هل سأل الرئيس عون “القائد” عون إذا كان مرشحاً للرئاسة؟

السبب غير المباشر للتصرفات غير الحكيمة وغير العاقلة لوزير الخارجية جبران باسيل التي تجر البلاد الى الهاوية، هو شهوة السلطة المتأصلة لديه وتمسّكه بممارسة آحادية لها. ذلك أنه يمتلك الشباب والنشاط والقوة والعزم والإرادة والذكاء، ويحظى بدعم رئيس الدولة بل باحتضانه له وعدم ممانعته في تصرّفه وكيلاً حصرياً له. وقد يكون سبب ذلك التشابه القوي بين شخصيتي الاثنين وتذكير الثاني الأول بشبابه في السلطة منذ تعيينه قائداً للجيش، ثم رئيساً لحكومة عسكرية لم تقم بمهمتها الدستورية، وفشلت في تحقيق هدفه الأول “امتلاك” السلطة. طبعاً اعتُبر بعد اتفاق الطائف متمرداً فنُفي الى فرنسا وعمل لتحرير لبنان من “احتلال” سوريا له مع أوروبا وأميركا وغيرهما. واعتُبر في حينه عدواً لحلفاء دمشق في لبنان. لكن سبحان مغيّر الأحوال فشهوة السلطة دفعته الى انتهاج سياسات متقلّبة ومتناقضة أعادته آخر واحدة منها من المنفى ومكّنته من تأطير حضوره الشعبي المسيحي الواسع، وأوصلته لاحقاً الى رئاسة الجمهورية. ومعروف أن سياسته الأخيرة ناقضت المبادئ المكتوبة لـ”تياره الوطني الحر”. طبعاً ليس الرئيس عون موضوع “الموقف هذا النهار” اليوم، لكن تناوله باختصار كان لتأكيد أن الوزير باسيل الذي “آمن” بالسياسة الأخيرة لرئيسه وعمّه عون وطبّقها الى الآخر، وهي التحالف مع “حزب الله” وسوريا الأسد، لا يزال متمسكاً بها لاقتناعه بأنها قادرة على إيصاله بدوره الى الرئاسة. لكنه ربما يتساءل في ضوء حروب المنطقة التي يشارك فيها حليف تياره أي “الحزب” وراعيته إيران، وفي ضوء الصراع الأميركي – الإيراني وانحسار التأثير السوري في لبنان وعليه، إذا كان عليه تأمين حلفاء آخرين، وإن مناقضين أو معادين لـ”الحزب” الذي أعطاه الكثير الكثير من كل شيء يخطر على البال، تأميناً لمستقبله الرئاسي. كما أن تناوله كان تمهيداً لشرح السبب الرئيسي غير المباشر للفوضى السياسية والأمنية ولوضع اللبنانيين مرّة جديدة على حافة “المهوار” أي الحروب التي ساهم باسيل في إشعالها. انطلاقاً من ذلك، يقول الاشخاص أنفسهم وأحياناً الشخصيات المتابعون حركة “حزب الله” أن السبب الأهم للفوضى وللحوادث التي قد تصبح متنقّلة هو تمسّك باسيل بوراثة عمّه عون في رئاسة الجمهورية، كما تمسّك الأول بهذا الأمر. ويعرف ذلك القاصي والداني والكبير والصغير و”المقمّط في السرير” كما يقول اللبنانيون. ويلفت هؤلاء الى شعور الاثنين بوجود منافسة قوية وفعلية على الرئاسة الأولى لباسيل من قائد الجيش العماد جوزف عون، ولا سيما بعدما أوصلت الظروف الاقليمية – الدولية وخلافاً لرأي اللبنانيين أحياناً ثلاثة قادة للجيش الى قصر بعبدا منذ عام 1998 هم الى عون إميل لحود وميشال سليمان، وبعدما جعل الوضع الداخلي بتشظيه وانقساماته الناس مقتنعين بأن رئيساً من العسكر أفضل من رئيس مدني شرط أن لا يؤسّس حكماً أو نظاماً عسكرياً، لأن تركيبة لبنان لا تحتمل ذلك. وربما لهذا السبب لم يتسلّم العسكر السلطة في لبنان بانقلاب أو من خلال الدستور، بل بما يمتلكون من قوّة وسلاح. فضلاً عن أن تجربة ترئيس الراحل فؤاد شهاب مؤسّس الجيش اللبناني بعد “ثورة 1958” كانت ناجحة مؤسساتياً ودولياً رغم عدم معالجته للسبب السياسي الفعلي لنقمة الداخل وحروبه، وهو غياب الشراكة الفعلية في الحكم بين “الشعوب” اللبنانية. وما يعزّز قلق الرئيس عون ووزير خارجيته من عون “العسكري” هو رعاية أميركا الكبيرة للجيش وإعلانها إياها بل تأكيدها مرّات عدّة وترجمته عملياً بأكثر من طريقة. وهي رعاية تحوّلت لاحقاً الى عطف على أو تعاطف مع أو تقدير لقائد الجيش. كما عزّز القلق المذكور أيضاً بدء وسائل الاعلام تداول أخبار وكتابة تحليلات وتعليقات على هذا الأمر. طبعاً يعرف الاثنان أن الرعاية المُشار إليها تثير من جهة ثانية قلق “حزب الله” المعادي هو وراعيته إيران الاسلامية لأميركا، ويعرفان ان من شأن ذلك تقليل الحظوظ الرئاسية لقائد المؤسسة العسكرية، ويفترض أن “يضع ذلك أيديهما في مياه باردة” كما يُقال. لكن المتابعين أنفسهم ليس حركة “حزب الله” فقط بل أيضاً الحركة اللبنانية والأخرى الأميركية في لبنان، يعرفون أن “القيادة” تتصرف بحكمة في القضايا والموضوعات التي تخص “حزب الله” مباشرة أو مداورة. ويعرفون أيضاً أن أميركا تعرف ما يعرفه اللبنانيون، وهو عدم غياب “حزب الله” تأثيراً في القرار ونفوذاً داخل الجيش تماماً مثل “شعوب” لبنان الأخرى. وهي لا تعترض على ذلك ربما ليس عن “محبة” ولكن إدراكاً منها لاستحالة “إخراج” ذلك كله منه. فضلاً عن أنها تدرك الحاجة الى تعاون “الحزب” مع الجيش ومع السلطة السياسية في البلاد وهو مشارك فيها رسمياً، من أجل مكافحة الإرهاب الذي هو عدوّ الاثنين والعالم أجمع. كما تدرك أن لا مصلحة له في التسبّب بمشكلة داخلية آثارها السلبية لن تقتصر على أخصامه في البلاد، بل ستشمله بنعمها أيضاً. وفي هذا المجال ألا يتساءل أحد، يلفت المتابعون إياهم، لماذا يسكت “حزب الله” عن تشييد أميركا سفارة مهمة لها في لبنان قد تكون الأحدث في المنطقة وربما الأكبر؟ ولماذا يسكت عن تحوّل قاعدة حامات العسكرية اللبنانية قلعة لجيش لبنان وعملياً للعسكر الأميركي؟ في أي حال كلّ هذه الأمور تشغل بال ليس باسيل الطامح الى الرئاسة فقط بل متبنّيه للرئاسة بعده الرئيس عون، ولذلك استدعى استناداً الى معلومات جهات تعرف كثيراً، قائد الجيش وسأله مباشرة بجدية مهذّبة لكن غير مؤيّدة إذا كانت له طموحات رئاسية. فكان الجواب: “كلا فخامة الرئيس. أنا أقوم بواجبي وأنتظر اليوم الذي تنتهي مهمتي فيه كي أعود الى البيت”.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*