الرئيسية / home slide / هل كان لبنان ساحة حوار حضارات؟

هل كان لبنان ساحة حوار حضارات؟

24-10-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

تعبيرية (نبيل إسماعيل).

“طبعاً كانت للرفض المسيحي للإحصاء أسباب مبرّرة في رأيهم أهمّها أن الاعتراف بتطوّر الديموغرافيا المسلمة سيجعل المسلمين شركاء للمسيحيين في السلطة وعلى قدم المساواة، وتالياً أن المسلمين لن يكتفوا بذلك وقد يعتمدون على الدين الإسلامي والعروبة غير القابلين للانفصال عن بعضهما للسيطرة على البلاد وربما لدخول وحدات عربية يذوب فيها مسيحيو #لبنان مثلما ذابت أقليات مسيحية أخرى وإن كان عددها أكبر من عددهم بكثير.

الى ماذا أدّى ذلك؟ الى حرب استمرّت نيّفاً و15 سنة ذهب ضحيتها أكثر من 200 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى والمعوّقين، والى تدمير الدولة اللبنانية ومؤسّساتها وإداراتها، والى خسارة المسيحيين والى فقدانهم الاحترام الذي كان لهم جرّاء تعاونهم مع الإسرائيليين.

هل أظهرت هذه الحرب، مرّةً جديدة، لبنان ساحة لحوار الحضارات ورسالةً لا فقط لشعبه وللمنطقة بل للعالم؟ الجواب في رأيي هو كلا جازمة. أنا أتحدث هنا بصراحة تامّة لأن لا مصالح سياسية وشخصية وخارجية ومالية واقتصادية لديّ رغم بعض الاتهامات التي يطلقها في أوقات متباعدة ضعاف نفوس مرتبطون بسياسات داخلية وخارجية متنوّعة وأحياناً كثيرة متناقضة، ويظنّون أنها تتلاءم مع تطلعاتهم ومشروعاتهم “الوطنية” المتنوّعة والمتناقضة من جرّاء انقسام شعب لبنان وتوزّعه على دياناته وطوائفه والمذاهب.

