الرئيسية / مقالات / هل تُستخدَم تدابير الطوارئ في لبنان لـ”سحق المعارضة”؟

هل تُستخدَم تدابير الطوارئ في لبنان لـ”سحق المعارضة”؟

قرأتُ أوّل من أمس الإثنين أنّ أكثر من خمسة عشر خبيرًا أمميًّا في مجال حقوق الإنسان، وجّهوا تحذيرًا إلى العالم، والأمم المتّحدة والمنظّمات الحقوقيّة والإنسانيّة، نبّهوا فيه من الأخطار الناجمة عن إمكان تذرّع الحكومات الديموقراطيّة وغير الديموقراطيّة بالإجراءات الوقائيّة المتّخذة في أنحاء الكرة الأرضيّة بهدف الحدّ من انتشار وباء “كورونا”، لـ”سحق المعارضات”، وكمّ الأفواه، والتضييق على أهل الرأي والفكر والتعبير، وخصوصًا في البلدان التي تشهد احتجاجاتٍ ضدّ السياسات الحكوميّة المتّبعة.

في “العالم الأوّل”، أي في الدول التي تتّبع أنظمةً ديموقراطيّةً واضحة، قد لا يعير الرأي العامّ هذا التحذير كثير اهتمام، وقد لا يجد فيه أسبابًا موضوعيّةً كافيّة لإبداء التخوّف الكبير (علمًا أنّ تجارب كثيرة دامية وعنيفة أثبتت عدم صحّة هذه الطمأنينة)، وذلك بسبب الدور الحاسم الذي تضطلع به المؤسّسات القانونيّة والدستوريّة والهيئات الرقابيّة، في حماية الحقوق والحرّيّات العامّة والخاصّة، وفي الحؤول دون سوء استخدام السلطة، والتمادي السلبيّ في استعمال القانون، ولا سيّما في أحوالٍ، كالأحوال الراهنة، التي وصفها الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في خطابه الأخير، أوّل من أمس، بأنّها في مستوى “حال الحرب”.

لكنّ هذا التحذير من شأنه أنْ يُقلق الناس والرأي العامّ في العالم الثالث عمومًا، وفي العالم العربيّ خصوصًا، وعندنا هنا في لبنان، على وجه التحديد، ولا سيّما منذ “17 تشرين”، تاريخ بدء الانتفاضة – الثورة الشعبيّة العابرة الطوائف والمذاهب والمناطق والأحزاب والتيّارات، التي اندلعت في وجه عربدة السلطة وفسادها وإمعانها في السرقة والنهب وقهر الناس وتجويع الفقراء وترهيب الأحرار.

لقد شهد لبنان خلال الأشهر الأخيرة قمعًا حكوميًّا رسميًّا وعموميًّا، فاق كلّ تصوّر، وكلّ حدٍّ سابق، وقد “حظيَ” من جرّاء ذلك، بتنديداتٍ واسعة على مستوى العالم كلّه، بعدما استشرست الأجهزة القمعيّة للسلطة اللبنانيّة في ممارسة الاعتقالات العشوائيّة، واستعمال التعسّف والعنف، وتمادت في استخدام أساليب القمع والترهيب والتنكيل والتخويف في حقّ المنتفضين السلميّين، ولا سيّما الشابّات والشبّان منهم، والإعلاميّات والإعلاميّين، والمصوّرات والمصوّرين، فضلًا عن الناس العاديّين، شيوخًا وأمّهاتٍ وأطفالًا على السواء.

أعود إلى التحذير الذي أطلقه الخبراء الأمميّون، فأسأل من باب التحوّط الموضوعيّ، بناءً على “الخبرات السابقة” غير المشرِّفة التي برعت السلطة في إتحافنا بها، ما الذي يمنع حكومتنا الموقّرة، مثلًا، من أنْ تغتنم فرصة الإجراءات الوقائيّة المتّبعة، ولا سيّما منها منع التجمّعات، بذريعة انتشار الوباء، لمواصلة هذه الإجراءات بعد زوال الأسباب الموجبة؟

أضع هذا التحوّط التحذيريّ في واجهة الاهتمام اللبنانيّ، لأنّ الحكومة التي لا تعدّ إلى العشرة في الأيّام والظروف العاديّة، قد تسوّل لها نفسها القيام بأيّ عملٍ تعسّفيٍّ طائشٍ في هذه اللحظة الخطيرة والدقيقة من حياة مجتمعنا وبلادنا، من مثل تثبيت حال الطوارئ فعليًّا وعمليًّا على الأرض، لغير سبب، داعيًا في الآن نفسه حرّاس الحرّيّة في لبنان والعالم إلى أخذ العلم بذلك، وإجراء المقتضى.

أجد لزامًا أنْ ألفت الجهات الحكوميّة، والرسميّة عمومًا، إلى أنّ الأسباب الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة المهينة، التي أدّت إلى إطلاق شرارة الانتفاضة – الثورة قد تفاقمت منذ ذلك الوقت، وهي لا تزال تتفاقم، ولا بدّ من أنْ تصل إلى ذروتها المأسويّة في ظلّ الأحوال الراهنة. هذا من شأنه، أنْ يضاعف السعير الشعبيّ، الذي إذا كان يلجم نيرانه تحت عبء الوباء المتمادي، فإنه لن يلبث أنْ ينفجر، بعد انحسار الوباء.

أذكّر بأنّ موقف الخبراء الأمميّين دعا إلى “إلغاء تدابير الطوارئ حيث يسجّل الوباء تراجعاً”. وقال الخبراء المستقلّون الذين لا يتحدّثون باسم الامم المتحدة “مع الاعتراف بخطورة الأزمة الصحّيّة الحاليّة وبأنّ استخدام صلاحيّات الطوارئ يجيزه القانون الدوليّ ردًّا على تهديدات كبيرة، نذكّر الدول بأنّ كلّ استجابةٍ طارئة إلى فيروس كورونا المستجدّ يجب أنْ تكون متناسبةً وضروريّة وغير تمييزية”. وأوضح الخبراء وبينهم المقرّر الخاصّ في شأن وضع المدافعين عن حقوق الإنسان ميشال فروست، أنّ “القيود المتّخذة لمواجهة الفيروس يجب أنْ تكون دوافعها أهدافاً مشروعة من أجل الصحّة العامة ويجب ألّا تُستخدم ببساطة لسحق المعارضة”.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد