الرئيسية / home slide / هل تُبرّئ الـ”بروباغندا” المسؤولين الثلاثة من الانهيار؟

هل تُبرّئ الـ”بروباغندا” المسؤولين الثلاثة من الانهيار؟

التطوُّرات الدوليّة التي يتفاءل بها لبنان حاليّاً ليست كثيرة. فروسيا الدولة الكبرى، ذات الدور الإقليمي المُهمّ انطلاقاً من تدخُّلها العسكريّ في سوريا، دولة شرق أوروبيّة و”شرقيّة” لأن جزءاً مُهمّاً من جغرافيّتها آسيوي. لكنّها ليست الدولة التي ينتظر منها لبنان الرسمي وصاحب النفوذ الأوحد فيه أي مساعدة عمليّة تمكّنه من تخفيف حدّة انهياره الاقتصادي – المالي – المصرفي – النقدي، ومن إعادة بعض سيولته الدولاريّة، كما من شمول الفقر نحو 50 في المئة من أبنائه. فحربها السوريّة كلّفتها أموالاً طائلة. وهي لم تنتهِ بعد وربّما تستمرّ سنوات وإن بصِيَغ وسيناريوات مختلفة. فضلاً عن أنّها تعاني في داخلها مشكلات اقتصاديّة مُهمّة مثل اقتصار مدخولها المادي الذي مكّنها من تحمُّل نفقات حربها السوريّة على تصدير النفط والغاز. علماً أن البنى التحتيّة لهذا القطاع تحتاج إلى تحديث ومعها بناها التحتيّة في المجالات الاقتصاديّة المُتنوّعة الأخرى. ويؤكّد ذلك إعلانها غير مرَّة عدم استعدادها لإعمار سوريا بعد إنقاذ أسدها ونظامه حتّى الآن. كما تؤكّده معلومات جديّة عن حديث سابق بين رئيسها بوتين ورئيس أميركا ترامب تناول القضيّة السوريّة. وقد جاء فيه قبول الثاني سيطرة دولة الأوّل على سوريا بعد إنقاذها أو تحوُّلها صاحبة النفوذ الأوّل والأقوى فيها، لكن بعدما أشار إلى أن على روسيّا إعادة إعمارها وهي عاجزة عن ذلك في حين أنّ بلاده هو أكثر قدرة من على ذلك. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ روسيا ربّما تكون مُستعدّة للمساعدة لو كان المطلوب سلاحاً مُتنوِّعاً. والولايات المتّحدة لن تقدم طائعة على مساعدة لبنان لتجاوز أزماته المُستعصية، كما أنّها لن تضغط على حليفاتها من الدول العربيّة الغنيّة لمدِّه بالسيولة التي إليها يحتاج. علماً أن للأخيرة مشكلاتها الخاصّة والعميقة معه التي تدفعها إلى رفض مدّ يد المساعدة إليه. وشروطها معروفة ومُعظمها سياسي تنفيذ القرارين الدوليّين 1559 و1701، ورفض سيطرة “حزب الله” وإيران بواسطته على دولته أو دوله وهي ثلاث، وامتلاكه أسلحة مُتطوَّرة قادرة على إيذاء إسرائيل وعلى حكم شعوب لبنان الأربعة كلِّها رغم أنها تستند إلى شعب واحد منها. فضلاً عن أنّ واشنطن لن تضغط أو لن تسمح لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وسائر المنظّمات الدوليّة بمساعدته إذا استمرّ في الانحياز إلى إيران و”الحزب”، كما إذا استمرّت دوله الثلاث وطبقاته السياسيّة الفاسد معظمها في رفض إجراء الإصلاحات المطلوبة بإلحاح وفي محاسبة من نهبوا المالَيْن العام والخاص.

تبقى أوروبا التي يتفاءل فيها اللبنانيّون، والتي أبدت دولها غير مرَّة استعداداً لمساعدة البلاد قبل تعطّل دوله ونظامه، منها المانيا ولا سيّما لحلّ أزمة الكهرباء في لبنان التي قد يكون الهدر والفساد فيها السبب الأكبر لدين لبنان وعجزه ثمّ انهياره. لكن المُسيطرين على وزارة الطاقة منذ نحو عقد رفضوا كل العروض لأن صحابها لا يستخدمون الرشوة لحصول شركاتهم على مشروعات، ويكرهون عقليّة السمسرة الطاغية جدّاً في لبنان. علماً أن أمراً مُماثلاً حصل من زمان مع المُسيطرين المُشار إليهم، إذ عرض صندوق التنمية الكويتي تمويل تنفيذ مشروعات كهربائيّة مُشترطاً أن يبقى التمويل معه وأن يدفع هو للشركة أو الشركات المُنفِّذة في أثناء التنفيذ. لكنّ هؤلاء رفضوا وبطريقة ظهرت فيها عقليّة الاستهتار والبطر وجهل الواقع أو تجاهله.