من أنهى الحرب؟ ظاهراً اتفاق وضعه أعضاء مجلس النواب اللبناني بمن بقي منهم على قيد الحياة عام 1989 واطلعت عليه دول عربية مهتمّة بلبنان أبرزها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وفرنسا وسوريا الراحل حافظ الأسد. وتقرّر إجراء مناقشة طويلة ومعمّقة له وللحال اللبنانية (الحرب) التي نتجت عن الوضع وذلك في مدينة الطائف السعودية. وهكذا صار. طبعاً لا يستطيع أحد أن يقول إن النص وضعه غير لبنانيين. لكن لا يستطيع أحد أن ينفي أن السعودية الوسيطة عملت صادقة لتذليل خلافات المجتمعين اللبنانيين حول قضايا داخلية عدّة فحُلّ بعضها على نحو واضح وأُحيط بعضها الأصعب بشيء من الغموض كي يجد حلّه لاحقاً في أثناء التطبيق. كما عملت (أي السعودية) على أخذ رأي الرئيس الأسد في الاتفاق لاقتناعها مع العرب وأميركا وفرنسا بأنه سيُشرف على تطبيق الطائف وبأنه قد تكون له ملاحظات على بعض بنوده. بالفعل كانت له ملاحظات أبلغها لوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل يوم زار دمشق لهذه الغاية في أثناء انعقاد مؤتمر الطائف وبدا منها حرصٌ على عدم التقيّد صراحة بمهلة واضحة لسحب قوّاته من لبنان بعد التأكد من تنفيذ الاتفاق. في هذا المجال لا يستطيع أحد أن يقول إن سوريا الأسد الأب لم تنفّذ الطائف، فهي أنهت الحرب ونزعت سلاح الميليشيات أو تسليمها إيّاه طائعة الى الدولة أو التخلّص منه ببيعه الى الخارج. علماً بأن فريقاً واحداً احتفظ بسلاحه الكامل لا بل عزّزه هو “#حزب الله” إذ لم تعتبره سوريا ميليشيا بل فصيلاً مقاوماً لاحتلال إسرائيل أجزاءً من لبنان. ولعبت سوريا دوراً كبيراً في إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية وساعدت الجميع في حفظ الأمن كما في إعادة بناء المؤسسات. لكن الحقيقة والواقع يقتضيان الاعتراف بصراحة بأن سوريا هذه أسّست “نظاماً سورياً” في لبنان وأشرفت مباشرةً عليه بواسطة رئيس جهاز أمن واستطلاع أقام في بلدة عنجر البقاعية، وبواسطة جيشها فيه وأجهزة أمنية وحلفائها اللبنانيين الموزّعين على طوائف ومذاهب عدّة. هذا فضلاً عن أنها كانت انتقائية في تنفيذ اتفاق الطائف ولم تُعِر روح نصوصه أيّ اهتمام. لا بل حرصت بعد ملاحظتها أن هذا الاتفاق بطريقة وضعه استحدث دولةً بثلاثة “رؤوس” وأفسح في المجال لاستغلال هذا العيب من أجل إبقاء حاجة لبنان الى سوريا، إذ اعتبرت عن حق أن ما يُفرّق اللبنانيين ومجتمعاتهم أو شعوبهم كما أسمّيها أنا أكبر وأهمّ وأكثر من الذي يجمعهم، وأنهم في حاجة دائمة الى معلّم ماهر يديرهم ويحلّ خلافاتهم ولكن من دون مساعدتهم على تعديل الطائف بحيث تنتج عنه صيغة وطنية ونظام دولة قابل للممارسة والحياة يوحّد اللبنانيين ولا يزيد خلافاتهم وانفصالهم بعضهم عن بعض. في اختصار، يُمكن القول هنا إن سوريا الأسد حرصت على عدم تنفيذ البنود التي تضع لبنان على سكّة الوحدة الوطنية الحقيقية، وتعيد بناء دولته الفاشلة وتبعدها عن الفشل مرّةً ثانية وفي مقدّمها إلغاء الطائفية السياسية وتوابعها، علماً بأنني من أصحاب رأي يعتبر أن الطائفية تُعرَّف بالطائفية، وأن لا صفة لها وأن إلغاء السياسية منها يعني إبقاء الطائفيات الأخرى. وخلاص لبنان لا يؤمّنه ذلك.

في هذا المجال يمكن القول بصراحة ودون تحامل إن سوريا حفظت أمن لبنان من 1989 حتى 2005 بتطبيقها وإن بصورة مجتزأة وانتقائية اتفاق الطائف بحسب مصالحها. لكن لا بدّ من القول أيضاً إن قرارها كان عدم مساعدة اللبنانيين على تجاوز الطائفية التي تفرّعت فصارت مذهبية أيضاً. و”ملائكتها” كانوا يطمئنون الخائفين من إلغاء الطائفية السياسية تطبيقاً لاتفاق الطائف بالقول “لا تخافوا نحن لن نطبّق هذا أو على الأقل لن نطبّقه الآن”. وبذلك دفعت سوريا الطوائف والمذاهب كلّها والأحزاب الى التمسّك بها حفاظاً على أدوارها. وقد ظهرت في وضوح آثار عدم تطبيق الطائف بعد استشهاد رفيق الحريري وخروج سوريا من لبنان وانقسامه إلى محورين، شيعي فيه بعض المسيحيين ومسيحي – سنّي – درزي، إذ إن ما حصل كرّس انقسام شعب لبنان الواحد في رأيي شعوباً وتنافسها بل تقاتلها على المكاسب الفئوية والسياسية. ولاحقاً فرط الوضع وانفصلت الشعوب بعضها عن بعض. فهل هذه المرحلة التي بدأت بتطبيقٍ وإن مجتزأ للطائف وتكاد تنتهي اليوم بالمحافظة على شكل الطائف وبتجاهل مضمونه وباقتناع غالبية اللبنانيين بضرورة إنتاج صيغة جديدة وميثاق وطني جديد ونظام جديد ودولة جديدة، هل هذه المرحلة كانت لبنان الرسالة أو كانت مركزاً لحوار حضارات وأديان وطوائف ومذاهب؟ طبعاً لا. لبنان الى أين من هنا؟”.

Sarkis.naoum@annahar.com.lb