الرئيسية / مقالات / هل من جدوى للكتابة؟!

هل من جدوى للكتابة؟!

لوحة لأمين الباشا.

العالم يقبع تحت الكوارث والمآسي والآلام والأوجاع الشخصيّة والعموميّة. وهنا، في هذه الجمهوريّة اللبنانيّة غير السعيدة، ثمّة أمورٌ كثيرةٌ (إضافيّة) تدعو الناس إلى الإحباط واليأس.

لا سقف، ولا حدّ، ولا خيال، للأسباب التي تدفع اللبنانيّين إلى الجنون، إلى الانتحار، أو إلى التسليم بالأمر الواقع، وخصوصًا منهم المعذّبين بالوجود، المجهولين، المتروكين، المنسيّين، الأكثريّة الشعبيّة الساحقة، “الطبقة المتوسّطة”، الرأي العامّ الخفيّ، الذين لا سند لهم، ولا شجرة، ولا ظلّ، ولا نسيم يداعب وجوههم وعيونهم المثقلة بالتعب.

قد لا يكون في مقدور المرء العاديّ أنْ يصف هذا المستوى من العذاب، هذا المستوى من القهر غير القابل للوصف. لأنّه، أعلى، وأبعد، وأعمق من كلّ وصف.

أدعو بصوتٍ عالٍ، إلى ما هو “أعنف” من الوصف المتعارَف عليه. لكنّي لا أقصد استخدام “العنف” المرذول. بل “العنف” الذي يهزم عنجهيّة السلطة والاستبداد واللؤم والرعب والمهانة.

ربّما في حالاتٍ مماثلة، كالحال التي تعصف بالناس الآن، ينبغي للمرء أنْ يكون سوبّر سينمائيًّا، أو سوبّر رسّامًا، أو سوبّر نحّاتًا، أو سوبّر مسرحيًّا، أو سوبّر روائيًّا، أو سوبّر موسيقيًّا، أو سوبّر شاعرًا، لكي ينتج “عنفًا” يلخّص الأسى اللامسبوق الذي تتعرّض له النفس البشريّة، وهؤلاء اللبنانيّون المنسيّون.

أدعو السينمائيّين، الرسّامين، النحّاتين، المسرحيّين، الروائيّين، الموسيقيّين، الشعراء، هنا، وفي العالم، إلى استحداث “عنفٍ” إبداعيٍّ يهزّ العروش والكراسي، يطأطئ الرؤوس الفارغة، ويكسر عنف الوباء المستجدّ، وعنف السلطات، معًا وفي آنٍ واحد.

… ويخلق الأمل.

أمّا الناس العاديّون، وأنا منهم، فأدعوهم إلى التحصّن بالقوّة الداخليّة، بالإرادة، بالصلابة، بشعريّة الروح، وبالأمل، في مواجهة سياسة السرقة والخساسة والدناءة والحقارة والإذلال، يمارسها هؤلاء الذين يسكنون في سرايات الحكم والسلطة مع مستشاريهم ومريديهم، وأولئك الذين يتباهون بتقديم فتات المساعدات الغذائيّة والوقائيّة والماليّة.

وليعلم هؤلاء السرّاق الحقيرون الخسيسون الدنيئون المتسلّطون الباحثون عن المناصب الرئاسيّة، وأنصاف المناصب، وأرباعها، وليعلم أولئك المتعطّشون إلى الظهور على وسائل التواصل والشاشات والإذاعات وصفحات الجرائد، لاستجداء الوجاهات، من خلال استعراضات “الكَرَم” و”العطاء”، أنّهم عابرون. وزائلون. وأنّهم مجلبةٌ للعار الأبديّ. لن يكون لهؤلاء وأولئك مكانٌ في الذاكرة الأخلاقيّة للتاريخ. فلتلاحقهم لعنات الموتى والأحياء، ولعنات الموجوعين في كلّ مكانٍ وزمان.

وبعد، هل من جدوى للكتابة؟!

أخجل، والله، لأنّي أكتب. أشعر بأنّي حرفٌ زائد. وبأنّ ما أكتبه يمكن الاستغناء عنه، وخصوصًا في لحظاتٍ، وأحوالٍ، كاللحظات والأحوال التي تعصف الآن بالناس.

أعتذر لأنّي أكتب. راجيًا أنْ يقبل القرّاء اعتذاري وكتابتي. إنّي أكتب فقط من أجل الحياة، ولإعلاء شأن الأمل وتثبيت القوّة الروحيّة.

إنّي أكتب فقط لهدفٍ واحدٍ، أشعر بأنّه يمنحني، الآن، “عذرًا” لأحيا، وقد يمنح المواطنين العزّل قوّةً للوقوف مرفوعي الرؤوس: إسقاط هذه السلطة في الوقت المناسب، واستعادة لبنان!

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد