الرئيسية / home slide / هل حقاً يسعى النظام اللبناني إلى إعادة إنتاج نفسه؟

هل حقاً يسعى النظام اللبناني إلى إعادة إنتاج نفسه؟

وسام سعادة
القدس العربي
19112022

تتبارز بصدد مآلات الوضع في لبنان مقولتان.
الأولى تنزع بمختلف أشكال الجهر، تبعاً للموقع، إلى القول بأن «النظام» في هذا البلد نجح في تفادي الضربات القاصمة المسددة له والفواتير الباهظة المتراكمة عليه، وأنه ولو كان ببطء شديد، وخطوات متثاقلة ومتمايلة وعثرات لا حصر لها في المسير، وفواجع ونكبات للفئات الأضعف، وتفشي كوليرا وقوارب موت ويأس مطبق وانهيار صحة وتربية وتعليم وأمان وضمان، إلا أن وجهته العامة كنظام تزكي نجاحه في إعادة إنتاجه لنفسه في المقبل من سنوات.
بالتالي التاريخ اللبناني الحالي يبقى دائرياً. هبوطه ليس بلا قعر. انهياره تحت السيطرة. أدوات السيطرة تعود فتتنبت تباعاً وما ينبغي الالتفات له هو كيف تتحاشى المصارف مثلا إعلان إفلاسها إلى الآن، وكيف يواصل المصرف المركزي تعميمات هروبه المتواصل الى الأمام، وكيف يُدار البلد ويحافظ على الاستقرار الأمني فيه بشكل غير معقول قياساً على الأذى اللاحق باقتصاده ومجتمعه، وتبديد الملكية الخاصة لعدد كبير من أبنائه، من قبل نظام يجعل الملكية الخاصة قبلة عينه، ومبدأه المقدس في الاقتصاد وفي كل شيء. وليس ذلك إلا مواصلة لمفارقة لبنانية عرفناها بالحرب مصادرة لهذه الملكية في حركة التهجير، وبعد الحرب مصادرة لها في مشروع إعادة بناء الوسط التجاري، وفي آخر المطاف مصادرة لها على العموم، من خلال إفلاس مكابر عليه بشكل متواصل للنظام المصرفي.
يمكن متابعة خيوط هذه المقولة «الانبعاثية للسستام» من حيث هي تفيد أيضاً بأنه، ولما فشلت معركة تدفيع فواتير الانهيار للأكثر ثراء والأشد غلبة، كان من الطبيعي أن ينجح السستام في تحميل الوزر للمجتمع بدلالته الأوسع، وينجح في استثمار ما يعترض المنددون به من حواجز وعراقيل هي منهم وفيهم، لصالح تجديد شبابه كنظام، ونقل الدفة إلى جيل جديد، هو خليط من وريث بيولوجي أو اصطناعي، للنخب المتسيدة على اقتصاد ومال وسياسة وحكم هذا البلد بعد الحرب، والتي هي في جزء كبير منها متحدرة من اختلاط مشارب لوردات الحرب بكبار المصرفيين وكبار التجار وكبار المقاولين. إذا «عمر الشقي بقي»، والأوليغارشية ستفلح في نهاية المطاف في إعادة تجديد جلدها. وحتى إذا تعطّل هذا المسار، لن يكون ثمة أساسا من مسار تحرري شعبي فعلي وصميم، بل سراديب لا آخر لها من التشظي.
المقولة الثانية تحتج في المقابل على هذا التسليم بدائرية الزمن اللبناني. وهي ترى أن قطيعة ما تحققت، وانتفاضة 17 أكتوبر 2019 هي علامة أساسية على هذه القطيعة، وأنه حتى وبعد أن أفل نجم الحركة الشعبية بعد ذلك الخريف المشهود، فقد جاء انفجار 4 اغسطس 2020 الذي يوازي تسليط سلاح من أسلحة الدمار الشامل على مرفأ بيروت والأحياء المحيطة به، ليعيد تثبيت فكرة القطيعة.

النظام نزع منه العصب، وفقد قدرته على التوالد، ومهما ساءت الأيام فإنه لا يسعه الخروج من ورطته، ولا حتى الإتفاق بين أقطابه والمنخرطين في لعبته المؤسساتية على أي شكل من أشكال إدارة هذه اللعبة

بالتالي، أنى للتاريخ أن يتكرر، ما دامت هذه القطيعة قد توطدت. لم تؤد الى تراكم كفاحي تحرري متواصل صحيح، لكنها أمست بمثابة القبل والبعد بالنسبة الى أيامنا. تحاصرها وتكبس عليها من الماضي والآتي رغم جرجرة الأيام لخيباتها بشكل مأتمي.
لا يمكن للنظام القائم والحال هذه أن يتجاوز هذه القطيعة الحاصلة بالفعل. ولو لم تتجدد الحركة الشعبية الواسعة. ولو لم يسلك التحقيق العدلي في انفجار المرفأ الحد الأدنى من طريقه المرجوة. النظام نزع منه العصب، وفقد قدرته على التوالد، ومهما ساءت الأيام فإنه لا يسعه الخروج من ورطته، ولا حتى الإتفاق بين أقطابه والمنخرطين في لعبته المؤسساتية على أي شكل من أشكال إدارة هذه اللعبة.
فالكل يريد أن يربح قبل أن يلعب، والكل يطالب بضمانات من منافسيه بأن يفسحوا له المجال بالربح قبل أن تبدأ اللعبة. وإن لم يكن الكل في نفس الموقع ولا بنفس الحجم، ما دامت تغلبية «حزب الله» على النظام هي في هذا النظام سمة أساسية له ككل. وبمقدار ما أنه ليس هناك بعد من تصورات برنامجية وعملانية للتفلت من هذه التغلبية الفئوية المرتبطة بمحور إيران في الإقليم، إلا أنها طالما هي سمة لهذا النظام فليس لهذا النظام من قدرة فعلية على إعادة إنتاج نفسه، وإن كان يمني النفس بذلك، ويوهم نفسه لحظة انجاز الترسيم البحري اللبناني الإسرائيلي بمعية أمريكية بأنه قد نال القابلية لذلك.
بالمطلق، مشكلة المقولة الأولى أنها إما بكائية وإما تبريرية للنظام، هذا إن فهمنا بالضبط عن أي نظام هنا مكمن الحديث. نظام الجمهورية الثانية، والدستور كما أعيد تركيبه أواخر العام 1990 بعد إدخال إصلاحات اتفاق الطائف على نحو مزاجي فيه بالنسبة الى بعض منها؟ أو نظام الحكم بمن يتولاه؟ وهو بالأحرى مزيج من التعطيل أو اللاحكم، ومن تحكم المتغلب بالحرب والسلم والحدود؟ أم هو نظام تركز الثروة في الأوليغارشية المصرفية والمالية وتضييعها في المقابل على شريحة واسعة من المودعين؟ أو هو نظام زعماء الطوائف، حربيين وسلاميين؟ ليس صحيحاً أن كل تعريف من هذا يشمل بقية التعريفات. وليس بديهياً أن هناك نظاما يتسع لكل هذه التعريفات في الوقت نفسه. ولأجل ذلك، غلب على الخطاب الموسوم بالتغييري سمة الحديث عن «منظومة» بدل نظام، والاكتفاء بالطبقة السياسية دون أي مقاربة صالحة للوضع اللبناني من موقع الطبقات الاجتماعية، والإيحاء أن هناك نسقا متكاملا يدير لعبة السيطرة في البلد، كما لو أن العشوائية مجرد قناع.
المقولة الثانية، هي أن قطيعة حدثت بالفعل بشكل لا يسمح لدوران الزمن في حلقة إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه، أقله كنظام يعرف درجة نسبية من الالتئام بين مكوناته ومن الاتفاق على قواعد اللعبة. تتميز هكذا مقولة عن الأولى بعدم الاستسلام للبكائيات، والتفلت من المنزلقات التبريرية. مشكلتها في المقابل أنها، على المتداول منها، تخفّض من عمق القطيعة أصلا التي تدافع عن فكرة حصولها، وترى فيها بالأساس قطيعة حادثة أو في طور الحدوث «في السياسة»، بحيث تبقى الأسس الاجتماعية الاقتصادية للنموذج اللبناني بمنأى عن تسجيل حدوث هكذا قطيعة.
بإزاء التخفيض من عمق القطيعة، يرتفع معدل التبجح والتغني بها، وعيشها كما لو كانت «زمن ولادة متجددة» على طريقة جماعات الولادة مجدداً أو العمادة مرتين ببعض فرق البروتستانتية المغالية. ولأجل هذا يتحول المتغنون بحدوث القطيعة الى ما يشبه الفرقة الخلاصية، يعدلون عن الاجتماعي باسم السياسي، ثم يكتفون من السياسي بالرمزية، ومن الرمزية بروحية الرمز، ومحاكاة انتصاريات المتغلبين بانتصارية المغلوبين على أمرهم، بكل ما في ذلك من تناقض.
لكن، رغم هذه الفجاجة، لا شيء يمكنه أن يعيد انتاج النظام نفسه، أيا كانت مناحي تعريف النظام في لبنان. هي اذا مرحلة انتقالية؟ مخاض؟ انتظار؟ الخوف في الاعتراف أن هذه العناوين استهلكت. وأنه من التعسف على الواقع إرجاع الحاصل الى تصارع بين نظام قديم يتبدد وبين نظام جديد في طور التشكل وآخذ في إبصار النور.
يرتبط ذلك بشكل أساسي في أن المتغنين بثقافة القطيعة مع النظام يختزلون ماهيته في الوقت عينه الى لعبة كاريكاتورية بين أقطاب طوائف تتنازع لتسويغ نفسها في بيئاتها. ويقترن هذا بالتعمية على مستويات ما يمكنه أن يكون نظاماً في لبنان، والامتناع عن مقاربة مفارقات الدولة التي تريد فيه أن تكون في آن واحد مركزية وطائفية، محايدة بين الطوائف ومجسدة لهذه الطوائف في جسمها ومؤسساتها وأجهزتها ومرافقها.
لا قابلية للنظام اللبناني أيا كان مدلول كلمة نظام هنا أن يعيد إنتاج نفسه. ولا قابلية في الوقت نفسه للاستشفاف من غرغرينا النظام مشروع حياة جاد للبدائل عنه. وتحديدا إذا ظل المواجهون للنظام أو لعنوان من عناوينه لا يزالون يكابرون على أن المعاش المجتمعي بين اللبنانيين في مشكلة هو أيضاً، وليس أنهم مجتمع موحد لا ينتظر سوى تحرره من «طبقة سياسية» متخيلة حتى يعيش وحدته النابضة على أكمل وجه. في أقل الإيمان، طالما لم يتبدّل أساس علاقة البلد ككل «بالمسألة حزب الله» فالبلد كله والحزب هم في عالم من عوالم البرزخ.

كاتب من لبنان