الرئيسية / مقالات / هل نحن أمام “مسألة شيعيّة” في لبنان؟

هل نحن أمام “مسألة شيعيّة” في لبنان؟

تصور نبيل إسماعيل.

أجلس أمام التلفاز وأستمع إلى الأخبار المسائية التي تلخّص أحداث يوم السبت في ٢٨ شباط.

في النشرة الواحدة وفي اليوم الواحد، ثلاثة أخبار عن مآسٍ تصيب الشيعة اللبنانيين:

– زيادة الإصابات في الكورونا عند الشيعة، في ظل استمرار تقصير وزير الصحة الشيعي في اتخاذ الإجراءات الجذرية، مع العلم أن مناطقهم هي الأكثر احتمالاً للتعرض للإصابة بالفيروس، بسبب عودة بعضهم من زيارات لإيران.

– سقوط عدد كبير من القتلى الشيعة من مقاتلي “حزب الله” في غارات تركية في سوريا.

– احتجاج أمام المجلس الشيعي الأعلى بسبب تكرار منع المحكمة الجعفرية الأمَّ الشيعيّة من حضانة أولادها، وهذه المرة منع أمّ، على يد طليقها، من حضور دفن ابنتها بعد موتها.

إذا أضفنا إلى ذلك، فرض عقوبات أميركية جديدة على “حزب الله” قبل أقل من أسبوع، طالت مؤسسات شيعية للرعاية الاجتماعية، بدا لنا المشهد مأسوياً إلى أقصى حد.

في هذه الليلة وأمام التلفاز، سألت نفسي، كيف يشعر شيعة لبنان أمام هذا المشهد، فيما أنا أشعر بالأسى والحزن؟

ما يحدث لا يستدعي فقط التساؤل عن المشاعر، بل يطرح سؤالاً أخطر في أبعاده، يُحجِم كثرٌ منا عن طرحه: هل نحن أمام “مسألة شيعيّة” في لبنان تواكب أو تتقاطع مع “مسائلنا” الكبرى الأخرى، المتعلقة بالانهيار المالي والفقر الزاحف والوطنية المفقودة وعجزنا عن مواجهة الأمراض؟

لا أفتّش في هذا السؤال عن جواب، بقدر ما أبحث عن مشروعية السؤال. ولن يشفي غليلي مثل هذين الجوابين، السهلين والمتناقضين: ما يحصل هو مؤامرة على الشيعة، أو ما يحصل هو حصرياً نتيجة سياسات “حزب الله”.

ملامح خصوصية شيعيّة ظهرت بوضوح خلال واقعتين حديثتين بارزتين، أسّستا للمرحلة السياسية الحالية.

الواقعة الأولى، هي الانتخابات النيابية التي تمايزت فيها الطائفة الشيعية عن غيرها، من حيث تماسكها، واحتكار الثنائية الشيعية التمثيل النيابي فيها، وممانعتها لأي تغيير في نخبها السياسية. هذا لم يكن بجديد من حيث نتيجة الانتخابات، بل الجديد هو أن الانتخابات جرت للمرة الأولى على أساس قانون انتخابي نسبي، فسّخ كل الطوائف الأخرى.

الواقعة الثانية والأهم، هي الانتفاضة اللبنانية. وهنا أيضاَ تمايزت الطائفة الشيعية عن غيرها من الطوائف الأخرى.

أولاً، من حيث ضعف المشاركة الشعبية الشيعية، بالمقارنة مع المشاركة من الطوائف الاخرى.

ثانياً، من حيث تصدّر القيادات الشيعية الجهات المعارضة للانتفاضة، ووقوفها سداً منيعاً وبشكل معلن، أمام أي مسّ بالسلطات القائمة، التي هتف المنتفضون ضدها.

ثالثاً، من حيث مهاجمة شباب الثنائية الشيعية ولمرات عدة الشباب المنتفضين وخيمهم في وسط بيروت.

رابعاً، من حيث إطلاق هتافات مذهبية من مثل “شيعة شيعة شيعة”، في وقت كانت الجماهير الشعبية من الطوائف الأخرى، تكاد تخجل من التصريح عن انتماءاتها المذهبية.

لا مبالغة في القول إن أحد أبرز العوامل التي أدت إلى لجم تطور الانتفاضة في اتجاه الضغط الفعلي على السلطة وإجبارها على تقديم تنازلات على المستوى السياسي والاقتصادي، هو “الموقف الشيعي”، القيادي والشعبي.

ولا مبالغة في القول أيضاً إن أبرز الحجج التي قدّمتها القيادات والجماهير الشيعية لتبرير هذا الموقف، هو أن الانتفاضة ومن ورائها قوى محلية ودول أجنبية، كانت تستهدف سلاح “حزب الله”، على رغم أن الانتفاصة كانت أكثر من حريصة على عدم تناول هذا الموضوع من ضمن مطالبها.

بغضّ النظر عن صحة هذه الحجة أو عدم صحتها، بدا سلاح “حزب الله”، من وجهة نظر القيادة والجماهير الشيعية على حد سواء، فوق كل الاعتبارات المعيشية والاقتصادية والسياسية والوطنية.

في اعتقادي، إن لهذا الواقع دلالات عميقة.

فسلاح “حزب الله” بالنسبة إلى نصف اللبنانيين على الأقل، هو مشكلة ديموقراطية، تجعل القوة العسكرية تتكلم في السياسة. كما أنه مشكلة سيادة وطنية تجعل حزباً يتكلم باسم الدولة ويحارب في دولة أخرى.

لكن بالنسبة إلى معظم الشيعة اللبنانيين، وأرجو أن أكون مخطئاً، تحوّل سلاح “حزب الله” إلى قضية مذهبيّة، تجعلهم يعتقدون أن حقوقهم المنتقصة تاريخياً والمستعادة حديثاً بواسطة دعم السلاح، لن يضمنها إلا السلاح، وليس وحدة اللبنانيين على أساس المساواة والعدالة، ولا استراتيجيا دفاعية ضد إسرائيل، تحافظ على السلاح لكن تضعه بإمرة الدولة.

مشكلة سلاح “حزب الله”، كما بدت لي بعد الانتفاضة، هي مشكلة أن يثق المواطن الشيعي بالمواطن اللبناني الآخر، من دون أن يكون حاملاً السلاح. في هذا المعنى تحديداً، هي مشكلة هذا الآخر اللبناني أيضاً.

ليس معروفاً كيف يمكن أن تتطور الأمور داخل البيئة الشيعية، مع تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية، ومع استمرار الضغوط الخارجية في موازاة ثبات القيادات الشيعية على سياساتها الداخلية والخارجية.

فهل يجري التمسك أكثر بهذه الخصوصية كوسيلة وحيدة للدفاع عن الحقوق وعن الذات، أم يتوسع تأثير المجموعات الشيعية داخل الانتفاضة اللبنانية، بحيث يشعر الشيعة اللبنانيون أن لا طريق للخلاص من الكارثة الحالية إلا من خلال التفلت من هذه الخصوصية والتفاعل أكثر مع التحولات داخل البيئة اللبنانية الأوسع التي أدت إلى تفكك بعض خصوصيات الطوائف الاخرى؟

مصير الانتفاضة ومعها لبنان يتوقف في جانب كبير منه، على طبيعة الإجابة العملية عن هذا السؤال.

لا أرى أي إمكان لنضج “المسألة الوطنية اللبنانية” بدون معالجة وطنية لـ”المسألة الشيعية اللبنانية”، مع إقراري بالطبع بالبعد الإقليمي لهذه المسألة.

اضف رد