الرئيسية / مقالات / هل تُصاب إيران بالإحباط من علاقتها مع الصين؟

هل تُصاب إيران بالإحباط من علاقتها مع الصين؟

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والإيراني حسن روحاني يستعدان لتبادل المصافحة بعد مؤتمر صحافي مشترك في طهران، كانون الثاني 2016 – “أ ب”

في معركتها ضدّ الولايات المتّحدة، تراهن إيران على الصين كحصن في مواجهة حملة الضغط الأقصى التي عزلتها عن العالم ومؤسّساته الماليّة. لكن يبدو أنّ لهذا الرهان أكلافه.

اضطرّت إيران إلى بيع نفطها للصين بسعر أدنى من أسعار السوق الأمر الذي زاد معاناتها بسبب انخفاض حجم صادراتها النفطيّة أوّلاً وبسبب تراجع أسعار النفط العالميّة ثانياً. 

حاجة ماسّة للصين

لجأت الحكومة الإيرانيّة إلى هذه السياسة منذ سنتين لتحفيز القوى الآسيويّة البارزة على شراء نفطها. ومنذ ذلك الوقت، انخفض حجم تلك الصادرات من حوالي 2.5 مليون برميل يوميّاً إلى حوالي 250 ألفاً حاليّاً. وباعت إيران برميل برنت بعشرة دولارات أقلّ من سعر السوق كي تضمن استمرار تدفّق نفطها إلى الصين.

بمرور الوقت، ومع انسداد آفاق التسوية مع الولايات المتّحدة، تخسر إيران المزيد من التوازن في التعامل مع الصين. ربّما شعرت طهران أكثر بهذا الخلل خلال تفشّي فيروس “كورونا”. ليس واضحاً لماذا استمرّت الحكومة في تسيير رحلات جوّيّة من وإلى الصين في ذروة الجائحة، وتحديداً بين شهري آذار ونيسان حين بلغ عدد الرحلات التي سيّرتها شركة “ماهان إير” 157 رحلة.

قد يكون الأمر ناتجاً عن التقليل من أهمّيّة الفيروس. لكنّ هذا الافتراض ينطبق فقط على المرحلة الأولى من التفشّي خصوصاً خلال أوّل ثلاثة أسابيع من شباط، أي قبل أن تبدأ إيران اتّخاذ تدابير داخليّة لكبح الوباء. لكنّ استمرار إيران في هذه السياسة لاحقاً يرجّح فرضيّة حاجتها الماسّة إلى حماية علاقتها مع بيجينغ ولو عبر المخاطرة بمفاقمة الوضع الوبائيّ داخل البلاد.

سحب فتيل التوتّر

في 5 نيسان، انتقد السفير الصينيّ في إيران تشانغ هوا المتحدّث باسم وزارة الصحّة الإيرانيّة كيانوش جيهانبور الذي اتّهم الصين بعدم الشفافيّة حول المعلومات عن “كورونا”. وقال جيهانبور في مقابلة إعلاميّة: “رمت الصين العالم بمزاح مؤلم حول فيروس كوفيد-19، وغالبيّة دول العالم تعاملت مع الفيروس وفق المعلومات الصينيّة وتخيّلت أنّه مرض أشبه وأسهل من الرشح العاديّ، ولكنّ الأمر ليس كذلك.” وردّ هوا كاتباً في تغريدة أنّ “وزارة الصحّة الصينيّة لديها مؤتمر صحافيّ يوميّ، وأقترح عليك قراءة أخبارها بدقّة لتستخلص النتائج.”

سارع عدد من المسؤولين الإيرانيّين إلى سحب فتيل التوتّر، من بينهم الناطق باسم وزارة الخارجيّة عبّاس موسوي الذي مدح “شجاعة الصين والتزامها ومهارتها في السيطرة على كورونا” مضيفاً أنّ “إيران أثنت دائماً على الصين في هذه الظروف.”

واتّهم السفير الإيرانيّ في الصين محمد كشوارزادة زاده منتقدي بيجينغ ب “الإساءة لشعب الصين”، بينما ردّت إحدى وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري على كلام جيهانبور واصفة إيّاه بأنّه “تكرار لمزاعم” الإعلام الغربيّ. حتى جيهانبور تراجع عن تصريحاته بعد ساعات، شاكراً الصين على وقوفها إلى جانب الإيرانيّين.

“نهاية حقبة الشراكة المتساوية”

تدلّ طريقة إنهاء هذا الجدل إلى تفادي الإيرانيّين ظهور أيّ تفسّخات في العلاقات الثنائيّة. البروفسور المشارك في مادة العلوم المالية في جامعة دالاس علي دادباي كتب أنّ حجم التجارة الإجماليّ بين البلدين بلغ 20 مليار دولار سنة 2019 وأنّ الصين وفّرت لإيران مقاتلات أف-7 لتستبدل بها الأسطول الذي خسرته في الحرب مع العراق، وأمّنت بنوكها الخدمات التي عجزت عنها البنوك الأوروبّيّة. وشدّد على أنّ بيجينغ تتصدّر لائحة أسواق الصادرات والواردات الإيرانيّة، لكنّ إيران ليست حتى في المرتبة الخامسة والعشرين ضمن الشركاء التجاريّين للصين. وأضاف: “حقبة الشراكة المتساوية – إن وُجدت يوماً – قد انتهت.”

يمكن أن يضحّي الإيرانيّون ب “الشراكة المتساوية” طالما أنّ هذه التضحية تعني حماية نظامهم من الانهيار. لكن شرط نجاح هذه التضحية يقتضي استمرار الصين في تأمين مقوّمات الحدّ الأدنى من الصمود الاقتصاديّ لطهران. بحسب بعض المحلّلين، يمكن أن يكون هذا الشريان الحيويّ آخذاً بالتقلّص.

أشار مؤسّس موقع “بورس أند بازار” المعنيّ بالترويج للعلاقات التجاريّة بين أوروبا وإيران إسفنديار باتمانقليج إلى أنّ الصادرات النفطيّة إلى الصين بلغت في آذار 2020 مستوى متدنّياً بشكل قياسيّ فتراجع ب 89% عن شهر آذار 2019. ولفت النظر إلى أنّ الصين تخفّض علاقتها مع إيران منذ أكثر من سنة بالأخصّ مع فرض واشنطن عقوبات في كانون الثاني على قطاعات البناء والنسيج والمناجم. باتمانقليج نفى وجود تحالف سياسيّ بين الدولتين مشيراً إلى أنّ الصين بذلت جهداً أقلّ من الاتّحاد الأوروبّيّ خلال السنة الماضية للدفاع عن تجارتها مع إيران مؤكّداً أنّ الازدهار التجاريّ الثنائيّ أصبح من الماضي.

شراكة موقّتة؟

ثمّة تقارير أخرى تشير إلى تراجع شراء الصين للنفط الإيرانيّ، كما إلى تراجع العلاقات التجاريّة بين البلدين لفترة كانون الثاني-نيسان بأكثر من 40% عن الفترة نفسها من سنة 2019. قد يكون هذا الواقع مرتبطاً بالعرقلة التجاريّة التي تسبّبت بها جائحة كوفيد-19. من جهة ثانية، لا تزال الصين وإيران تحافظان على خطوط موازية لإتمام علاقاتهما التجاريّة مثل عمليّات التسليم النقديّ خارج إطار البنوك.

وجاء إعلان بنك “كونلون” الصينيّ الالتزام بالعقوبات الأميركيّة التي فُرضت في كانون الثاني، على خلفيّة التوافق على المرحلة الأولى من الاتّفاق التجاريّ بين واشنطن وبيجينغ. لذلك، ومع اشتداد الخلاف الأميركيّ-الصينيّ حول “كورونا”، يمكن أن تعاود الصين تعزيز علاقتها التجاريّة مع إيران. لكن على صعيد الصورة العامّة، لا يبدو التحالف الصينيّ-الإيرانيّ استراتيجيّاً بكامل مقوّماته. فالمؤشّرات تدلّ إلى أنّ كلا الطرفين قد يخفّض علاقاته مع الآخر بمجرّد الاتّفاق مع الولايات المتّحدة.

بعد التوصّل إلى الاتّفاق النوويّ، قال النائب السابق لوزير النفط منصور معظّمي إنّ الصين “قامت بما يكفي من الاستثمارات في إيران … سنؤمّن فرصاً وحظوظاً لآخرين.” وفي تشرين الأوّل 2016، قال الرئيس التنفيذيّ لمشروع تطوير حقل آزدكان النفطيّ كرامت بهبهاني في إشارة إلى مجيء الصينيّين بدلاً من الغربيّين للاستثمار في هذا الحقل: “لقد فعلنا ما فعلناه، بناء على مصلحتنا القوميّة. لو كانت ‘توتال‘ موجودة هنا، لكانت ‘توتال‘ هي التي تستخرج النفط. لو كانت ‘شل‘، فستكون ‘شل‘.” واعترف بهبهاني بتفوّق الشركات الغربيّة تقنيّاً على غريمتها الصينيّة.

لم تتحقّق التوقّعات بتقاطر الغربيّين للاستثمار في إيران، بفعل مجيء ترامب إلى الرئاسة فدافعت طهران عن علاقاتها مع بيجينغ بكلّ ما أوتيت من قوّة. لكنّ منحى مواصلة الصين تخفيض علاقتها التجاريّة مع إيران قد يضع الأخيرة أمام خيارين صعبين: إمّا الاستمرار بهذه الشراكة بالرغم من منافعها المتضائلة وإمّا الانفتاح على ترامب مع التراجع عن مواقفها السابقة. وحده فوز بايدن في تشرين الثاني يمكن أن يريحها من المفاضلة المرّة.