اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / هل تُولد اللغة الفُصحى العاميّة المكتوبة الجديدة في مصر؟

هل تُولد اللغة الفُصحى العاميّة المكتوبة الجديدة في مصر؟

18-01-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

جهاد الزين

Bookmark
أضف للمفضلة

ميدان التحرير في القاهرة، مصر (أ ف ب).

حاول لبنانيّون كثر ولا زالوا تحويل اللهجة المحكية أو العامية إلى صنف مكتوب من اللغة. أي حاولوا تحويلها إلى فصحى. باختصار لم ينجحوا. حتى لو ارتفعت مرتبة العامية أو المحكية على المستوى الثقافي بفضل أجيال من شعراء العامية أمثال ميشال طراد وسعيد عقل ومرورا طبعا بطلال حيدر ثم عصام العبدالله وغيرهم وغيرهم.

رغم ارتفاع المرتبة الثقافية، رغم نجاحات نصوص جميلة غنّتها فيروز ولحّنها الرحبانيان باللهجة العاميّة، رغم تقدم المحكية إلى مساحات تلفزيونية وإذاعية وموبايلْ فونيّة كانت تحتلها الفصحى بقيت العاميّة عاميّةً والفصحى فصحى. أي بقيت لغتنا الأهم والمكرّسة في الكتابة هي الفصحى.

أمس لفت نظري على صفحة الدكتور نبيل عبدالفتاح على الفايسبوك المقال التالي المنقول على الصفحة باسم خالد سليم والموقّع بتاريخ 30 ديسمبر- كانون الأول 2021. لقد لفتني أسلوب المقال المتماسك والذي يحصل فيه الانتقال من العامية إلى الفصحى ومن الفصحى للعاميّة بطريقة سلسة كأنهما لغةمكتوبة واحدة. لا تنقص الكاتب القدرة على الكتابة بالفصحى ولا العامية طبعا. نجد تقليديا هذا النوع من الانتقال في بعض الروايات ال#مصرية، كذلك أعرف أن الكتابة بالعامية راجت لدى بعض الجيل الشاب في مصر. لستُ طبعا في وضع لأحكم على مدى انتشار ظاهرةالكتابة بالعامية في الصحافة المصرية المكتوبة، أكانت ورقية أم على الإنترنت، ولكن ما أثار اهتمامي في مقال خالد سليم هو هذه الطبيعية التي يحصل فيها استخدام المفردات العامية مع الفصحى دون أن يؤثِّر على على متانة النص التعبيرية.

أعيد نشر نص خالد سليم أنا المنحاز نهائياً للكتابة بالفصحى ولكن هذا لايعني أن أتجاهل قوة الظاهرة وهي الكتابة بلغة واحدة فصحى عامية، التي تتبدّى في مقال خالد سليم كعينة؟
هنا المقال المشار إليه: “الفساد الجميل

خالد سليم

قصة «الونش» الحكومي اللي كان بيشارك في عملية إنشاء الخط الأول لمترو الأنفاق واللي اختفى من شوارع القاهرة في عز الضهر ولحد دلوقت محدش عثر له على أي أثر ..

الكلام ده كان تقريبا سنة 1983 ، والحادثة دي أثارت وقتها عاصفة من الجدل والسخرية على صفحات الجرايد ، ولولا أنه مكانش فيه أيامها«سوشيال ميديا» كان زمانها ركبت «التريند» لأسابيع وربما لشهور طويلة .

المهم ، تلف الأيام وبعد حوالي عشر سنوات كاملة ، وزي اليومين دول في شهر أكتوبر سنة 1992 حصل الزلزال الكبير الشهير ، وانهارت وتصدعت مباني وعمارات كثيرة في القاهرة ، ووقتها احتاجت مصر لمساعدات تقنية خاصة لرفع أنقاض عمارة الحاجة كاملة بميدان الحجاز.
وقتها دول أجنبية كتيرة بعتت مساعدات لمصر ، ومن ضمن المساعدات دي كانت شحنة معدات ثقيلة لرفع الأنقاض ، وتم شحن المعدات دي عبر شركة شحن دولية على وجه السرعة .
المفارقة ان الورق بتاع شركة الشحن دي كان بيقول إن دي أول مرة تقوم فيها هذه الشركة بالشحن لميناء الإسكندرية .. يعني كانت بلا أي سابقة أعمال بالنسبة لنا في مصر .
وبالصدفة كان فيه مهندس مسؤول عن استلام شحنة المعدات والمساعدات دي من المينا ، وبالصدفة برضه المهندس ده كان من اللي اشتغلوافي مشروع «مترو الأنفاق» وقت سرقة واختفاء «الونش» إياه ، فلفت نظره ان شركة الشحن الدولية دي كانت بلا سابقة أعمال في مصر رغم ان اسمها مش غريب عليه وهو سمعه قبل كده كذا مرة .. فلما قلّب في دفاتره القديمة افتكر ان شركة الشحن دي هي نفسها شركة الشحن اللي تولت شحن «الونش المفقود» لمصر من عشر سنين … طاب ازاي والورق الحالي بيقول انها أول مرة تشحن فيها حاجة لمصر ؟؟

فالحكاية دي أثارت فضوله وحيرته بشدة ، فتواصل مع شركة الشحن الأجنبية واللي أكدت له ان دي فعلا أول مرة تقوم فيها بالتعامل مع ميناء الاسكندرية أو أي ميناء مصري .. فزادت حيرته وتساؤلاته …

رد شركة الشحن ده دفعه لمواصلة البحث وراء هذا الموضوع الغريب المريب .. فقرر الاتصال بالشركة المُصنّعة للونش المفقود لسؤالها عن كيف تم شحنه ، ليفاجأ بشركة الأوناش بترد عليه رد صاعق وبتنفي أنها صدرت النوع ده من الأوناش لمصر أصلا ، وأنه كل مافي الأمر انه كان فيه «مفاوضات» .. مجرد مفاوضات لشراء «ونش» لصالح مصر ،، لكن الصفقة لم تتم أصلا ..

وهنا بدأت قطع الدومينو في التساقط .

ليكتشف المهندس إن «الونش» المفقود تم شراؤه على الورق ، واتشحن على الورق ، ووصل ميناء الاسكندرية على الورق ، وكمان تم تحميله على سيارة نقل مخصوص على الورق ، ووصل الموقع على الورق ، وقعد 3 سنين وشهور يشتغل في الموقع على الورق .

ومش بس كده ، دا كمان اتعين له سائق محترف مدرب بمرتب كبير على الورق .

ومش بس كده ، دا كمان «الونش المفقود » كان بيتعمل صيانة وبيشتروله قطع غيار من بلاد بره برضه على الورق .

وفضلت كل حاجة ماشية زي السكينة في الحلاوة من غير ما حد يكتشفها ، وكله بيتستف على الورق .

لحد ما في يوم كان فيه مهندس بسيط طلب «الونش» ده لعمل ما ، وفوجئ انه مش موجود ، ولأن ريسه كان في اليوم ده في إجازة ، ولأن المهندس البسيط ده ما يعرفش الحقيقة ، راح يجري وبلّغ الشرطة عن عهدة حكومية مفقودة .

وطبعا الموضوع وصل للصحافة وكانت فضيحة أثارت عاصفة من الحيرة والسخرية والتساؤلات لأن محدش وصل بخياله أبدا ان «الونش» داكان أصلا مجرد «شبح» مالوش وجود غير في الدفاتر ، يعني على الورق فقط ، فكان الجميع وقتها بيتساءلوا بمنتهى الحيرة والسخريةإزاي ونش عملاق بالحجم ده يختفي تماما ويتبخر في الهوا بدون أي أثر.. دا حتى الشرطة لما بحثت عنه عند تجار الخردة لم تجد ولا حتى مسمار أو صامولة منه .
المهم ان المهندس بتاع المساعدات لما اكتشف الحقيقة الصادمة ذهب بتحرياته لشخصية اعلامية مهمة وقتها أول حرف من اسمه «سمير» وطلب منه يفضح الجريمة ، فالصحفي الشريف المناضل سمورة قاله سيب لي المستندات وأنا هتصل بيك وهوصلك بحد من المسئولين عشان تقابله.

وطبعا المهندس ده بعد مقابلته لسمورة الأمورة بساعات قليلة اتعمل معاه أحلى واجب ، فسكت تحت التهديد .

أما أخونا سمورة الأمورة فاحتفظ بأوراق القضية دي كلها عنده في درج مكتبه واستعملها كورقة ضغط وابتزاز للحكومة عشان يترقى ،وبالفعل اترقى وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيس مجلس ادارة مؤسسة صحفية محترمة، لغاية ما زهقوا منه وهددوه وطردوه .
دي قصة «الونش» الشبح اللي وقتها شهد أكتر من 1000 شخص انه كان موجود فعلا وشافوه بأعينهم وهو بيشتغل في الموقع .

اللًه يرحم زمن الفساد الجميل “
(انتهى المقال)

سألت الصديق الدكتور نبيل إلى أي حد صار هذا النمط من الكتابة بالفصحى والعامية معا رائجا في مصر؟ أنا أجده مثيرا للاهتمام الكبير. فأجابني مشكوراً:
“المزج بين العامية والفصيح سائد وغلاب بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع ميل الي العامية نظرا لتدهور مستوي تعليم الفصحى والنزوع الي تديين اللغة العربية من قبل بعض الازهريين والجماعات الاسلامية السياسية بل ان بعض الدعاة خطابهم الديني يوظف العاميةلضعف بعض خريجي الازهر . ويبدو انهم يفكرون بالعامية .”

“عموما هذه الظاهرة سادت كتابات بعض الروائيين والقصاصين المصريين منذ الخمسينيات في دمج العامية في سردياتهم وهو ماشكل تحريرا للفضاء السردي من جمود اللغة . كتب محمود تيمور نصا بالفصحى ثم اعاد كتابته بالعامية تحت اسم ابوعلي عامل ارتست”.

“عموما كانت العامية المصرية عفية واستطاعت التكيف مع التحديث والحداثة المبتسرة تاريخيا حول المدن الكوزموبوليتانية القاهرةوالاسكندرية من خلال تفاعلها مع لغات المتمصريين والاجانب ونظرا لثرائها في المفردات والتعابير والمجازات والأمثلة الشعبية بل بعض مفردات المستعمر العثماني يللي من خلال وجوده في مصر كان دمج هذه المفردات واحتواؤها احد اشكال الكفاءة التمصيرية من هنا حاول بعض المستعربين البريطانيين ادوات المستعمر البريطاني عمل قواميس للعامية بل وعمل نسق نحوي لها لضرب العربية الفصحى وجمودهاوانتصر بعض المصريين لهذه النزعة كجزء من تصوراتهم للقومية المصرية وعلى رأسهم لطفي السيد وسلامة موسى وغيرهم إلا انها فشلت لان العربية ازماتها في بنياتها النحوية وجمود مفرداتها عن استيعاب مفردات التطور في العلوم التقنية والاجتماعية إلا ان جهود بعض المصريين واللبنانيين والشوام استطاعت تحريك ذلك من خلال الترجمة والصحافة والمسرح والسينما والاذاعة والمزج الخلاق بين العاميةالفصيحة وبين العامية في السرود الروائية والشعرية والقصصية والمسرحية والبحث عن لغة ثالثة لدي توفيق الحكيم ويوسف ادريس ، ودخلت اللغة المرئية / لغة الصورة وتحرك الجمود قليلا . الا ان لغتنا العربية في ازمة كبري لتديين بعض رجال الدين لها فوقفت جامدة وحائرة في عالم تستعير اللغات الكبري من بعضها بعضا ونحن كسالى نتفاخر بان مفرداتها ١٢مليون مفردة ! وهو تفاخر العاجزين للاسف”.(انتهى رأي نبيل عبد الفتاح).

هناك نقاش قارب عمره القرن حول الموضوع (العامية والفصحى) لا أزعم أني محيط به تفصيلا سوى بعض المعلومات العامة عنه في مصر ولبنان وسوريا بينما ليس لديّ أي فكرة حول تطوره في العراق والسودان وبلاد المغرب.

ما أفعله هنا فقط هو طرح عينة عملية للنقاش، مقال خالد سليم، لنتساءل إلى أين تتجه هذه الظاهرة وهل هي آخذة بالاستقرار على نمط مامن الكتابة بالفصحى العامية؟ هل عبر مصر سيتجه العالم العربي نحو تطور جديد من الكتابة المحكية الفصحى المتداخلة والمحترمة.


j.elzein@hotmail.com
Twitter: @ j_elzein