الرئيسية / home slide / هل تُطوى الصراعات بعد الإعلان الوشيك عن ولادة الحكومة؟

هل تُطوى الصراعات بعد الإعلان الوشيك عن ولادة الحكومة؟

19-08-2021 | 00:09 المصدر: النهار

ابراهيم بيرم

الرئيس المكلف نجيب ميقاتي

أمّا وقد بات الاعلان عن ولادة الحكومة المنتظرة منذ نحو عام مسألة ايام وربما ساعات، فان السؤال المطروح بإلحاح هو: اي صورة سيستقر عليها مستقبلا الصراع المحتدم بين القوى السياسية اللبنانية؟ واستطرادا ما هي المادة المحورية لهذا الصراع الممتد؟

  ثمة فرضية يجري تداولها منذ فترة في الاوساط السياسية تستند الى المشهد السياسي المركَّب الذي تلا مباشرة انطلاق الحراك الشعبي في 17 تشرين الاول 2019 والى اليوم. الفرضية اياها تنطلق من ان تلك التطورات المتسارعة والتي وضعت البلاد على شفا حفرة من الانفجار، كانت في جوهرها وعمقها عبارة عن جولة منهكة من جولات “التناحر الاهلي” الذي سبق للبلاد ان عاشت تحت وطأته وتنوعاته منذ الاستقلال. وهي جولة لم تبلغ بالتأكيد مرتبة الحرب الاهلية التي وقع الوطن تحت وطأتها وظلها الثقيل منذ عام 1975 الى عام 1991، لكنها لا تقل ضراوة ونتائج سلبية عن ازمات مستعصية شبيهة بأزمة عام 1952 (العصيان على حكم الرئيس بشارة الخوري) وجولة العنف التي بقيت محدودة نسبيا عام 1958 والتي كانت عبارة عن انتفاضة في وجه حكم الرئيس كميل شمعون، مرورا بالازمات الاصغر التي امكن تطويقها بصعوبة بالغة بعد دخول العمل الفدائي الفلسطيني الاراضي اللبنانية بُعيد عام 1968 وصولا الى الازمة المفصلية التي اعقبت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام  2005 وامتدادا الى الازمة الحالية التي يبدو انها دخلت طور اللملمة. 

 واذا كان ثمة مَن يدرج الازمة الحالية في خانة “الحروب والازمات الصغيرة” ذات الطبيعة العابرة، فهناك مَن يراها بمنظار آخر اكثر دلالة اذ احتوت في دواخلها الكثير من سمات الازمات والاشتباكات السالفة. فقد استُخدم فيها السلاح وإنْ على صورة جولات محدودة، وقطعت الطرق الرئيسية لايام وارتفعت فيها شعارات تدعو الى الفدرلة والحياد والتدويل، وهي الشعارات التي تعلو في الازمات المصيرية والوجودية.

  واللافت ان “نشوة” الصعود الاوّلي للحراك ذهبت بالبعض الى حد الايمان بان اسقاط التركيبة الحاكمة حتمية ومسألة وقت ليس إلا.
 وعلى سبيل المثال لا الحصر، أحصت التقارير الامنية سقوط ما يقارب الـ 80 قتيلا سقطوا في وقائع التزوّد بالمحروقات (آخرها وأبشعها انفجار التليل العكارية)، فضلاً عن اشتباكات دموية محدودة كانت تعبيرا عن فلتان ابرزها واقعة خلدة المتكررة والتي انطوت على اكثر من سبع ضحايا وعمليات تهجير حاكت في بعض جوانبها وصورها وقائع من الحرب الاهلية، ناهيك عن أحداث طرابلس بنسخها المتعددة والتي انتهت احيانا الى خروج الجيش من المسرح لتجنب صراعات بعد ظهور السلاح وارتفاع الاستياء والغضب في عيون الناس الى ذروتهما. 

 في الحصيلة استشمّ كثر في الاحداث التي فرضت نفسها بُعيد انطلاق الحراك واستقالة حكومة الرئيس سعد الحريري شيئا من رائحة وعبق أحداث عبرت ولكن لم يمر عليها الزمن، الى درجة يمكن القول معها انها شكل “متطور” ومحاكاة محدودة لأحداث سلفت لكنها تسكن ذاكرة شريحة كبيرة من الناس.
 ومع ذلك فالجليّ ان غالبية القوى السياسية تتصرف على اساس ان حدثا بمستوى ولادة الحكومة المنتظرة هو عبارة عن “نقلة محدودة او محطة” وليست بالضرورة مرحلة قطع مع مرحلة متوترة تولّت وانطوت. 

