئيس هيئة الطيران المدني في البلاد نفى، اليوم الخميس، “الشائعات غير المنطقية” التي تقول إن الطائرة الاوكرانية التي تحطمت قرب طهران أُسقطت بصاروخ. ونقلت الوكالة عن علي عابد زادة: “من الناحية العلمية، من المستحيل أن يضرب صاروخ الطائرة الأوكرانية. ومثل هذه الشائعات غير منطقية”. وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (9 كانون الثاني 2020).

“أقرّت قيادة القوّات المسلّحة الإيرانيّة السبت في بيان بأنّ “خطأ بشريّاً” تسبّب بكارثة طائرة البوينغ 737 الأوكرانيّة”. قيادة القوّات المسلّحة الإيرانيّة (11 كانون الثاني 2020).

مسرح الشاشة: “الشفافية في اعتراف القيادة الإيرانية بإسقاط الطائرة الأوكرانية بخطأ بشري وذلك لم يحصل بتاريخ البشرية”. نصرالله (12 كانون الثاني 2020).

هل تؤكّد هذه النماذج انعكاسات سلبية تطاول محور “الحزب” بقدر ما هي تعكس ارباكاً وتشرذماً؟

“شدّ العصب”

في رأي النائب السابق فارس سعيد، “ما يتحكّم بنبرة خطاب نصرالله هو عمليّة شدّ العصب بُعيد مقتل سليماني، اذ تكمن مصلحة الحزب في رفع الصوت من أجل شدّ العصب، وكلّ ما يقوم به هو محاولة رفع معنويّات جماعته، وهذا ما يتحكّم بكلّ اطلالاته في هذه المرحلة”، مؤكّداً أن “من أحد الأمور التي صنعت هيبة السيد نصرالله سابقاً أن اللبنانيين كانوا ينتظرون أن يتحدّث مرّة كلّ ستّة أشهر. منذ 17 تشرين الأول حتى اليوم، تحدّث بشكلّ مكثّف جداً. الاطلالات المكثّفة تؤدي الى افقاد الكلام هيبته ومضمونه، خصوصاً في حال التحدث من باب الغضب ورفع المعنويات من دون هدف ايصال رسالة سياسية الى الخارج. ويحاول نصرالله الحفاظ على الجماعة الداخلية نتيجة الخوف من خسارتها ككل زعيم طائفي استند إلى اختزال طائفته، وهو ليس الحزب الأوّل الذي اختزل طائفته في لبنان. عندما يحصل الاختزال عادة، يربح الحزب في لحظات الربح، وتخسر الطائفة في لحظات الخسارة مع الحزب، وهذا ما حصل في مراحل عدّة سابقة ويمكن أن يحصل مع حزب الله”.

بدوره، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي النائب وهبة قاطيشا أن “خطابات نصرالله والايرانيين مبنيّة على المبالغات وفي طليعتها مبالغة استعادة فلسطين رغم أن ايران لم تطلق رصاصة واحدة على فلسطين المحتلة. والمبالغات هذه ليست موجّهة الى معارضي الحزب بل الى مؤيّديه الذين يشكلون البيئة الحاضنة. لكن التململ بدأ يطاول البيئة الحاضنة نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية في لبنان على قاعدة أننا نريد خبزاً قبل الصواريخ. أما وعود المواجهة فهي عبارة عن ربط نزاع كأن يقال (انتظروا الآتي)”.

مقاربة مختلفة يعبّر عنها الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن هشام جابر، في قوله لـ”النهار” إن “الخطاب السياسي يختلف عن التحليل السياسي، وفي الخطاب يحاول الخطيب تقوية المعنويات وشحذ الهمم والمبالغة واردة فيه. السيد نصرالله حتى تاريخه كان دائماً دقيقاً في وصف الحال وفي اطلاق الوعود، لكن لم يكن له قرار في الاجراء الايراني رغم أنه حليف أساسي لايران، وهو يحاول تعظيم الايجابيات والتخفيف من السلبيات، وهذا مسموح في الخطاب السياسي ولا يُفقد نصرالله مصداقيّته”، مضيفاً أن “الخطاب لا يخرج عن نطاق الحرب النفسية التي تسمح بشدّ العصب”.

لكن جابر يضيء على انعكاسات موقف “الحزب” من الانتفاضة على مؤيّديه، اذ يقول: “كتبتُ مقالات ووجهت كتاباً مفتوحاً الى السيد نصرالله في زمن الانتفاضة بعد الاعتداء على الحراك في النبطية وعلى جسر الرينغ، وقلت إن قوّته ليست في الصواريخ بل في البيئة الحاضنة والجمهور. الناس الذين ضربوا في النبطية انتخبوا الحزب. وهناك من هلّل لموقفي ومن لامني معتبرين أنني أكسر الجرّة مع المقاومة. فأجبت أنني أدافع عن الحزب عندما يحارب اسرائيل ولكن ليس في الاعتداء على اللبنانيين”.

ويخلص جابر الى أن “الحزب فقد من جمهوره لأسباب عدّة متراكمة منها الحراك اللبناني والوضع الاقتصادي وما يجري في المنطقة، ولا يمكنني أن أنكر ذلك، ورغم عدم اتهام الحزب بالفساد حتى الساعة الا أنهم اتهموا بتغطية الفساد”.

فهل تعبّر غزارة علامات الاستفهام المرسومة في فلك “الحزب” عن تعاظم واقع “أزمة” يعايشها؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*