لكن بين دول أوروبا هذه هناك فرنسا التي أسَّست لبنان الكبير ورعت قيام دولته ثمّ استقلالها قبل قرن من الزمان تقريباً. فهي كانت أمّاً حنون ولا تزال، إذ بادرت عند ملاحظتها اقتراب لبنان من الوقوع في “المهوار” ثم بعد وقوعه إلى الإعراب عن رغبة صادقة في مساعدته. لكنه كان عاجزاً عند ذلك لأسباب سياسيّة ولتمسُّك الطبقة السياسية بعناد بمواقعها وفسادها ورفض بناء دولة جديّة. ومنذ حصول الانهيار لم تترك باريس اقتراحاً إلّا وقدّمته، ولم تُقصِّر في تكرار الاقتراحات التي من دونها لن يُساعد أحد لبنان في العالم وهي في مقدّمته. وقد بلغ يأسها حدّاً كبيراً، كان تجاهله مُستحيلاً لكل لبناني ومُهتم بلبنان، في كلام وزير خارجيّتها لودريان أمام مجلس الشيوخ الذي أظهر عاطفة عميقة ونبيلة وصادقة تجاه لبنان وأيضاً يأساً، إذ ختمه بأسى بدعوته المسؤولين وغيرهم: ساعدونا كي نُساعدكم. وطبعاً لا حياة لمن تُنادي. ومن الأدلّة على ذلك تطنيش المسؤولين في “الدول الثلاث” عن نصائح فرنسا المُتكرِّرة يوميّاً منذ الانهيار، الأمر الذي دفع وزير خارجيّتها إلى “غسل” نظيره اللبناني في مكالمة هاتفيّة وخصوصاً بعدما كرّر الثاني طلب مليار أو اثنين أو ثلاثة من الدولارات عند انتهاء المسؤول الفرنسي من تقديم الاقتراحات والنصائح المعروفة.

في اختصار يعيش اللبنانيّون ومسؤولوهم “حال إنكار” لواقعهم المُزري ويخلقون مع حكّامهم ومسؤوليهم أوهاماً تجعلهم مُقتنعين بأن المساعدة الخارجيّة آتية لا محالة وتالياً تدفعهم إلى “نشر “بروباغندا” إعلانيّة – إعلاميّة فيها من السخف والجهل، وربّما من تعمّد الإجهاز على الدولة والنظام والصيغة الكثير.

وعلى هذا الأمر مثلان. الأوّل الاقتناع بأن العالم (أميركا وأوروبا) مُضطرّ لمساعدة لبنان لهلعه من تدفَّق لاجئين لبنانيّين وغير لبنانيّين مُقيمين في لبنان إليه. طبعاً الخوف من ذلك موجود لكنّه محدود لأنّ الهلع تسبّب به اللاجئون إلى أوروبا والذين وصلوا إلى أميركا وأوستراليا منذ بدء حرب سوريا. بعد فتح تركيا حدودها لهم لغايات طموحة ومؤذية في آن. فضلاً عن أنّ لجوء اللبنانيّين و”ضيوفهم” ليس بالسهولة التي يتصوُّرها البعض. والثاني عدم الاتّعاظ من الانهيار المالي – النقدي – المصرفي في لبنان. إذ بدلاً من التدقيق في أسبابه والتحقيق ثمّ محاسبة المسؤولين المباشرين الثلاثة عنه أي الدولة ومصرف لبنان والمصارف عاد بعض هؤلاء المسؤولين إلى استعمال الإعلام وسيلة لتبرئة الذمّة والتنصُّل من المسؤوليّة وذلك بالإشارة المادحة إلى أنّ من حمّل جهة معنيّة المسؤوليّة السلبيّة عاد إلى الإشادة بآرائها وإلى الإشادة بسياساتها. عجبي.

sarkis.naoum@annahar.com.lb