 وهذا النوع من الحسابات يتعامل معه بعض القوى على اساس انه شعاره الامثل للمرحلة المقبلة. لذا دأب بعض القوى على نهج اطلاق قفاز التحدي في وجه الآخر عبر تبنّي الدعوة الى اجراء الانتخابات النيابية بشكل عاجل، واعداً نفسه وجمهوره بانه سيحصد ولاريب مزيدا من المقاعد النيابية التي تجعل منه لاحقا الناطق الابرز بلسان شارعه الطائفي، وانه يحضّر لاقصاء الخصوم والمنافسين منطلقا من مبدأ ان الاكثرية النيابية السابقة التي قُدر لها الامساك بزمام الاكثرية والقرار قد اوصلت البلاد والعباد الى مهاوي السوء. 

 وعليه، فان صاحب لواء هذا الشعار “يدوزن” حركته وخطابه على اساس هذا الوعد المنجز ولاريب. وفيما بدا ان “التيار الوطني الحر” قد اقتنع اخيرا بانه لم يحسن التعامل مع عاصفة التطورات التي استجدت منذ عام 2019 وصار هدفا سهلا للخصوم، ولاسيما بعد الانهيارالموصوف في عهد الرئاسة الاولى التي عُقدت لمؤسسه الرئيس ميشال عون فمني بنكسات وتراجعات، خصوصا بعد خروج الطرف الآخر من التفاهم الرئاسي، فاضطر خلال العامين الماضيين الى العودة الى اسلوبه البدائي ابان كان خارج جنة الحكم وهو اسلوب التصعيد والمكابرة والمخاشنة، وهمّه الاكبر الآن وقد قرر عدم الالتحاق بالحكومة البحث عما يعيد اليه بعضا من عصبه ووهجه المفقودين، خصوصا بعدما عاقبت واشنطن رئيس هذا التيار جبران باسيل فحدّت من اندفاعته لوراثة الرئاسة الاولى. ولا يمكن لتيار “المستقبل” الزعم بانه خارج حدود الازمة الحالية ومفاعيلها، فقد صار معلوما ان رئيسه الرئيس سعد الحريري قد أُجبِر لعوامل داخلية واخرى خارجية على التخلي قسرا عن كرسي الرئاسة الثالثة التي سعى جاهدا الى استردادها، وهي ضربة توّجت اعواما من التراجعات القسرية، فضلا عن انه يتعامل في داخله مع مهمة عنوانها الابرز “التكفير” عن خطيئة التفاهم مع “التيار البرتقالي” وفتح ابواب التحاور مع “حزب الله” ولو على قاعدة “ربط النزاع” وانه حوار الضرورة. وهو الآن في طور استرداد المفقود في المرحلة المقبلة ليصل الى الانتخابات وقد استعاد ما فقده من عناصر القوة. ولعل فاتحة الامر تجلت في رد الرئيس الحريري على كلام للسيد حسن نصرالله اعتبر فيه استقالة الحريري عام 2019 نوعا من الاذعان للتوجهات الاميركية. 

 واذا كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قد استغل المرونة والقدرة على التكيف ومارس عملية قطع مع مرحلة مضت وفتح الابواب امام مرحلة جديدة اختصرها برفع شعار الدعوة الى التسوية من امام قصر بعبدا فبدا الاكثر تكيّفا وقناعة مع الآتي الذي يستشعر حدوده، فان رئيس مجلس النواب نبيه بري بدا كأنه يعايش بهدوء ورباطة جأش مفاعيل ازمة متعددة الجانب، لاسيما بعد ضربة وضع ساعده الايمن النائب علي حسن خليل على لائحة المعاقبين اميركيا، وهي خطوة يعرف تماما أبعادها السلبية مستقبلا. 

 ويوشك “حزب الله” ان يكون وحده من بين الذين تنطبق عليهم معادلة انه خسر في مكان وربح في مكان آخر، اذ تيقن بفعل تجربة العامين الماضيين من ان عدوه الاول هو عدم الاستقرار والمضي نحو الفوضى، لذا بذل جهدا استثنائيا لاستيلاد حكومة وقدم تنازلات شكلية وجوهرية منطلقا من نظرية ان تأليف الحكومة مفتاح الاستقرار الذي يحتاج اليه. وبحسب المعلومات فان الحزب منصرف منذ فترة الى البحث جديا في التعامل مع الانتخابات المقبلة من خلال دعم حلفائه وتمكينهم من المنافسة والمواجهة… وعموما فان الولادة الحكومية لا تعني لبعض القوى إلا فاصلاً بين مرحلتين من الصراع والحروب ليس إلا.